الفيلم الحائز جائزة السيزار الذهبي 2016 : «غداً»… كيف يتحول شريط وثائقي إلى ظاهرة اجتماعية؟

حجم الخط
0

مراكش ـ « القدس العربي» من عبدالله الساورة: منذ خمسة أشهر وبالضبط في باريس لم يشاهد فيلم « غدا» للمخرجين ميلاني لوران وسيريل ديون (118 دقيقة/سنة الإنتاج 2015/ نوع وثائقي/ البلد فرنسا/ ميزانية 1.76مليار يورو) إلا تسعة مشاهدين، وفي وقت قياسي وصل العدد إلى أزيد من ثلاثة ملايين مشاهد، وتحول إلى ظاهرة اجتماعية، فكيف حدث ذلك؟
في الفيلم الوثائقي «غدا» تظهر بعض الحركات المجددة في المشهد الإيكولوجي العالمي مثل البريطانية، «مدن في طور الانتقال»، ثم حركة «لا يصدق، صالحة للأكل». كذلك نسمع أصوات رائدة مثل الأب الإيكولوجي في فرنسا بيير رحبي، المتزعم لحركة «كوليبريس»، والناشطة الهندية والإيكولوجية فاندنا تشيفا. كذلك يحضر في الفيلم مزارعون صغار وكبار في الوقت ذاته، صغار بحقولهم الصغيرة والمتواضعة وكبار بتقنياتهم والمردوية الكبيرة التي يتم جنيها.
الفيلم يدق ناقوس الخطر على التحديات الإيكولوجية والتغيرات المناخية وعلى المخاطر التي تهدد الأرض، جراء الأزمات الاقتصادية والإيكولوجية والاجتماعية. اعتمد الفيلم على دراسة قدمها 22 عالما في مجلة «ناتير» (الطبيعة)، أعلنوا من خلالها أن أجزاء مهمة من الأرض يمكن أن تختفي قبل 2100 جراء التحولات المناخية ونقص المياه والجفاف والفيضانات… يستعرض الفيلم ويقدم أجوبة وحلولا مقترحة للتحولات المناخية في بداية القرن 21 من خلال تنقله في عشر دول وهي، فرنسا، لارنيون، فلندا، دنمارك، بلجيكا، جنوب الهند، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، السويد، آيسلندا عبر خمسة موضوعات أساسية:
التربية: يقدم الفيلم النموذج الفنلندي في قطاع التربية والتعليم، فحسب المخرجة ميلاني لوران فإن فنلندا النموذج الأمثل للتربية، فالأساتذة لايوزعون نقطا ولا عقوبات، ويتناولون أغذيتهم مع التلاميذ وكذلك الاعتماد على مجموعة من المنهجيات البيداغوجية في التعليم، وكيف يمكن أن نعيش بإنسجام مع المتعلمين والآخرين على حد سواء. ففي سنة 2009 نال النظام التربوي الفنلندي المرتبة الثانية على المستوى العالمي في مجال العلوم، والمرتبة الثالثة على مستوى القراءة، والمرتبة السادسة على مستوى الرياضيات.
استطاع المتعلمون من خلال هذا النموذج أن تكون لهم القدرة على اتخاذ القرارات والتعبير عما يشعرون به.
الديمقراطية: حسب الفيلم، المواطنون في أرجاء العالم لا ينتظرون من رجال السياسة أن يجيبوا على أسئلتهم المنتظرة، وعلى حد أحد الخبراء في الأمم المتحدة «أن الديمقراطية قد اختفت».
يبرز الفيلم كيف أن مدينة جنوب الهند تدعى «كتام بكام» تحولت إلى مدينة ديمقراطية محلية باستخدام كتاب «مليون ثائر هادئ» للكاتب بنديت مانيي.
الاقتصاد: يقدم الفيلم نماذج في الاقتصاد وحلولا مقترحة لما يعيشه الاقتصاد العالمي، ويقدم مدينة إنكليزية لها أموالها الخاصة وتعود بالفائدة على الساكنة. ويبرز الفيلم قيمة ما يسمى بنظام النقد التكاملي في السويد والتجربة الرائدة في هذا المجال. ويصور كيف أن شركات صغيرة تفكر في المحلية وكيف تنظم شبكتها الخاصة.
يقدم المخرجان، مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية (843 ألف نسمة) في الاقتصاد الدائري، وكيف تعيد تدوير 80 في المئة من متلاشياتها وتريد أن تصبح بصفر متلاشيات سنة 2020.
الطاقة: يبرز الفيلم أن الطاقة من أكبر المشاكل العالمية، وهي الأصل في الأزمات الاقتصادية العالمية، ويقدم حلا في استغلال الطاقة الشمسية، كما هو الحال بالنسبة لمدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، ويبررها كيف استطاعت تحقيق طاقتها النظيفة والمتجددة.
التغذية: يقدم مشاهد مروعة للفقر في العالم والمجاعات ويقدم مدينة ديترويت كمدينة للفقراء والصناعة وكيف استطاع الفقراء أن ينتظموا بطريقة ذاتية وأصبحت مدينة «غدي نفسك بنفسك» في إطار الاستهلاك التعاوني. ويقدم الفيلم مدينة نورماندي والمزروعات البيو (المزروعات الطبيعية) . وفي إنكلترا استطاع سكان مدينة «تود مورتن» غرس أشجار مثمرة في الشوارع، وكيف لكل شخص حق رعايتها وحق الاستفادة منها. الفكرة أن الفيلم يشيع فكرة أن المواطن العالمي يستطيع أن ينتج ما يأكله.
بهذه الحلول المقترحة وهذا السفر في بقاع مختلفة من الكرة الأرضية استطاع المخرجان أن يقدما حلولا لما يعيشه العالم من أزمات ومشاكل، من دون الإطناب في خطابات نفخ الأزمات وتكريسها بخطاب الأزمة، وبذلك استطاع الفيلم أن يحقق في زمن لم يتجاوز خمسة أشهر من خروجه إلى الصالات السينمائية نسبة مشاهدة عالمية فاقت أكثر من ثلاثة ملايين مشاهد.
المخرجة والممثلة ميلاني (من مواليد 1983) شاركت في مجموعة من الأفلام العالمية، صحبة المخرج سيريل ديون (1978)، كاتب وشاعر ومخرج وناشط فرنسي، استطاعا أن يبدعا في هذا الشريط الإيكولوجي وبهذا العمق على اعتبار أنهما من كتب سيناريو الفيلم.
صعوبة الفيلم أنه يقدم الكثير من المشاكل الاقتصادية والأزمات ويقدم معها شخصيات عالمية ناضلت في مجال الدفاع عن الأرض كأصوات منددة بظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية. واستطاع هذا الفيلم أن يحقق داخل الصالات الفرنســية أزيد من 700 ألف مشاهد.
فكرة بسيطة يعتمدها المخرجان لهذا الفيلم وهي أن عنوان الفيلم «غدا « بدون أداة التعريف، يبقى فقط يوما مجهولا ولكن الأمل في الغد.. والمستقبل وفي انتظار هذا اليوم الموعود، ولكن الفيلم يرسم طريقا بسيطا للوصول إليه.. وأنه يوم موعود …ويمكن الوصول إليه.
لهذا الأسباب مجتمعة حاز الفيلم جائزة السيزار الذهبي كأحسن فيلم وثائقي لسنة 2016 وسيحصد المزيد من الجوائز العالمية….

الفيلم الحائز جائزة السيزار الذهبي 2016 : «غداً»… كيف يتحول شريط وثائقي إلى ظاهرة اجتماعية؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية