الفيلم اللبناني «إلى أين» يعود حيا إلى أرشيف كانّ

حجم الخط
0

هي المرّة الخامسة ربما التي أعود فيها إلى مشاهدة فيلم «إلى أين». كان ذلك، في كل من المرّات، مرتبطا بمناسبة احتفالية لكونه الفيلم اللبناني المكتمل الأول (حيث سبقه أو زامنه فيلمان لمخرجين لبنانيين، حسب ما ذكر مخرجه جورج نصر في الوثائقي الذي أعدّ لمناسبة احتفالية هي أيضا، وعنوانها إدراج «إلى أين» في كلاسيكيات مهرجان كان).
وكانت تفصل سنوات بين المشاهدة والأخرى، ما جعل نسخته تزداد ضعفا مرّة بعد أخرى. ولأن العروض مرتبطة بالمناسبات، كان جورج نصر حاضرا بشخصه في بعض العروض، كذلك كانت حاضرة روايته عن الظروف التي أتاحت إنتاج «إلى أين» في 1956.
هما حكايتان إذن: حكاية ما يرويه الفيلم وحكاية إنجازه. لتبّين ذاك الحضور المزدوج لهما، فلنرجع إلى ما كان قد كتب عن الفيلم في السابق.
أمس، في سينما صوفيل، أتيح لجمهور الصالة أن يشاهد الحكايتين منفصلتين. في العرض الأول هناك الوثائقي عن جورج نصر، وقد أعدّه بديع أسود وأنطوان واكد، وفي العرض الثاني نشاهد الفيلم مرمّما، واضح الصورة والصوت هذه المرة، معَدّا لمناسبة تكريم مخرجه في كان.
والتجربتان تستحقّان أن تُدرجا في التاريخ السينمائي اللبناني، خاصّة أن بداية إحداهما، وهي علاقة جورج نصر بالسينما، ترجع سنوات إلى ما قبل 1956، حين استبدّ به شغف السينما. في الوثائقي قال إنه كان ينصرف عمن هم حوله، مستغرقا في تخيّل مشهد ما فيشعر، بعد الانتهاء من تخيّله، كما لو أنه مقطع فعلي من فيلم. وكان هذا أعظم شيء يحصل له كما قال. دائما هناك سيرة للسينمائي تبدأ مما قبل الذهاب إلى السينما أو المباشرة بها. قال نصر، الذي صار الآن في التسعين من عمره، إنه كان في فتوته يشاهد ثمانية أفلام في الأسبوع، إذ أن عطلة نهار الأحد تتيح له مشاهدة فيلمين اثنين. أما حكايته عن الذهاب إلى الولايات المتحدة للدراسة، فتذكّر بما كان رواه يوسف شاهين في أحد أفلامه عن رحلته إلى أمريكا، لغرض تعلم السينما نفسه.
«لم أكن أعلم أن السينما تُدرّس» قال جورج نصر في الوثائقي، «كنت أفكّر أنها تأتي هكذا، كأن من السماء». هي أربع سنوات قضاها في جامعة USLA في كاليفورنيا ثم، بعد فترة تدريب في هوليوود عاد إلى لبنان ليبدأ تصوير «إلى أين»، بادئا من موضوع راهن. ذاك لأن الزمن آنذاك كان زمن الهجرة من القرى اللبنانية إلى بلدان أمريكا الجنوبية، وهذا بخلاف الأفلام المصرية التي قامت على الفصل بين ما يجري في الحياة وما تصوّره السينما، أي أن جورج نصر أراد، منذ البداية، أن يسلك طريقا معاكسا لما اعتاد لبنانيو ذلك الزمن مشاهدته. وفي هذا مغامرة لم يأخذ المخرج نتيجتها في حسبانه، إذ رفضت دور السينما عرض الفيلم. فقط سينما أوبرا غامرت بعرضه، وذلك عائد إلى حكاية، أو إلى فاصل من حكاية يُضاف إلى الفيلم وإلى الشريط أيضا.
أراد أن يكون مختلفا، أو سبّاقا، قافزا إلى ما يعلو عن هوى الناس بمشاهدة الأفلام. من ذلك أيضا ذلك الإيقاع البطيء لحركة الفيلم، فيما أن ما يريده الجمهور هو الإيقاع المتسارع، قتلا للملل. في حوارات كانت تُجرى معه كان يقول بأن هذا الإيقاع البطيء هو إيقاع القرى. نتيجة هذه الطليعية المتمثّلة بمعاكسة التيار هي، في السينما، أقسى مما هي في أنواع الفنون الأخرى. ففي الكتابة أو الرسم مثلا يمكن الانتظار، أما في السينما فإن الفيلم يجب أن يعرض من فور إنتاجه، وإن لم يلقَ إقبالا واسعا، يصعب على المخرج أن يبدأ العمل بفيلم ثان.
كل هذا الإخلاص للفن والرغبة في تجاوز ما هو سائد فيه، يجري في بلد لم تكن السينما قد بدأت فيه بعد. لا وجود لممثّلين ولا لتقنيين، أما عن الأدوات فقال جورج نصر أنه لجأ إلى نجارين وحدادين حتى يصنعوا له السكة التي تجري عليها عربة التصوير، المصنوعة محليا هي أيضا. وفي تقييمه لحصيلة ما أنجزه يستنتج نصر أنه «لا يمكن إنتاج فيلم بدون تحضيرات مسبقة أو علاقات عامة وبدون آلية عمل.. لقد كنا سذّجا متهورين بفكرة وصولنا إلى كانّ».
إنه الشغف المتجاوز لإمكان تحقيقه، وإضافة إلى ذلك أراد مخرجنا أن يذهب إلى أبعد. لقد أخرج فيلمين بعد ذلك، عرضت مشاهد منهما في الشريط الوثائقي، لكن لم يعرفا شهرة ولا استجلبا جمهورا. دائما كنت أفترض أن جورج نصر هو مخرج الفيلم الواحد: «إلى أين».
ذاك أنّ لحظة تأتي يعرف فيها الشغوف أن الظروف المعاكسة ستزداد تعقدا وقسوة مع انقضاء الوقت. في عمر مبكر نسبيا تحوّل جورج نصر إلى صناعة الأشرطة الدعائية والوثائقية، كما إلى التعليم، لتحصيل العيش. في الوثائقي الذي شاهدته أمس، وعنوانه بالعربية «ناصر ما»، فصّل كيف ينقل ما تعلّمه إلى طلابه في الجامعة، أولئك الذين أتوا إليه حاملين الشغف ذاته لتواجههم عراقيل لا تقل قسوة عن تلك التي سبقت.

٭ كاتب لبناني

الفيلم اللبناني «إلى أين» يعود حيا إلى أرشيف كانّ

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية