الفيلم الهندي «بادمافاتي»: الحرب والشعر في سبيل الجمال

حجم الخط
0

من التاريخ السحيق إلى السرد الشفهي إلى الأدب المدون والشعر المكتوب، انتقلت حكاية الملكة بادمافاتي والسلطان علاء الدين خلجي عبر القرون حتى وصلت إلى السينما في أول معالجة لتلك الحكاية الواقعية التي تفوق الخيال. فالمدهش في فيلم «بادمافاتي» أن كل شخصياته حقيقية عاشــت بالفــعــل ووجدت يوماً بكل تعقيداتها الـــدرامية وجــمــوحها واختياراتها وأخطــائها وأقــدارها ومصائرها، ما يثير العجب من دراما الكون التي تغلب أكثر الحبكات الفنية تعــقـيداً ومن الواقع الذي يحتوي على كل هذا الخيال.
اعتمد الفيلم على الوقائع والأحداث التاريخية من خلال الالتزام بملامح الحقبة الزمنية بكافة تفاصيلها وعاداتها، لكنه اعتمد فنياً من بين روايات متعددة للحكاية على رواية الشاعر الهندي مالك محمد جياسي، في قصيدته الملحمية «بادمافاتي» التي كتبها في القرن السادس عشر متناولاً الحكاية الحقيقية التي وقعت أحداثها في القرن الرابع عشر برؤية فلسفية صوفية تمنحها أبعاداً لا متناهية من الجمال.
على غير المعتاد في السينما الهندية يظهر بطل الفيلم الممثل رانفير سينغ، الذي يجسد شخصية علاء الدين خلجي في اللحظات الأولى في مشهد أسطوري حيث يدخل على عمه السلطان جلال الدين خلجي وإلى جواره نعامة هائلة الحجم يمسك بقيدها هدية لابنة عمه التي يحصل في نفس اللحظة على موافقتها ويتزوج بها، ومن خلال هذا المشهد تظهر سمات شخصية علاء الدين المجرم المفتون بالجمال المهووس بالسلطة، الطموح المتلاعب المخادع الذي بإمكانه أن يحصل على كل ما يريد بشتى السبل.
وفي خطين متوازيين تسير الأحداث في الساعة الأولى من الفيلم، خط يتناول قصة علاء الدين وطموحه ونجاحاته وتحقيقه للنصر تلو الآخر بفضل خياناته المتكررة التي تمنحه المزيد من القوة والسلطة في كل مرة، إلى أن يقتل عمه السلطان جلال الدين بطعنة في الظهر بينما هو يحتضنه، ويستولي على تاجه الملكي الذي يصفه «تاج غدار دائماً ما يغير الرؤوس» ويصير علاء الدين سلطان دلهي المفدى. ويتناول الخط الآخر حياة «بادمافاتي» التي تجسد شخصيتها الممثلة ديبيكا بادوكون وقصة حبها وزواجها من راتان سينغ ملك ميوار، ونراها في أول مشاهدها وهي تطارد غزالا تحاول صيده بسهامها، وتبدو وسط الغابة الخضراء أجمل من الطبيعة الساحرة ومن الغزال، ثم تطلق سهماً طائشاً يستقر في كتف الملك الأيسر وكأنه سهم الحب الذي غرس في قلبه، وتقع هي أيضاً في غرامه ويصحبها إلى قصره في «تشيتور» وتصير ملكة يحبها الجميع ما عدا الكاهن الذي يغار من حكمتها التي تفوق حكمته، ويحاول أن يؤذيها بصلوات ما ويكتشف الملك خيانته ويبعده.
هذا الكاهن سيلعب الدور المحوري في التقاء الخطين وسيكون هو نقطة تقاطعهما، إذ يهيم بعيداً يعزف بمزماره ألحانه الغامضة الساحرة، فيسمعه علاء الدين المفتون بالجمال ويأمر بإحضاره، ويرى أنه يملك موهبة ثمينة في العزف وأنه يمكن أن يحصل على كل شيء عدا مثل هذه الموهبة، فهو يدرك أن الموهبة شيء لا يمكن الحصول عليه ويعرف أن هناك ما هو أثمن من الأشياء المادية، ثم يضمه إليه ويخبره بأنه سيكون فخر بلاطه الملكي، يخبره الكاهن عن «بادمافاتي» في مشهد سيمثل نقطة التحول في شخصية علاء الدين وأحداث الفيلم، حيث يقول له أنه لن يحقق أي شيء ولن يصل إلى أي شيء إن لم يحصل على «بادمافاتي» يصفها له ويخبره بأنها خيال وأنها جوهر الحياة ومعناها وأنها هي سر الخلود، وأنه إن حصل عليها ستكون الدنيا بأكملها والجنة أيضاً في يده.
يبث الكاهن الفكرة في روعه فيما يشبه التعويذة السحرية، كأنها فكرة روحانية سامية، كأنها المثل الأعلى والحقيقة المطلقة، فتصير «بادمافاتي» التي لم يرها ولن يراها إلا طيفاً بعيداً لبضع ثوان من غير أن يتبين ملامحها هي الشغل الشاغل لعلاء الدين، الذي يدعو الملك راتان سينغ للقائه هو وزوجته فيرفض الدعوة، ويعلن علاء الدين الحرب عليه من أجل الوصول إلى «بادمافاتي» حلمه المحصن خلف أسوار تشيتور العالية. وتتواصل الحروب ومحاولات علاء الدين وسعيه للحصول على سر الخلود والوصول إلى حلمه العظيم.
برع سانجاي ليلا فانسالي، مخرج الفيلم ومنتجه والمشارك في كتابة السيناريو وتأليف موسيقى الفيلم في نقل عالم التاريخ والشعر والخيال في أروع صورة سينمائية اعتمدت على تقديم الجديد مما لم تألفه العين، من الديكورات وأماكن التصوير والملابس وتصميم الرقصات والمشاهد الحربية وحركة المجموعات البشرية الكبيرة والإضاءة المعتمدة على النار في أغلب المشاهد.
كل شخصيات الفيلم حقيقية بقدر ما تبدو خيالية في أجواء غرائبية بامتياز، ومن هذه الشخصيات شخصية مالك كافور، العبد الوسيم القوي المطيع لسيده علاء الدين والذي حظي بثقته حتى صار نائباً له في الواقع، وجسد شخصيته الممثل والمخرج المسرحي جيم صرب، وأظهر موهبة فذة بأداء جديد مختلف عبر عن هذا العبد الذي يهيم حباً في سيده ويحزنه علمه بحقيقة أنه على الرغم من قربه من سيده وأنه سره الأمين لا يمكن أن يصل إلى مكانة «بادمافاتي» في نفسه وروحه وفكره. وكذلك شخصية راتان سينغ، التي جسدها ببراعة الممثل شاهد كابور ونجح في التعبير عن طبيعة هذه الشخصية التراجيدية بأخطائها المتمثلة في التمسك بالمبادئ التي تجلب له الهزائم بالإضافة إلى سخرية الخصم الخائن الغادر. ومن الشخصيات المهمة التي لم يتسع لها الفيلم شخصية أمير خسرو، المؤرخ الذي له مصنف عن علاء الدين خلجي بعنوان «خزائن الفتوح» أو «تاريخ علائي» والشاعر الملقب بسيد الشعر، إذ يظهر سريعاً في مشهدين الأول لعلاء الدين وهو يمزق سجلات التاريخ التي لا تحتوي على اسمه ويلقي بها إلى النار لأنه يريد ألا يذكر التاريخ أحداً سواه، ويخبر أمير خسرو أنه مزق بعض مدوناته فيقف خسرو ساكناً لا يبدي أي اعتراض، والمشهد الآخر يجلس فيه علاء الدين يلقي أبياتاً شعرية ركيكة من نظمه فلا تعجب ابن عمه (الذي يحاول قتله لكن علاء الدين سيقضي عليه) فيخبره أن ها هو أمير خسرو لا يعترض على شعري بل يثني عليه.
أما شخصية علاء الدين فهي درامية من الطراز الرفيع، تقمصها الممثل رانفير سينغ، بجنون وبدا غارقاً في أغوارها العميقة بحيث اختفت ملامح رانفير تماماً ولم يبقى سوى علاء الدين، تلك الشخصية الطاغية الجبارة، أو الإسكندر الثاني كما كان يلقب لأنه كان معجباً بالإسكندر الأعظم ويطمح في أن يكون له مثل توسعاته وانتصاراته، ولم ينقصه الطموح والشغف والجنون بالسلطة والحلم بالتوسع وملك الدنيا والجنة والخلود، يقدم رانفير سينغ، أداء مذهلاً يتفجر طاقة وحيوية منذ أول مشاهد الفيلم حتى مشهد النهاية، وبرع رانفير في تقنيات الرقص التعبيري واستخدام جسده في إظهار غرائز علاء الدين الوحشية وجنون السلطة وشهوة الملك لديه، حينما أخذ يرقص بعنف وكأنه أسد مفترس يستطيع افتراس العالم بأكمله.
لحظة انتصار علاء الدين حين دك حصون تشيتور وقتل ملكها ومشى على جثث جنودها كانت هي لحظة هزيمته وخسارته الكبرى، فلم يحصل على «بادمافاتي» التي أحرقت نفسها للحفاظ على شرفها قبل أن يصل إليها أو حتى يراها، خسر حلمه وذلك الطيف البعيد الذي لم يره إلا لبضع ثوان، لم ير «بادمافاتي» الهادئة النفس التي تمثل الجمال المطلق والقيم العليا والشرف الأسمى، الفكرة التي تلهم نفسه وتستثير عقله وتستحث خياله، فقد مُلك الدنيا والجنة والخلود، فقد ذلك الطيف وذلك الخيال الذي يكون أحياناً أهم وأثمن من كل ما تمسك به اليد. وفي مشهد النهاية المهيب ومع حركة الكاميرا التي تلاحق ركض علاء الدين بسرعة مجنونة رغبة منه في أن يرى حلمه، أن يمسك به قبل أن يحترق، يركض ملهوفاً بجروحه النازفة متعباً بعد جهد شهور وحروب وتضحية بحياة آلاف الجنود، وكل الخراب والدمار وبحور الدم وأكوام الجثث والأشلاء والحرائق والرعب والجوع والحصار، وكل ما صنعه من أجل حلمه الذي ظل يطارده حتى النهاية ولم يجن سوى الحسرة ولم يحصل إلا على الهباء، وإن انتصر في الحرب واحتفظ بحياته وقتل الجميع وامتلك الأرض والقلاع الحصينة، لكنه لم يحصل على الجوهر وفقد المعنى إلى الأبد.

الفيلم الهندي «بادمافاتي»: الحرب والشعر في سبيل الجمال

مروة متولي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية