الفيلم خلد صورة حسّان حسّان الذي توفيّ تحت التعذيب: «شباب اليرموك» للفرنسي ألكسل سينز: الفلسطيني في سوريا… حكايات وجع

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: لا يكفي أن تكون فلسطينياً، ولا يكفي أن تكون سورياً، عليك أن تعيش زمناً في «مخيم اليرموك» لتلقط سحره الوحشي.
أجل فالمخيم ليس حكاية سهلة، وكيف لحكايات النزوح أن تكون سهلة. تقول إحدى شخصيات فيلم «شباب اليرموك»: «هذه الخيام الإسمنتية». أجل هكذا هو المخيم. هو: «مثلث متساوي الساقين قاعدته نحو الجنوب ورأسه نحو الشمال، حيث اتجهت رحلة نزوح الفلسطينيين الأولى»، كما تقول شخصية أخرى في الفيلم ذاته الذي عُرِضَ يوم 18 آذار/مارس 2015 في صالة «أمبير متروبوليس» بتوقيع المخرج الفرنسي الشاب ألكسل سالفاتوري- سينز ضمن فعاليّات مهرجان «أيام بيروت السينمائية» في دورته الثامنة.
صُوّر الفيلم في «مخيم اليرموك» بدمشق قبل أكثر من خمسة أعوام، أي قبل مارس 2011 الذي امتدَّ لهيباً حارقاً في مختلف المناطق السورية، من استثنائيّة الحدث ولحظته التاريخيّة المُباغتة لكل توقعات المراقبين في ذاك الزمن، امتلك الفيلم قيمةً مُضافة إلى جمالياته السينمائية والفنية، قيمة حضور الممثل والناشط الفلسطيني حسّان حسّان، الذي توفيّ تحت التعذيب في أحد فروع الأمن نهاية عام 2013.
هذه القيمة ليست فقط القيمة التوثيقيّة التي تخلّد صورة ابتسامةٍ غيّبها الموت تحت التعذيب، ليست فقط وهب الحياة لقتيل هو رقم في عناوين الأخبار ومنظمات الأمم المتحدة، بل في الواقع أنّ الأمر معكوسٌ، فحسّان حسّان هو من وهبّ إكمال المعنى للفيلم الذي حاول أن يلتقط حيوات أربعة شباب وصبايا عاشوا في «مخيم اليرموك» طفولتهم وسنيّهم الأولى انطلاقاً من كونهم جزءاً من جيل المنفيين الثالث، وهم الآن على مفترق طرق. فكم كانت مفارقة أن يظهر حسان حسان على الشاشة بلباس الجيش السوري النظامي، هو الذي قُتِلَ بعد أربع سنوات تقريباً في حرب كان هذا الجيش أحد أطرافها. أمّا صديقه فيقول في أحد مشاهد الفيلم، إنّه لن يقبل بأيّ شرطٍ أو ضغط أن يكون «جندياً سورياً»، والفلسطينيون ملزمون بأداء خدمة الجيش تحت مسمّى إحدى الفصائل الفلسطينية، لكنه في حقيقة الأمر يؤدّي هذا الواجب الإلزامي كجندي سوري.
من هنا يختار السفر طريقاً آخر للحياة، وينزح مرّة أخرى كفلسطيني ولد في المنفى. يضحك وهو يودّع أصدقاءه بأنّه سيأخذ خيمته معه، فهذا كلّ ما يملكه الفلسطيني، خيمة النزوح.
اليوم يتحدّث الجميع عن لحظة الحاضر، وكأنّهم يخشون الاعتراف بالعقم أمام تصوّر مستقبلٍ ما للسوري، وللفلسطيني الذي راح ضحيّة مواطنة شديدة التعقيد. لكن هذا الفيلم يتحدّث عن ذاك الزمن الجامد، الساكن، الذي خُيّل للعالم الخارجي أنّه خارج الفعاليّة، فكان مارس 2011 الصدمة التي باغتت الكثيرين إن لم نقل العالم. في الفيلم يتحدّث حسان عن «المواطنة» وأنّه لا هدف آخر أسمى من العمل على هذا المفهوم بغيّة إعادة تشكيل «المواطن السوري»، لا قضايا المرأة ولا قضايا الطفل، فالأمل الوحيد المتبقي يتمثّل في هذا المواطن.
هذا الكلام ابن لحظته التاريخية، إذ حملت بداية الألفيّة الجديدة تساهلاً من قبل السلطات السورية المعنية في تعاطيها مع قضايا المرأة والجندر والطفولة، وأصبح بإمكان الناشطين السوريين العاملين في هذا المجال التحرّك بعلانية وبأريحيّة أكثر من السنوات السابقة، حتى أنّه تمّ تأسيس هيئة حكومية باسم «الهيئة السورية لشؤون الأسرة» بالقانون رقم 42 لعام 2003، في الوقت الذي استمرّ فيه التضييق على الحريّات العامّة وشَرعة حقوق الإنسان عملاً بقانون الطوارئ النافذ منذ 8 آذار 1963 كالتجمّع وحريّة التعبير وتشكيل الجمعيّات.
أجل لا أحداث كثيرة بارزة في الفيلم الحائز العديد من الجوائز كجائزة «أفضل فيلم» في مهرجان «جان روش» السينمائي ومهرجان «الأرض» السينمائي، وبالنسبة للحضور يوم أمس فالفيلم وشاح حنين يسرقهم إلى ماضٍ حاول الفيلم ملامسة روحه، التقاط تفاصيله، ونجح في بعض هذا، لكنهم وحدهم سكّان المخيم الذي تأسّس عام 1957 يعرفون سحره. يعرفون تلك السهرات الليلية فوق السطوح حيث المدى لا يشي سوى بطوبٍ وإسمنتٍ وبراميل تخزين المياه وصحون اللاقط القبيحة الصدئة، لكن هذا لا يهم فلا أحد كان ينظر حقيقة إلى الأمام أو الوراء، كان الجميع ينظر إلى السماء، ويُغني.
أجل على سطوح البناء العشوائي في «مخيم اليرموك» وهو أكبر مُخيّم للاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط، غنّى أصحاب الأحلام المُنطفئة، للوحدة العربية والثورة التي ستحرّر فلسطين، للشيخ إمام ومارسيل خليفة وفيروز، غنوّا مع أطفالهم للحرية وطريق عيتيت ورام الله والرفاق الغالين في السجن أو القبر، وجعلوا المخيم مكاناً أقلّ وحشّة، وأكثر قابليّة للحلم وسط فقره والقمامة المتناثرة فيه وعنفه كذلك.
لغة الشباب في الفيلم لا تشبه لغة كثيرٍ من الشباب السوري، كما يُخيّل للوهلة الأولى، لكنها حقيقة في الوقت ذاته، وكثيرون تحدّثوا بهذه اللغة التي تكثر فيها مفردات «الحلم، الوطن، الحب، والفن»، كثيرون معظمهم اليوم قتيل أو سجين أو محاصر في المُخيم الذي يُعاني الحصار منذ تموز/يوليو 2014 وفيه قرابة «18000» شخص يعانون من الجوع ونقص الغذاء والدواء وانقطاع الماء والكهرباء، الأمر الذي تسبّب بوفاة العشرات من الشيوخ والأطفال حتى اللحظة.

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية