لندن ـ «القدس العربي»: يناقش المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا أن تجميد العمليات العسكرية هو الخيار المتوفر للتقدم في المستقبل وتحقيق حل سياسي، وما يقوله دي ميستورا طرحه الشهر الماضي وأصبح محلا للنقاش في مجلس الأمن الدولي والعواصم الغربية وفي دمشق التي زارها حيث اجتمع مع الرئيس السوري بشار الأسد.
وحصل دي ميستورا على رد إيجابي من الحكومة في دمشق، في وقت تقلل فيه المعارضة من أهمية الخطوة بناء على تجارب سابقة لم تنجح فيها اتفاقيات وقف إطلاق النار.
وكان دي ميستورا واضحا في هدفه عندما زار مدينة حمص التي لا تزال المعارضة السورية تسيطر فيها على حي الوعر، وقال في أحاديث نقلتها عنه مراسلة هيئة تلفزيون بي بي سي ليز دوسيت إن تنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش يمثل الخطر الحقيقي على المعارضة والنظام على حد سواء ومن هنا فالخطة التي يطرحها ويبدأ تطبيقها من حلب قد تكون محبذة لهم وتجنب حلب الدمار الشامل الذي أصاب مدينة حمص.
وقال لليز دوسيت إن «صعود داعش يعتبر عاملا جديدا يمكن أن يؤدي للنظر إلى النزاع بطريقة مختلفة». وقال دي ميستورا إن الأطراف المتحاربة أي النظام والمعارضة بدأت تتساءل عن سبب مواصلة النزاع الذي تستفيد منه جبهة النصرة وداعش.
تجميد أولا
وتقوم خطة دي ميستورا على توقيع اتفاقيات وقف إطلاق نار محلية تسمح بتحسين الأوضاع ودخول المواد الإنسانية للعالقين في محاور الحرب.
ولا يقدم المبعوث الدولي أفكاره على أنها خطة لوقف الحرب ولكنها خطة عمل، فالحديث عن خطة للحل يظل كما يقول في إطار «الطموح والوهم».
ونظرا للتجارب السابقة تتعامل المعارضة السورية مع مقترحات كهذه بنوع من الشك. وبحسب إسلام علوش المتحدث باسم «الجبهة الإسلامية» التي تضم عددا من الفصائل المقاتلة فالمقترح ما هو إلا «كلام إعلامي».
ويرى أن الخطة ستكون ناجحة في حال أوقف النظام القتل والبراميل المتفجرة التي ترميها طائرات النظام. وتنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن إيميل هوكاييم من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن قوله إن مقترح وقف إطلاق النار في حلب «قد يخفض من مستوى العنف» ولكن وبسبب تشرذم المعارضة فاتفاقيات هدنة كهذه «عادة ما تنهار بشكل سريع، وستترك الفكرة أُثرا سلبيا على المعارضة وقد تزيد من انقسامها.
ويرى حسن حسن الباحث في معهد ديلما بأبو ظبي أن فكرة دي ميستورا قد تنجح حالة «وجدت الإرادة الحقيقية من المجتمع الدولي، ويمكن لفكرة تجميد القتال أن تسهم في تعزيز الاستقرارفي المناطق الواقعة إما تحت سيطرة النظام أو المعارضة»، والمهم هو الحفاظ على هذه المناطق بعيدة عن منال المتطرفين.
وفي المحصلة فاقتراح دي ميستورا يصب بمصلحة استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب الذي يمثله داعش، وهو ما ترفضه المعارضة السورية التي ترى فيها حرفا عن الأنظار، أو كما قال هادي البحرة، رئيس الائتلاف الوطني السوري علاجا للعرض دون الأصل.
وفي مقابلة مع محرر شؤون الشرق الأوسط إيان بلاك قال البحرة إن التركيز على داعش يضعف من التأييد للمعارضة السورية.
وقال إن اتفاقيات الهدنة لا تساعد إلا النظام طالما لم يتم التوافق على حل سياسي. وأشار إلى مخاوف المعارضة التي ترى أن التركيز على تنظيم الدولة يعبر عن أجندة سرية.
شكوى وتذمر
وتعبر تصريحات البحرة عن حالة عامة لدى المعارضة وشعور باليأس دفع بعضها للتخلي عن القتال فيما قرر آخرون الانضمام لتنظيم داعش أو التنظيمات الجهادية الأخرى.
وترى روث شيرلوك في تقرير لها بصحيفة «ديلي تلغراف» أن المقاتلين في الجيش الحر باتوا يرفضون المشاركة في القتال بسبب نقص الأسلحة التي وعدت بتقديمها دول الغرب لهم. ونقلت الصحيفة شكوى عدد منهم من قلة الأسلحة التي تصل إليهم والإجراءات البيروقراطية خاصة عندما يتعلق الأمر بأسلحة ثقيلة.
وتنقل الصحيفة عن قيادي لقبه أبو أحمد قوله «عندما نقرر القيام بعملية ونتقدم بالخطة لغرفة العمليات، وتصلنا الأسلحة عندما نحصل على موافقة».
والمشكلة هي في الشروط التي تضعها غرف العمليات على استخدام الأسلحة الثقيلة، «فعندما تصل صواريخ مضادة للدبابات يطلب منا تصوير كل مرة نستخدمها فيها لإثبات أننا لم نبعها».
وتخشى الولايات المتحدة من تسرب هذه الأسلحة للجماعات الجهادية. ولكن الأحداث الأخيرة في شمال سوريا أثبتت عدم دقة هذه السياسة. فالمعارك التي خاضتها جبهة النصرة ضد «جبهة ثوارسوريا» و «حركة حزم» أدت كما تقول تقارير لوقوع بعض الأسلحة الثقيلة بيد جبهة النصرة.
ورغم هذا ففشل الولايات المتحدة تقديم مساعدات عسكرية للمعارضة المعتدلة يعتبر مصدر شكوى واسعة بينهم، رغم التزام إدارة باراك أوباما بدعم السوريين، حيث حدد في إيلول/ سبتمبر عن خطة لتسليح 5.000 مقاتل من المعارضة وطلب من الكونغرس الموافقة على ميزانية 500 مليون دولار لتنفيذ البرنامج. ومع ذلك يعترف الأمريكيون أن تنفيذ الخطة يحتاج لعام وأن هدف أوباما الرئيسي هو الجهاديين من جبهة النصرة وتنظيم داعش وليس نظام الأسد كما تطالب المعارضة.
وبسبب التردد الأمريكي يقول أبو أحمد إن المقاتلين باتوا يمتنعون عن المساعدة في العمليات القتالية خوفا من جبهة النصرة. وزادت المخاوف أكثر بعد هزيمة زعيم جبهة ثوار سوريا، جمال معروف.
وكانت المعارضة السورية في الداخل والخارج قد دفعت معروف للواجهة بداية العام الحالي، وقدمته للغرب باعتباره الرجل الذي يمكن التعاون معه. رغم ما يثار حوله من شائعات. وتشير الصحيفة لاكتشاف 19 جثة في قرية معروف، القيت في بئر ومن بينها إمرأة وطفلين وأحد «أمراء» جبهة النصرة. لكن معروف دافع عن نفسه وأكد أن هذه الجثث هي لمقاتلين أعداء وأن المرأة قتلت وأولادها على يد زوجها بعد اكتشافه تعاملها مع مخبر للنظام.
وترى الصحيفة أن اكتشاف المقبرة الجماعية يعبر عن التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية وهي تحاول تحقيق أهداف متضاربة: القضاء على داعش والنظام وتقديم الدعم للمعارضة المؤيدة للديمقراطية إضافة للجهود التي تقوم بها لحل الملف النووي الإيراني والتقارب مع طهران التي تعتبر من أكبر داعمي نظام الأسد.
وتنقل الصحيفة عن مصدر وثيق الصلة بالإدارة الأمريكية قوله «تريد الولايات المتحدة تجنب قتل الإيرانيين الذي يحاربون في الصفوف الأمامية إلى جانب قوات الأسد».
ويقول أبو ماجد وهو قيادي تلقى دعما من الولايات المتحدة إن هذا الدعم لم يمنع من هزيمته على يد جبهة النصرة.
واعترف بأن 1.000 من مقاتليه توقفوا عن القتال أو انضموا للجماعات الجهادية. وقال إن الدعم العسكري لا يكفي للحفاظ على مواقع المعارضة. ويشير التقرير لانشقاق عدد من المقاتلين للعمل مع داعش أو جبهة النصرة مع أنهم لا يؤمنون بالإفكار المتطرفة التي يحملها التنظيمان.
ويقول محمود الذي انشق عن الجيش الحر «داعش هو الحل الوحيد بالنسبة لنا، ولو ساعد أوباما الجيش الحر لكن الأمر مختلفا».
ويلوم الكثير من أبناء المعارضة أوباما على مسارعته لتقديم الدعم للمقاتلين الأكراد في بلده عين العرب/ كوباني ويتردد بتقديمه لهم ووقف طائرات النظام التي ترمي بحمم البراميل المتفجرة على المناطق المدنية.
وفي هذا السياق قدم باتريك كوكبيرن في صحيفة «إندبندنت» مقابلة مع القيادي الكردي الذي يوجه عمليات الأكراد في البلدة السورية قرب الحدود مع تركيا.
جميل بايك
ففي مقابلة مع جميل بايك، القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني ـ بي كي كي- أجراها معه في قلب جبال قنديل بمناطق كردستان العراق تعهد بايك بعدم السماح لداعش السيطرة على عين العرب/ كوباني.
وقال «لن تسقط كوباني فنحن نتقدم على الجبهات الشرقية والجنوبية» في البلدة.
ويضيف إن المقاتلين السوريين الأكراد «نجحوا باستعادة مبنى البلدة وأجبر داعش على تفجير مسجد كان يتمركز فيه».
وقال إن المقاتلات الأمريكية تقوم وبشكل دوري باستهداف التلة الإستراتيجية التي تطل على البلدة والتي دخل عبر داعش.
و «لكن مقاتلي داعش يختبئون في البيوت القريبة من التلة ساعة الغارات ويعودون لمواقعهم بعد اختفاء الطائرات».
وتشير تقارير إلى أن داعش لا يزال يسيطر على نصف البلدة بعد معارك تدور منذ 63 يوما. وحذر بايك من مخاطر هجوم داعش على بلدة عفرين التي تبعد 120 ميلا عن عين العرب/ كوباني والتي يعيش فيها مليون نسمة تقريبا واستقبلت 200.000 لاجئ أو يزيد. وتتقدم جبهة النصرة التي هزمت المعارضة المعتدلة الأسبوع الماضي نحو عفرين «فهم يتقدمون نحو حدودها» حسب بايك.
ويزعم القيادي أن النصرة تقوم بتحذير السكان عبر مكالمات هاتفية وتدعوهم للهرب في حرب نفسية واسعة «نشر الذعر أولا ومن ثم الهجوم». ويلقي القيادي بايك الاتهامات على تركيا التي يقول إنها تدعم وتشجع الجهاديين كي يهددوا عفرين.
نهاية السلام
ويرى أن محادثات السلام مع الحكومة التركية ستتوقف لو سقطت كوباني أو هاجمت جبهة النصرة عفرين، مما يعني نهاية عملية السلام التي بدأت في آذار/ مارس 2013.
ويعتقد بايك أن تركيا لديها نفوذ كاف على جبهة النصرة كي تمنعها من الهجوم على عفرين «ولن يقبل الأكراد تعرض كل من كوباني وعفرين لتهديد المذبحة والإبادة».
ويقول بايك إن جبل سنجار حيث لجأ أبناء الطائفة اليزيدية وكان سببا في تدخل الولايات المتحدة يتعرض اليوم لهجمات جديدة من داعش. ويرى بايك وجنوده من بي كي كي أن خطر سقوط جبل سنجار بيد داعش أكبر من سقوط عين العرب/ كوباني.
ويقول «هناك 100.000 شخصا لجأوا للجبل وهم بحاجة لكل شيء من الطعام للدواء»، «فالشتاء مقبل وداعش يوجه ضربات جديدة» للجبل.
ويقول إن سنجار مهم لأن من يسيطر عليه يتحكم بالطريق بين العراق وسوريا وبالتالي يمكنه قطع خطوط الإمداد عن داعش. وكان بايك حذرا في التأكيد على علاقة بي كي كي بحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات الحماية الشعبية التي لا يتحكم بها مباشرة. مع أنه وجميع المنظمات الكردية تتبع أوامر قائد الحزب السجين عبدالله أوجلان.
وهناك سبب آخر للابتعاد عن قوات الحماية الشعبية لأنها تنسق مع الولايات المتحدة التي تصنف بي كي كي كمنظمة إرهابية. ويقول بايك «لا يتصل بي كي كي مباشرة مع الأمريكيين ولكن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وقوات الحماية الشعبية».
ويرى بايك أن الدور الذي لعبته قوات بي كي كي في حماية اليزيديين زادت من شعبيته بين الأكراد في تركيا وخارجها.
وأكد بايك ان أكراد سوريا ينسقون مع الأمريكيين ضد داعش «فلو لم يكن هناك تنسيق أو ناس على الأرض لتنسيق العمليات، فلن تكون الولايات المتحدة قادرة على إرسال الأسلحة والذخيرة او القيام بالغارات الجوية». وقال إن إنزال الأسلحة في 19 تشرين الأول/ أكتوبر
كان مهما للغاية ورفع معنويات المقاتلين. ومثل بقية الأكراد ينظر بايك لما يجري في المنطقة من حروب من خلال منظور العلاقة مع تركيا. وهو هنا متأكد من وجود تأثير تركي على داعش وجبهة النصرة.
وقد يكون في الأمر مبالغة كما يقول كوكبيرن رغم غض تركيا النظر عن تدفق الجهاديين حتى العام الماضي.
عدم تكرار الاخطاء
في سياق متصل يرى ديفيد إغناطيوس قرار الرئيس أوباما زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق ضروريا ولكن إن تحققت عدة شروط لإنجاح الإستراتيجية.
ويقول إن سجل الحكومة العراقية من الفساد والعجز لا تعطي مجالا للتفاؤل. ومن أجل تقييم الإستراتيجية الأمريكية التي يراها الكاتب صحيحة من الناحية النظرية، يدعو الكاتب إلى الاعتبار من دروس الماضي.
ومن هنا اعتمد الكاتب على نصائح قدمها ستيوارت بوين، مفتش برامج الإعمار في العراق والذي قام بالتدقيق في ما تم عمله هناك وتوثيق مظاهر العجز في كل مشاريع الإعمار.
وفي عام 2013 أعد بوين تقرير «دروس العراق» حيث قدر أن 40% من المشاريع التي دعمتها الولايات المتحدة ودققها مكتبه عانت من مظاهر قصور كبيرة.
ويشير تقرير بوين إلى الأموال التي ضيعت في الفترة ما بين 2003- 2004 حيث أنفقت الولايات المتحدة 10 مليارات دولار نقدا من الأموال العراقية المجمدة، وأرسلتها في رزم من فئة 100 دولار.
ويقول «لم يتم توزيع الأموال بطريقة جيدة» ولا إدارتها، وربما تعرض بعضها للنهب. ويقول بوين إن مشاريع الإعمار عززت من «مثلث الرعاية السياسية» والتي شملت الأحزاب السياسية، الحكومة والجماعات الطائفية، وأدى هذا المحور لتخمير الإرهاب والفساد الذي أدى لتسميم البلاد.
ومن هنا فالذي خرب العراق في العقد الماضي هو العنف الطائفي والفساد. وأية محاولة لإعادة بناء الجيش العراقي كي يكون مؤهلا لمواجهة داعش يجب أن تأخذ بعين الإعتبار هذه القضايا.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب صحة موقف أوباما وطلبه برحيل رئيس الوزراء العراقي الانقسامي والطائفي المالكي، ولكن ماذا بعد؟
وهنا يرى أن حيدر العبادي يواجه مهمة صعبة وأن العراق لن ينجح عسكريا ولا اقتصاديا بدون القضاء على الفساد، فبحسب تقرير بوين فقد كلفت عمليات غسيل الأموال من خلال البنك المركزي، العراق 100 مليار دولار خلال العقد الماضي، ومعظم الأموال تم تحويلها لمصارف في دبي وبيروت وعمان.
ومدير البنك المركزي علي محسن العلاق اليوم عمل في حكومة المالكي وهو ما لا يدعو للتفاؤل. الأمر الثاني، الطائفية التي استخدمها المالكي لمعاقبة السنة. ففي الوقت الذي تحدث فيه العبادي عن إنهاء الطائفية إلا ان منصب وزير الداخلية المهم يشغله محمد سالم الغبان، وهو مسؤول في منظمة بدر التي ينظر إليها الكثير من السنة كفرقة موت. ويخشى السنة أن يتلقى الغبان الأوامر من هادي العامري وليس من العبادي.
ويدعو الكاتب البنتاغون للنظر في موضوع تدريب الجيش العراقي الذي انهار في حزيران/ يونيو رغم ما انفق على تدريبه منذ 2005 من أموال (20 مليار دولار) فعلى البنتاغون طرح السؤال حول هدف إعادة تدريبه هذه المرة.
وهناك موضوع رابع يتعلق بالأكراد، فيجب على العبادي تطبيق الدستور العراقي ومنح الأكراد نسبة 17% من الميزانية الوطنية، ويجب منح الأكراد حصتهم من النفط.
ويحتاج العبادي للانفتاح على دول المنطقة وبناء جسور من الثقة مع الدول السنية والعمل مع دول الخليج وليس فقط مع إيران. ويجب على العبادي زيارة الرياض وبقية العواصم الخليجية وعلى هذه الدول رد الزيارة بالمثل. ويرى الكاتب أن العراق يمكنه قيادة العمليات ضد داعش حالة حكم بنظام شامل لكل مكوناته ودولة لامركزية.
واستراتيجية أوباما فيها الكثير من العقلانية ولكنها لن تنجح طالما لم يتم تحقيق تقدم على صعيد مكافحة الطائفية والفساد.
إبراهيم درويش