ليس ثمة شك في أننا نعيش زمنا أكثر انفتاحا مقارنة بالأجيال السابقة، وبالتحديد الفترات التي صيغت فيها المقدمات التي آلت بنا إلى ما صرناه وما نحن عليه الآن، وعلى رأسها الستينيات، حيث هزيمتنا الأكثر اندماغا في وعينا ووجداننا.
فمصادر المعلومات متنوعة بما لا يقارن وبما يغيب الصوت الواحد والسردية اليتيمة، التي تحتكر الحقيقة الواحدة المطلقة؛ وقد لا يعني ذلك بالضرورة وضوحا أو صفاء أكثر للصورة، ففي ظل الحاجة الماسة من قبل الأنظمة، والمصالح المتحالف منها والمتضارب، يتم إيجاد روايات وسرديات مختلفة، يتم الترويج لها وضخ الأموال وحشد الإمكانايات لها بما يتلاءم ويتوافق مع أهمية السردية، وقوة وثراء، وبالتالي نفوذ من يقف وراءها، وبذا نصل إلى مرحلتنا الراهنة، حيث تحتل السردية الأعلى صوتا والأكثر ضجيجا (المعبرة عن النظام وشبكات المصالح في بلد مفقر كمصر) في زمن التنوع والأفق المفتوح، محل الصوت الوحيد، صوت المعركة، للزعيم القائد في الأزمنة الخوالي، في الستينيات وما أدراكم ما الستينيات.
لكن يبقى تعدد مصادر المعلومات وإتاحتها أمرا واقعا ومكسبا للبشرية، لا يمكن نفيه أو جحوده حتى بدعوى سوء استغلاله، والأمر ذاته ينطبق على تعدد وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحاكي وتعكس بدرجة عالية التنوع الحاصل في المجتمع، وإن كان بنسب مختلفة نتيجة التفاوت في مدى إتاحتها أمام الجمهور الأوسع، إلا أنها مازالت توفر متنفسا فائق الأهمية للسردية المغايرة، الموازية التي تدفع سردية النظام الأعلى صوتا إلى الهامش والتواري.
في ظل وفرة المعلومات والرؤى المختلفة المعروضة في عالم يزداد فقرا وتوحشا وقسوة، يبرز عامل أو شرط أو مبدأ( سمه ما شئت) بالغ الأهمية: الاختيار والمسؤولية الأخلاقية عنه.
لم يعد من الممكن الآن التماس الأعذار للأشخاص أو المجموعات بدعوى الغفلة، من يُستغفل أو يقبل بالعبط فقد اختار ذلك، إما خوفا أو كسلا أو سأما أو لأي سبب آخر، إلا أنه وجد من الأريح أو الأقل مشقة أو الأوفر على المدى القصير الانسياق مع موج الحماس العبيط، إلا أن ذلك لا ينفي المسؤولية الأخلاقية.
أنا لن أكتب هنا عن الذين اختاروا جانب النظام سعيا وراء مصالحهم أو كرها في الإخوان وسائر الإسلاميين، فلهؤلاء مجال آخر.
أجل، هناك العديد من العوامل الموضوعية التي تؤثر في قرارات الناس، فهم ليسوا في كامل حريتهم أبدا، أنا أدرك ذلك جيدا ولا أحاسب من تدوس عليهم ظروف الحياة القاسية، لكن ذلك لا ينفي بصورة تامة مقدرتهم على الاختيار والرفض، حتى إن كان صامتا.
تلح عليّ كل تلك الأفكار عن الاختيار والمسؤولية بعد أن قرأت جملة كتبها صديق لنا على «الفيس بوك» عن صديقنا ورفيقنا الآخر الدكتور طاهر مختار، جملة بسيطة غاية في الإيجاز يقرر فيها أن ما يقارب المئة والخمسين يوما قد مرت عليه وراء القضبان، فقط ليس إلا. فوجئت بأن كل تلك الأيام قد مرت على شاب طبيب ينتظره مستقبل باهر يقبع في السجون من دون جريمة حقيقية، وكل عداء النظام له ينبع من دفاعه عن حق المسجونين في الرعاية الطبية! فوجئت بأنني في صخب الحياة اليومية وسرعتها ومشاغلها قد التهيت عنه وهو الأقرب مني، أليست هذه الحجة المعتادة للسلبية؟ كلنا يسعى وراء رزقه وينسي، ربما رغما عنه أو اختيارا.
لكن الدكتور طاهر ليس المعتقل الوحيد، فهناك الآلاف من شتى التيارات قابعون في السجون، من دون محاكمات ناهيك عن جرائم، كل منهم يعني الكثير، كل شيء لذويه وأحبائه، منسيون أقولها بكل ألم.
إن العنف والاعتقال ليس سمة رئيسية للنظام المصري الآن فحسب، بل لقد صار هو السمة الرئيسية بأل التعريف، لن أسأم من تكرار ذلك، فكل الشواهد تؤكد غيبة مشروع حقيقي للنظام، سوى الحفاظ على تماسكه وإحكام قبضته، أما في ما يتعلق بالانحياز الاجتماعي والاقتصادي فليس هناك ما يذكر سوى أنه استئناف لسياسات مبارك، مع إسقاط أي اعتبارات أو موازنات كانت تلجم التمادي أو الانسياق الأعمى غير المتدرج وراء وصفة جهات التمويل الخارجية وأساطين النيوليبرالية إياها، هذا بالطبع إلى جانب الفشل.
يجوز أن هناك من لا يزال متفائلا ويرى إنجازات في طريق مُد هنا ودبابة روسية مشتراة هناك لمحاربة طرف لا نعرفه، في تواتر الأدلة على متانة العلاقة مع إسرائيل، إلا أن الشعور الطاغي على كل من يختلس دقيقة في زحام الحياة اليومية للتفكير هو الخوف.. الخوف مما هو مقبل، حتى لو تظاهروا بعكس ذلك. كل الشواهد تدل على أزمات متفاقمة، وكل يوم يمر يرفدنا بالمزيد.. أزمات على كل الأصعدة والمستويات، سياسية واقتصادية واجتماعية، فعلى مستوى السياسة، وإلى جانب الاعتقالات، ما يني النظام يصطدم بكل الهيئات أو التكوينات التي قد تجرؤ على الاعتراض، ومع أي صوت يرتفع، ولعل المثالين الأبرز والأقرب، هما اقتحام نقابة الصحافيين ومحاكمة النقيب ووكيله وسكرتيره، وإقالة ومن ثم محاكمة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة، وما صاحب ذلك في الحالتين من سلوك صارخ فظ فيه تعمد الإذلال والإهانة، والرسالة واضحة، في دولة السيسي تسقط كل الاعتبارات والضمانات والموانع والسقوف، ومع برلمان طبخ في أروقة أجهزة الأمن ووأد متعمد واستمرار لتخريب محاولات إنضاج التنظيمات السياسة وتفعيل دورها، نستطيع أن نقرر بثقة غياب السياسة أو حبسها. وليس اقتحام نقابة الصحافيين بالمحرم الوحيد الذي استحل وإن أمره ليهون أمام بيع جزيرتي تيران وصنافير. انهيار متواصل.
في الاقتصاد يستمر انهيار الجنيه وترتفع معدلات التضخم ويستبيح الغلاء أسرا وملايين بأكملها، ولا يملك الرئيس سوى استجداء الشفقة من التجار، وآخر شواهد الانهيار المجتمعي هو تسريب امتحانات الثانوية العامة.
نعم هناك خوف.. خوف من المستقبل وتدهور الأوضاع.. خوف من المجهول، والأسوأ وحدس بحتمية وقوعه، خوف من مصير مشابه لدول مجاورة تلاشت، خوف عميم مطبق، والنظام يدرك ذلك ويستثمر فيه مستغلا هشاشة وتعثر كثير من محاولات التنظيم السياسي، والأهم من ذلك كله هو العنف والاعتقال، رفع التكلفة إلى درجة تصير فيه مبهظة بما يتخطى مقدرة المناضلين والناشطين وحتى العابرين والجمهور الأوسع على دفعها، فالتهم جاهزة وسهلة.
ونحن نسير في طريقنا.. نعيش حياتنا كما يقولون، نعمل قليلا ونصوم ونفطر، نثرثر ونشاهد مسلسلات رمضان، تنسي غالبيتنا الساحقة أولئك القابعين في السجون لأنهم تجرأوا فرفعوا الصوت بـ»لا».
نحن أيضا نتبلد في دولة السيسي، نصبح رسلا للاجدوى، شركاء في جريمة صمت، نتلوث نفقد كل المعاني التي تبقينا في مصاف البشر من رحمة وتعاطف وشفقة وتضامن ومروءة، نتوحش..
مصر السيسي في سقطة حرة، وكل يوم يمر تزيد الفضائح الكاشفة مدى تفسخ الدولة وتحلل المجتمع الذي تنهشه البطالة والفقر والأمراض والتعصب والعنف والعنوسة، والشاهد أن كل إجراءات الحكومة لا تـــزيد الوضع إلا تفاقما بسرعة صاروخية، وكلما زادت أزماته ازداد طيشه وعنفه، عنف لا يخدم مشروعا سوى البقاء البدائي الغبي لنظام فاقد الرؤى والمعاني، صمتنا عليه إيثارا للسلامة لن يأتي بها ولن يوصلنا إلى برها، فقط سيجعل منا شركاء بالصمت في تلك الجريمة، غير أن الوعي بفداحة الوضع يزداد والأوهام تنحسر لتتأكد كما أسلفت قيمة ذلك الشرط أو الواجب الوجودي: الاختيار.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل