القاص المغربي محمد البغوري في «سيرة ذاتية» : المعرفة كملاذ من الضياع

■ يحيل عنوان المجموعة «سيرة ذاتية» للكاتب المغربي محمد البغوري ــ منشورات سليكي أخوين 2013 ــ إلى كون الكاتب سيعود بنا إلى ماضيه، كي يقدم لنا مشاهد ارتبطت بطفولته أو شبابه، ولها الأثر البالغ في نفسيته، وتقديمه لذلك هاجسه مشاركتنا بعضا مما يراه لافتا له، قبل أن يكون لافتا لقرائه المفترضين، إلا أن في قصص البغوري لا مجال للعبثية، فكل عبارة تساهم في خدمة الفكرة المحورية، كي توصلها إلى القارئ إيصالا واضحا مؤثرا، ويتزاوج في ذلك الصياغة والمحتوى، هذا الأخير الذي لا تؤثر على مركزيته التفاصيل الواصفة للفضاءات والأشخاص.
والمدقق في القصص سيقف في الأخير على معطيات وثيقة بحياة الكاتب، ويتعلق الأمر بعشق الكاتب للكتاب والقراءة والحكمة، وحلمه بقيم نبيلة غابت بعد أن سادت، فجل قصص المجموعة في النهاية تأطير لمواقف الكاتب إزاء الواقع وما يعتمل فيه من هنات تحتاج إلى معالجة بعد إعادة النظر في مظاهرها وعللها. على أنه يربط كثيرا ما أصاب الواقع من اعوجاج وهمجية بالابتعاد عن القراءة، باعتبارها الملاذ الأول والأخير في التوعية والتثقيف والتوجيه والاحتكام إلى ما يسعفنا في التشبث بالقيم الإنسانية الراقية.

فعل القراءة/المعرفة

يبدي الكاتب غرامه بالكتاب (بالقراءة وتبعاتها)، ويُجِلُّ المغرمين به، وكأنه يحاول لفت الانتباه إلى الفراغ الثقافي القاتل الذي نعيشه بما له من أخطار على القيم والعلاقات الإنسانية الراقية. فثيمة القراءة والكتاب مهيمنة على أحداث المجموعة، بل إن بعض القصص تحيل على ذلك من عناوينها قبل أحداثها، مثل قصة «المقهى والكتاب» و«فتوى الكتاب» و«أديب في بيتنا»، والأحداث في المجموعة توحي بواقعيتها، ما يجعلها جزءا من سيرة حياة الكاتب، رغم أن عبارة «سيرة ذاتية» المتخذة عنوانا للمجموعة لم تكن غير عنوان لقصة من قصصها، ليجعلنا ذلك نحكم بسريان هذا العنوان على كل قصص المجموعة. ورغم زخم الأحداث التي تديرها شخصيات ذات ملامح وسلوكات وعادات خاصة في حياة الكاتب، فإن اللافت في ذلك كله ميول ونزوع الكاتب، طفلا ويافعا وشابا نحو تقدير المتمسكين بالقراءة، أهل الثقافة المالكين لفلسفة خاصة إزاء الحياة وما تعج به من متناقضات. والكاتب في ذلك يكتب سيرة ذاتية، وفي الوقت ذاته يكتب سيرة غيرية لشخصيات كان لها وجود فريد في حياته في عهد ما.
في قصة «الشيخ والعكاز» نجد الكاتب يحاول انتقاد الجانب الاستهلاكي الفج، لما تمرره الأجهزة الحديثة لتحولنا إلى أسْراها وعبيدها المُهْمِلين لشؤونهم الشخصية الملحة. مستندا في ذلك إلى شيخ عَرَك الحياة وعركته فاكتسب خبرة الحكماء، فالكأس الصغيرة خير من الصهاريج الفضفاضة المغرية للكثير من الشباب، والمُرَكَّزُ المتينُ خيرٌ من الفارغ من الروح الفاعله في الحياة البشرية معنويا وماديا، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، والحكمة قد تصدر من الأمور الصغيرة، ويصدر عكسها من الأمور التي نعتقدها كبيرة، وبهذا تترجم القصة جزءا من نظرة الكاتب إلى الحياة، على اعتبار أن كل إنسان له فلسفة تؤطر نظرته نحو هذه الحياة والمجتمع بما يحملانه من تناقضات ووجهات نظر مختلفة اختلافا صارخا وفاضحا أحيانا. في هذه القصة ما يشبه علاقة الشيخ بالمريد المشتاق للتزود من معارف الأكابر: «إن حكمة الآباء والأجداد تلقحك بلقاح تقبله كل تربة مهما قربت أو نأت، وتعصمك من الأهواء والملل، وكل ما من شأنه أن يجعلك يا ولدي البار تفقد توازنك وتخسر عمرك حتى، وتعيش الضنك في متاهات غير مرئية ولا متناهية». وليأتي قبول الراوي لرأي الشيخ: «ومذ ذاك رجعت إلى نفسي أخاطبها، وإلى أفكاري أغازلها، فتحصلت لديّ قناعة راسخة بأن الشيخ وعكازته يمتلكان مفاتيح ما من شأنه أن يصعب على الناس والجيل الجديد استيعابه وضبط إيقاعه بحكمة وتعقل يتزاوجان مع روح العصر ولغته». والقصة بهذه الصيغة سيرة لتطور تفكير الكاتب وهو شاب ربما من السطحي إلى العميق، ومن المستهلك إلى التأملي الثاقب.
في قصة «المقهى والكتاب» نجد ذات الهاجس العشقي للقراءة، منتقدا في المقابل النائين عنهما يقول: «لكن الفقير والضحل برواده وزائريه الذين اتخمتهم الأيام والشهور والأعوام بموائدها الحاتمية التي تغذي بطونهم، وتغطي مطالب تلهفاتهم مما لذ وطاب، بل تبعدهم بالكلية عن غذاء العقل ولذائذ الروح، التي تمنحها الكتب والمطالعات، هذه الموائد اليانعة، سأتقاسمها مع الأستاذ… شخصية صنعتها دماثة أخلاقه، وزركشتها الكتب، هذه الأخيرة التي أصبح ـ عبد الله ـ صريع هواها، وكائنا صغيرا جدا أمام عناوينها ومحتوياتها، وما تثيره من فضول ومشاكسة». وفي قصة «فتوى الكتاب» يقول: «أرخيت العنان لخيالي يسرح في بساتين رائعة ماتعة، مبلطة المسالك، فواحة الشذى، دافئة العشق والصحوة، شعور أهداني إياه هذا الكائن الاسطوري العجيب الذي تسميه الحضارات والشعوب بـ (الكتاب). آه من وقع هذه التسمية، وآه من الرحلة الصعبة على وجداني وأحاسيسي!».

أفق المعرفة وعالمها

في قصة «قنفذ أملس» يقول الكاتب «أما خياله فيرتع ويسرح في ما لا يتصور من «مدن الملح»، وقصور من الرمال يكتب فوقها المعلقات السبع ـ عفوا ـ المعلقات التي تزيد على المئات، بل الآلاف، إلا أن خربشاته لا تطول أعمارها، فسرعان ما تذروها الرياح، وتدهسها الأقدام وتمحوها الأرجل. وأخيرا يعود صاحبي إلى عالمه الداخلي ليندب حظه العاثر، فلا صديق يؤنسه، ولا من ذكرى جميلة تخفف عنه عذاباته». وفي قصة «صديق ليس عابرا» يقول الكاتب: «حكاية الكتب والناس. كتب كانت سببا في صناعة خيالنا وتشذيب أذواقنا: سر اللغة والخطاب، مصارعة الألعاب والهوايات، زنة الألبسة والألوان الزاهية، استراق قيم وأنماط حياتها، لا ندري عن مسوغاتها». أما في قصة «لذة الصداقة» فيقول الكاتب «يبتسم ابتسامته الوديعة والمطمئنة، ويرد متسائلا بدوره بعزم: ما قيمة حياة الأفراد والمجتمعات إن خلت حياتها من فعل القراءة، والرواية على وجه التحديد؟.
أما في قصة «أديب في بيتنا» فيقول الكاتب «نقدت بائع المجموعة، بعد أخذ ورد في ثمن الكتاب، وأنا المولع بالبحث وزيارة أماكن وفضاءات الكتب البالية، هواية لا أبغي الحياد عنها، ولا يحصل لي الامتلاء إلا بهذه الزيارة لبائع الكتب. في كل مدينة حللت فيها مناسبات عجيبة ورهيبة تربطني بهؤلاء الباعة».

كاتب مغربي

القاص المغربي محمد البغوري في «سيرة ذاتية» : المعرفة كملاذ من الضياع

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية