القافزون

حجم الخط
0

«تسير الحياة ببطء في قريتنا وأيامها متشابهة تنقضي في رتابة شديدة حيث لا شيء يتغير سوى ألوان أوراق الأشجار وملامح الناس بفعل تعاقب فصول السنة والشهور والسنين، وحتى هذا التغير في ملامح الناس قد لا تتم ملاحظته أحيانا لأن هناك أشخاصا تبدو عليهم ملامح الشيخوخة في شبابهم المبكر فلا تتغير ملامحهم حتى يموتون بفعل التقدم في السن» .
لكن ذات يوم جاء عمدة غريب إلى البلدة المحشورة بين الجبال وألقى صخرة كبيرة في برميل الماء الراكد وفجر كل شيء. جاء ذلك الرجل الأنيق من العاصمة في قافلة طويلة من سيارات المرسيدس السوداء واستقر في دار مهجورة كانت مقراً لأحد الباشوات أيام الحكم العثماني للبلاد بعد أن أجرى عليها عمليات ترميم واسعة وأضاف سورا حولها تتوسطه بوابة معدنية يحرسها رجل أسود ضئيل الجسم وكلب أبيض ضخم كثيف الشعر أحمر العينين ولا داعي للقول بأن الكلب كان مخيفا أكثر من الرجل الصغير الماكر.
كان الساكن الجديد يخرج للتنزه في شوارع البلدة برفقة الحارس والكلب مرتديا بدلة رسمية سوداء وقبعة بيضاء وذات يوم تعثر بحفرة صغيرة في طريق السوق ووجد نفسه على الفور يسبح في بركة ماء وهو ملطخ بالطين
خلال أيام بدأت عملية محمومة لرصف الطريق الوحيد الذي يخترق قريتنا، وبما أنها قرية جبلية نائية فقد تقرر تبليط الشارع بالحجارة بدلا من رصفه بالإسفلت. لقد جاءوا بالحجارة من سفح الجبل بعد أن اقتلعوا غابة صنوبر صغيرة ودمروا حياة امرأة عجوز كانت تسكن كوخا هناك ولم يهتم أحد بأمرها من السكان الاتقياء.
جيد جيد تستحق اللعنة تلك الساحرة الشريرة «
«تبا لها لقد قتلت حصاني بلدغة ثعبان أحمر»
«إلى جهنم فقد كنت أجد الرمل في خزان البنزين»
يمكنني القول الآن أن أولئك الناس كانوا يزورونها بانتظام ويطلبون منها إرسال بركاتها الملعونة إلى خصومهم بينما كانوا يشتمونها علنا.
استقرت البلاطات الرخامية فوق ما كان في الماضي طريقا ترابيا موحلا ولم يكن الأمر يحتاج إلى دقة ملاحظة لاستنتاج أن المسؤول عن رصف الطريق ليس سوى منحرف مهووس بالتناقضات فقد كانت البلاطات ملونه بالأسود والأبيض بحيث ظهر الشارع كلوحة شطرنج عملاقة وأصدر العمدة تعليمات للمواطنين بالسير على البلاطات السوداء فقط بينما احتفظ لنفسه بحق المشي على جميع الألوان.
كان الناس يتجنبون البلاطات البيضاء بالقفز من بلاطة سوداء إلى التي تليها أو بالالتفاف حولها واستمر هذا الأمر سنوات طويلة ونسيت الأجيال المتعاقبة المشي باستقامة وحتى عندما مات العمدة ومات خليفته استمروا بالقفز حتى عندما مات الحارس الماكر والكلب الضخم استمروا بالقفز. يقفزون بخوف وسرعة وترقب كأن كل كلاب الصيد تطاردهم ولاحقا انجبت هذه القرية للعالم راقصات غجريات رائعات.
نورا شيلي روت لنا القصة بينما كان الباص يعبر القرية المهجورة على شاطئ البحر الأسود. في المقعد المجاور كان يجلس كهل عربي بجانب زوجته الشابة ويقول: «لابد أن سكان القرية أصابتهم عين الساحرة بالحسد فهجروها أخيرا بعدما تعبوا من القفز». نظرتُ إلى نورا الحلوة التي كانت تغازل سائق الباص بنظرات ساحرة خشيت أن تقوده للتحليق في عوالم أخرى فيقتلنا جميعا. نظرتُ إلى الركاب المنهمكين بتصوير البيوت الخشبية المتداعية التي نبتت على نوافذها شجيرات العليق كانوا يلتقطون الصور ويضحكون لكن كاميراتهم مزيفة ورخيصة فقد التقطت صورا لشوارع خالية تماما وهذا غير حقيقي فهذه البلدة المنسية ليست مهجورة بل أنها تعج بالأرانب .
لا أدري فهذا العالم يشبه كرة هائلة من الجيلي وربما لا يوجد عيب في الكاميرات ولكنهم لم يصنعوا حتى الآن كاميرا يمكنها تصوير الخوف .

٭ كاتب فلسطيني
[email protected]

القافزون

خليل ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية