نيويورك (الأمم المتحدة) ـ القدس العربي»: نقصد بالقانون الدولي الإنساني ذلك الفرع من القوانين الدولية المتعلقة بمسلكية الأطراف المشتبكة في صراع مسلح حيال المدنيين وكافة الأفراد والجماعات غير المشاركة في الأعمال القتالية. إنه جسم من القوانين العرفية التي تحولت إلى إتفاقيات ومعاهدات دولية تحدد ما هو مسموح وغير مسموح به من مسلكيات الجنود والضباط أثناء الحروب والتي تهدف إلى حماية المدنيين الذين ليسوا طرفا في الإشتباكات بين المتحاربين. ويضم القانون الدولي الإنساني رزمة من المعاهدات والاتفاقيات من بينها «إتفاقيات جنيف الأربعة»، و»اتفاقيات لاهاي» وثلاثة بروتوكولات لاحقة إعتمدت عام 1977 و 2005 متعلقة بجانب أو بآخر من مسلكيات المتحاربين أثناء المواجهات المسلحة ومعاملة المدنيين. وتعمل هذه الرزمة من الاتفاقيات على الموازنة بين الإعتبارات الإنسانية للمدنيين وضرورة حمايتهم من جهة ومتطلبات العمليات العسكرية المسموح بها أثناء المواجهة من جهة أخرى بهدف تخفيف الآثار التدميرية والمعاناة الإنسانية.
وينطلق القانون الدولي الإنساني من الضحايا أولا وما يلحق بهم من أذى جماعي وإذا ما كانت حقوقهم الإنسانية قد إنتهكت وبشكل متعمد ثم يقوم القانون بشكل متوازِ أو بأثر رجعي إلى مرتكبي تلك الجرائم. فيكون تشخيص الجريمة أولا وتحديد معالمها والتحقيق في تفاصيلها وتصنيفها كجريمة حرب أولا قبل البحث عن المجرم لأن الحروب قد تخفي كثيرا من الفاعلين وقد تختلط الجرائم في ساحة المعركة ولا يعود أحد يميز بين مصادر الجريمة بسهولة وخاصة في مسألة الحروب الأهلية حيث تتقارب المسلكيات والممارسات وعمليات الانتقام والأسلحة والضحايا. فمثلا من الطبيعي أن يقوم أحد الطرفين بالتسلل إلى صفوف الطرف الآخر ويطلق قذائف نحو مدنيين يقعون ضمن خطوط المجموعة التي ينتمي إليها ثم يتهم الخصم بارتكابها. أو أن يرتكب مجزرة داخل الدائرة التي يسيطر عليها ويتهم الخصم بارتكابها. إذن عملية التحقق من المنتهك للقانون الدولي الإنساني أمر صعب وقد يستغرق وقتا طويلا.
وعلى صعوية تحديد الجاني نذكر بمثال ما جرى في الغوطة الشرقية في سوريا حيث تم استخدام مواد كيميائية يوم الأربعاء 21 آب/أغسطس 2013 أدت إلى مقتل 1400 مدني من بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء. أقر فريق التحقيق الدولي المشترك بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأن الأسلحة الكيميائية المحظورة دوليا قد إستخدمت فعلا. لكن لغاية الآن لم تحسم قضية الفاعل إذ إن تضارب المعلومات والتقارير وبيانات الشهود وصور الأقمار الصناعية وتقارير المخابرات الأمريكية والروسية والفرنسية والبريطانية لم تتفق إلا على أن جريمة حرب إرتكبت أما التهم الموجهة للنظام أو للمعارضة فتكاد تكون مسيسة تماما مع أن كل طرف يدعم حججه بمعلومات تبدو موثقة ودقيقة إلا أن النتائج متضاربة تماما.
القتال حسب القانون الدولي الإنساني
تشير مجموعة «قوانين لاهاي» ما يمكن أن نسمية «أصول التصرف في الحرب» أو قوانين الحرب السليمة وتشير مجموعة «قوانين جنيف» إلى القانون الإنساني المرتبط بالحرب. «قوانين لاهاي» تشير إلى حقوق وواجبات المتحاربين في إدارة العمليات العسكرية وتقليص الخيارات المتاحة أمامهم والتي قد تلحق الأذى بغير المتحاربين. أما «قوانين جنيف» فتتعلق بحماية غير المشاركين في الحرب من منطلق إنسانيتهم وضرورة تقديم المساعدات الإنسانية لهم عن طريق طرف محايد مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
تتضمن القوانين الأساسية للقانون الدولي الإنساني أثناء الاشتباكات المسلحة قواعد ومنها: حماية الأفراد غير المشاركين في القتال، وحماية ورعاية الجرحى والمرضى، وحماية الأسرى من أي نوع من العنف، وغير مسموح بممارسة التعذيب أو المعاملة القاسية أو الحط من كرامة المحاربين المستسلمين أو تعريضهم لإجراءات عقابية وبعض الأسلحة المحرمة يجب أن لا توضع بين أيدي المتحاربين.
حلب وجرائم الحرب
وبامكاننا أن نحدد قائمة بما يمكن أن نطلق عليه جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية والمحرمة حسب القانون الدولي الإنساني وما تم إرتكابه ويتم إرتكابه هذه الأيام في حلب وحسب تقارير الأمم المتحدة. هذه الجرائم في حالة تحديد الفاعلين فيما بعد، يمكن إحالتهم إلى محكمة الجنايات الدولية.
1. الاستهداف المتعمد للمدنيين: يسكن في حلب نحو مليون مدني موزعين بين الأحياء التي تسيطر عليها القوات الحكومية وقوات المعارضة بكافة تنويعاتها. هؤلاء المدنيون يتعرضون إلى هجمات يومية من قبل جميع الأطراف. وقد أثارت الأمم المتحدة في تقاريرها المختلفة إستخدام الأطراف لأنواع من الأسلحة تؤدي إلى قتل جماعي على رأسها: البراميل المتفجرة التي تسقط من أسلحة جوية عن إرتفاع كبير بحيث تصبح إصاباتها عشوائية وتعرض المئات للقتل والإصابة والتهجير والدمار. يلي ذلك الصواريخ والقذائف المدفعية التي تدمر المباني والمنشئات والبيوت والملاجئ. فمثلا تم توثيق مقتل 83 مدنيا وجرح 700 مدني في منطقة الشيخ مسكين في حلب نتيجة القذائف الصاروخية. والفئة الثانية التي تلحق الأذى الأكبر بالمدنيين هي الغارات الجوية والتي قد تستهدف مواقع عسكرية أو «مواقع مشروعة» لكنها منتشرة في مناطق المدنيين وبالتالي تصبح محرمة. إذ إن هناك جريمتين ترتكبان في الوقت نفسه من قبل طرفين متحاربين: إستخدام المدنيين كدروع بشرية أو مناطق إختباء من جهة وقصف هؤلاء المدنيين بحجة أنهم يخبئون بينهم مقاتلين.
2. قتل على الأقل 112 مدنيا بمن فيهم 33 طفلا منذ بداية الهجوم الحالي الذي شنته المعارضة إبتداء من يوم الأحد الماضي. من بين القتلى 65 مدنيا و 22 طفلا قتلوا في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. بينما قتل الباقي في مناطق المعارضة من جراء القصف الجوي. كما قتل خمسة مدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في منطقة الشيخ مقصود. وفي أحد الغارات الجوية قتل عشرة مدنيين من بينهم سبعة أطفال في مناطق المعارضة.
3. إعتقل في شهر تموز/يوليو 619 شخصا أو أخفوا ولم يعد هناك إتصال بهم من قبل أهاليهم
4. تم قصف عدد من المستشفيات والعيادات الطبية من بينها مستشفى ولادة في المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة مما أدى إلى وقوع ضحايا حسب تقرير لمنظمة «أنقذوا الأطفال» كما قصف مستشفى في بلدة كفر تخاريم وأصبح معطلا تماما.
5. قامت جماعات تابعة لتنظيم الدولية بقتل 24 مدنيا في مناطق الأكراد.
6. هناك تقارير مؤكدة تقول إن سائل الكلورين استخدم مؤخرا في حلب والأمم المتحدة تسعى الآن لتوثيق الجريمة.
7. تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن هناك نحو 300,000 محاصر في مناطق حلب تقطعت بهم السبل بعد سيطرة قوى النظام وحلفائها على طريق كاستيلو، المنفذ الوحيد للوصول إلى تركيا، وبدأت المواد الغذائية والأدوية والمحروقات تنفد بسرعة.
8. هناك مناطق محاصرة ومن الصعب الوصول إليها يصل عدد المشمولين فيها إلى 1.2 مليون إنسان. سلاح الحصار والتجويع ومنع قوافل المساعدة من الوصول إلى تلك المناطق جريمة حرب. مثلا مضايا والزبداني محاصرتان من قبل القوات الحكومية في ريف دمشق ويقوم أفراد من المعارضة بالرد على الإساءة بأسوأ منها فيحاصرون الفوعة وكفرايا للضغط على الننظام ومساومته على فك الحصار. والنتيجة أن عشرات الألوف يتعرضون للتجويع المتعمد والذي يعتبر جريمة حرب.
هذا غيض من فيض جرائم الحرب التي ترتكب في كل سوريا وخاصة في مدينة حلب. لكن السؤال المهم هل سيتم معاقبة مرتكبي هذه الجرائم أم سيفلتون من العقاب؟ وهل سيأتي اليوم الذي يمثل فيه مرتكبو تلك الجرائم في سوريا عامة وحلب خاصة إلى المحكمة الجنائية الدولية بغض النظر عن إنتماءاتهم وارتباطاتهم التنظيمية؟
الجواب صعب. فنظرة إلى الواقع الآن ترى أن تقديم هؤلاء المجرمين عن طريق مجلس الأمن وصولا للمحكمة غير ممكن في هذا الوقت بالذات ونشك أن المحاولة ستتغلب على الفيتو المزدوج.
عبد الحميد صيام