القانون لم يستطع أن يأتي بحق من ظلموا على مدى أكثر من ثلاثين عاما… والمطالبة بمجتمع مدني ينبذ السياسة التقليدية

حجم الخط
3

القاهرة ـ «القدس العربي» أبرزت الصحف الصادرة أمس الثلاثاء الثاني من ديسمبر/كانون الأول بدء العمل في تعديلات قانون الإجراءات الجنائية التي طلبها الرئيس عبـــد الفتــاح السيسي، بحيث تسد أي ثغرات يفلت منها المتهمون بالفساد وسرقة المال العام ومخالفة القوانين، كرد فعل على الحكم ببراءة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك واللواء حبيب العادلي وستة من مساعديه، من التهم المنسوبة إليــــهم بقتـــــل المتظاهرين وعدم محاكمة مبارك ونجليه علاء وجمال في قضية فيلات شرم الشيخ لانقضاء مدة إقامة الدعوى الجنائية.
ونشرت الصحف عن جلسة محاكمة الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي مع أربعة عشر آخرين في قضية قصر الاتحادية وتأجيلها. وتقدم المحامي جمال خطاب رئيس لجنة الحريات في النقابة الفرعية للمحامين في محافظة البحيرة ببلاغ للنائب العام ضد قناة «صدى البلد» وصاحبها رجل الأعمال محمد أبو العينين، وضد زميلنا وصديقنا في «الأهرام» أحمد موسى مقدم برنامج «على مسؤوليتي»، لأنه أجرى في البرنامج مكالمة هاتفية مع مبارك، من دون الحصول على أذن من النيابة.
وواصلت قوات النخبة من الجيش الثاني الميداني والشرطة في شمال سيناء، هجماتها ضد الإرهابيين وقتلت ستة منهم، وألقت القبض على عدد آخر، كما ألقت الشرطــــــة القبض على العشــــرات من الإخوان المسلمين في عدد من المحافظات لمشاركتهم في مظاهرات محدودة، وتم تفكيك قنابل عديدة في أكثر من مكان قبل انفجارها، وبدأت وزارة الصحة صرف علاج سوفالدي في مستشفيات التأمين الصحي، واجتماع الرئيس السيسي مع المجلس التخصصي للتنمية المجتمعية لمناقشة تخطيط مشروع مدينة رفح الجديدة وشدد على ضرورة مكافحة الفساد لتشجيع الاستثمار.
وإلى بعض مما عندنا….

يوميات الأحد
دماء الشهداء في رقبة من؟

ونبدأ بأبرز وأهم وأكثر ما نشر في الصحف عن حكم البراءة وردود الأفعال عليه وكان زميلنا وصديقنا في «الأهرام» أحمد موسى مقدم برنامج «على مسؤوليتي» في قناة «صدى البلد» المملوكة لرجل الأعمال وعضو مجلس الشعب الأسبق عن الحزب الوطني محمد أبو العينين، قد أجرى مساء الأحد اتصالا هاتفيا مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كما هاجم في البرنامج زميلنا وصديقنا يوسف الحسيني مقدم برنامج «السادة المحترمون» على قناة «أون تي في»، المملوكة لرجل الأعمال ومؤسس حزب «المصريين الأحرار» خفيف الظل نجيب ساويرس قال فيه، إن أحمد موسى هاجمه وهاجم ثورة يناير/كانون الثاني، وقال يوسف مخاطبا أحمد: الجيش ساند ثورة يناير والرئيس السيسي يؤيد الثورة. واتهم نظام مبارك بالديكتاتورية والفساد، لو راجل كان هاجم الجيش بقى وهاجم السيسي. وقالت «الأهرام» في كلمة لها: «عندما ترى جرائم قتل وقعت للمتظاهرين خلال ثورة 25 يناير/كانون الثاني بوقائع ثابتة ومحددة وتنظر المحاكم عشرات القضايا حول هذه الوقائع وفي النهاية لا نعثر على متهم واحد يدان بارتكابها، لابد أن نتساءل، دماء الشهداء في رقبة من؟ نحن ندرك تماما أن النظام الحالي ليست له علاقة بهذا الموضوع، فهذه القضايا تم التحقيق فيها وأحيلت إلى المحاكم عام 2011، ورغم مطالبة البعض بتنظيم محاكمة سياسية لمبارك ورموز نظامه، إلا أن القوى السياسية ارتضت وقتئذ إحالته إلى محاكمة جنائية، بل أعربت وقتها عن سعادتها الغامرة بذلك، فلماذا تهاجم هذه القوى نتائج المحاكمة الجنائية الآن، خاصة أن القاضي نفسه الذي لا يملك إلا الحكم بمقتضى الأوراق المعروضة عليه في وقائع متعددة أشار إلى فكرة المحاكمة السياسية. إن المحاكمة السياسية المنشودة لنظام مبارك لا تقتصر فقط على قضية قتل المتظاهرين، لكن ينبغي أن تشمل كل ما ذكرته المحكمة من مظاهر فساد في التشخيص الذي قدمته عن أسباب قيام ثورة 25 يناير، إلى جانب المحاسبة عن كل الجرائم التي وقعت في عهد نظام مبارك من العبارة الغارقة إلى الخصخصة والمبيدات المسرطنة وصولا إلى التوريث الذي تسبب في كل ما جرى. صفحة الماضي لابد أن تتضمن تحديد المسؤوليات عن كل ما جرى واستخلاص كل العبر والدروس منها وتضميد الجروح، ومن دون ذلك سنظل أسرى الماضي غير قادرين على التخلص منه. ونحن نبحث عن مستقبل يحقق كل أهداف ثورتي يناير ويونيو/حزيران، فمتى تكون المحاكمة السياسية لنظام مبارك».

ضرورة إعادة تقييم المرحلة
بعيدا عن الانفعالات والتشنج

وإلى «المصريون» الأسبوعية المستقلة واتجاهها إسلامي وقول رئيس تحريرها زميلنا جمال سلطان: «الحكم الجديد منح الإخوان المسلمين وأنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي دفعا معنويا وسياسيا كبيرا، وسيمكنهم من ترسيخ الانطباعات التي يؤكدون عليها دائما من أن ما حدث في 30 يونيو/حزيران 2013 وما بعده هو ثورة مضادة لتصفية ثورة يناير وأثارها في الدولة والمجتمع، كما أن الحكم قطع آخر خيط موصول بين ثورة يناير والنظام الجديد، وأطلق رصاصة الرحمة على التحالف العارض الذي كان بينهما في 30 يونيو، وهو ما يرجح ميلاد تحالفات سياسية وشعبية جديدة تذيب الخلافات التي طرأت على قوى ثورة يناير بكل أطيافها، من أجل مواجهة ما تبين أنه خطر محو كل أثار الثورة وإضاعة تضحياتها في الهدر.
ثورة يناير بالصورة الذهنية التي تحملها الذاكرة الوطنية غير قابلة للتكرار حاليا وفي المستقبل القريب، لأن الحسابات تغيرت والجيش الذي كان متعاطفا مع الثورة أو على الحياد منها أو وسيطا بينها وبين النظام أصبح في مواجهة أي احتجاجات جديدة وبلا وسيط، بما يعني أن الصورة والتكلفة ستختلف، وهو ما يستدعي من كل الباحثين عن مستقبل أفضل لمصر إعادة تقييم المرحلة بعيدا عن الانفعالات والتشنج، ووضع صيغ جديدة للنضال السياسي تساعد الوطن على استعادة أهداف يناير للعيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. والمؤكد أن رياحا كثيرة داخل مصر اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وإعلاميا وفكريا وخارج مصر إقليميا ودوليا هي في صالح نضالهم المشروع».

جمال الجمل: أحلم بـ«فعل» وليس «رد فعل»

ثم نغادر «المصريون» إلى «التحرير» لنكون مع زميلنا جمال الجمل «ناصري»، وقوله في عموده اليومي «تماهي» بعد أن أمسك بالسماعة وجهاز قياس ضغط الدم للكشف على نظام مبارك: «الحقيقة التي يجب أن نبدأ منها أن نظاما تعرض لحادثة سير وكان لابد أن يدخل المستشفي ليجري بعض الفحوصات، ليطمئن على سلامته وقوته وبعد سلسلة من الإشاعات والمداولات بين الأطباء اتضح أن كل شيء تمام، النظام بخير شوية رضوض ورتوش بسيطة استلزمت تغيير قائد السيارة بقائد آخر، لكن الرحلة مستمرة من أجلك أنت «مصر هتتقدم بينا».
لم أشاهد المحاكمة ولم أنتظر القرار، فهو بالنسبة إليّ تحصيل حاصل ولا يعنيني الصراخ المضاد للحكم ولا التعزيزات الأمنية التي استخدمت فزاعة 28 نوفمبر/تشرين الثاني لتنفيذ خطة نشر القوات. بكل تواضع أقول إن مصر لا تستحق أفضل من ذلك فالقوانين التي يحاكم بها مبارك ونظامه هي قوانينهم والمستقبل ليس إلا جمعية أسسها نجله لتمكين شلة الوارثين، والشعب ليس إلا رعايا منقسمين على رغيف العيش. أرفض أي رد فعل هستيري يتوقف عند حدود الصراخ الحنجوري ببعض الشعارات لزوم التنفيس والمزايدات الكلامية. إنني أحلم بـ«فعل» وليس «رد فعل»، فرصة التغيير الحقيقية لن تبدأ من الصراع على كراسي السلطة «كما يفعل الإخوان»، ولن تحققها الانتخابات بكل أشكالها «كما يفعل ذيول الحزب الوطني»، لا بد من بناء مجتمع مدني حقيقي ينبذ السياسة التقليدية» .

حكم البراءة ألقى جيلا
بأكمله في سلة المهملات

ونترك «التحرير» إلى «اليوم السابع» التي شهدت صفحاتها مقالات عديدة منها مقال زميلنا وائل السمري «قريب من الناصريين» وقوله: «بعد هذا الحكم يجب علينا أن نعترف بأن «الكل باطل»، فكل ما قامت من أجله ثورة يناير/كانون الثاني كان باطلا في الأساس، والقانون لم يستطع أن يأتي بحق من ظلموا على مدى أكثر من ثلاثين عاما كاملة، وكل الانحدار الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي لم يكن حقيقيا.
بعد هذا الحكم يجب علينا أن نسقط دستور مصر، الذي حظي بأكبر مشاركة في تاريخ الاستفتاءات على الدساتير المصرية، فقد نص الدستور على أن 25 يناير كانت ثورة شعبية بامتياز، وأن الجيش المصري انتصر لهذه الثورة، وأن الشعب المصري ثار على فساد العصر الماضي ومن أجل هذا كتب دستورا جديدا ليصون حقوقه المهدرة.
لست حزينا على ما جرى لكنني حزين على ما سيجري، فهل على القضاة أن ينظروا في كتب القانون وأن ينطقوا بأحكامهم؟ سهل على الإعلاميين أن ينقلوا الأخبار ويذيعوها ويحللوها. وسهل على السياسيين أن يصدروا بيانات الإدانة أو التأييد، لكن الصعب هو أن تلقي بجيل بأكمله في سلة المهملات وأن تقول له «مت بغيظك» أو «مت بأملك» وأن نبعث برسالة إلى من يريدون أن يصلحوا هذا البلد وينهضوا به أن «عودوا إلى مقاعدكم» .

كوارث الثلاثين عاما من حكم مبارك

وعبارة «عودوا إلى مقاعدكم» استخدمها رئيس المحكمة المستشار محمود الرشيدي وفي العدد نفسه قال زميلنا سعيد الشحات «ناصري» وهو ينظر بغضب إلى صورة مبارك: «نظرة واحدة الآن على أحوال تعليمنا تقود إلى معرفة ما حدث فيه من كوارث طوال ثلاثين عاما قضاها في الحكم، وهي أطول فترة لحاكم منذ محمد علي باشا؟ هل وفر للمصريين البسطاء، وهم الغالبية الساحقة رعاية صحية سليمة؟ هل حقق مبارك ديمقراطية تليق بالمصريين؟ هل أجريت انتخابات نزيهة في عهده؟ كان التزوير على قدم وساق من دون أن تكون نقطة دم واحدة في وجه أي مسؤول. طاردت الفضائح مرشحي الحزب الوطني الحاكم ورموزه فسقطوا سقوطا مزريا، ولم يجد مبارك وابنه ورجالهما غير إلغاء الإشراف القضائي بتعديلات دستورية لقيطة، لتكتمل الفضيحة في انتخابات 2010 التي انتهت بفوز كامل لمرشحي الحزب الوطني، وكان التزوير الذي حدث فيها هو بمثابة المشرط الذي فتح الجرح كله، حيث خرج المصريون في ثورتهم يوم 25 يناير/كانون الثاني.
لماذا كان مبارك والعادلي وجمال يصرون على هذا التزوير الفج، ألم يكن ذلك تعبيرا عن احتقارهم للمصريين، لماذا تحالف مبارك ونظامه مع الإخوان حتى يبقى الاثنان؟ لا تصدقوا أن مبارك كان يعاديهم، والدليل تركهم بحريتهم في النقابات وترك جمعياتهم تعمل في أمان وترك مؤسساتهم بحرية حتى توغلوا بالطريقة التي عرفناها».

الثوار لم يستلموا السلطة
السياسية فخسروا المعركة

وبعد سعيد تقدم زميلنا وصديقنا ناصر عراق «ناصري» في «اليوم السابع» أيضا ليقول وقد وضع يده على السبب الحقيقي: «لماذا أخفق الشعب؟ لأنه لم يستطع امتلاك نعمة التنظيم السياسي في أحزاب ثورية حقيقية ذات أهداف محددة وبرامج واضحة، أحزاب قادرة على التغلغل في الشارع وحشد الطبقات الفقيرة والوسطى وراء برامجها، فلماذا تندلع الثورة ولم تتضح أمام الملايين معالم الطريق الذي يجب أن تتخذه لبناء دولة عصرية مدنية حديثة، لكن للأسف لم يكن الشعب منظما في أحزاب سياسية ولم نعرف جميعا تاريخ الثورات وقوانينها، ولم نفهم أبدا أن الثوار إذا لم يستلموا السلطة السياسية عقب اندلاع الثورة فستلتف الطبقة القديمة وتناور وتداور لتستعيد عافيتها وسلطتها وتضع الثوار في السجون. كنت أتعجب حين أشاهد الشباب الثائر يفخر عن جهل مخيف بأن ثورتنا ليس لها قائد، وأتساءل ماذا قرأ هؤلاء من أدبيات الثورات وتاريخها؟ وكيف يتحدثون بهذه السذاجة المراهقة السياسية، إذا شئت الدقة عن مستقبل وطن يستميت فيه رجال الطبقات القديمة كي يعودوا ويتحكموا؟
أجل براءة مبارك كانت حتمية وكما توقعت أمس في هذا المكان أن غباء الإخوان وراء براءة مبارك لأنهم فجروا وهددوا وقتلوا فتم إلصاق كل دم سال في الميادين والشوارع بالإخوان، وهكذا نال كبار رجال وزارة الداخلية البراءة، رغم أنهم كانوا يحكمون البلد في يناير 2011».

ثورة 25 يناير قامت
من أجل التغيير والبناء والتعمير

أما زميله عبد الفتاح عبد المنعم «ناصري» فكان رأيه هو: «هل نراجع أنفسنا ونعترف بالأخطاء التي ارتكبها من احتشدوا في الميادين ومن صعدوا إلى الحكم وإدارة شؤون البلاد بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني دفعت بنا دفعا إلى مشهد المحكمة بالأمس؟ الأخطاء كانت كثيرة أبرزها أن من قاموا بالثورة لم يصلوا للحكم حتى يحكموا بآلياتها وأدواتها وقوانينها، وكانت النتيجة أن الطرف الذي كان يخطط ويدير ويتآمر أيضا، نجح في التفتيت والتمزيق وزرع الفتنة بين الثوار والمجلس العسكري، حتى خلا له وجه السلطة وزينت له وأول من تخلص منهم كان «المجلس والثوار».
التاريخ لن يعود للوراء مرة أخرى والثورة لم تقم من أجل الانتقام والقتل وانتظار الإعدامات، وإنما من أجل التغيير والبناء والتعمير وإقامة مجتمع التسامح والحرية والعدالة بالمفهوم الشامل للمعنى. مبارك بما يمثله أصبح جملة من فعل الماضي وحائطا لبكاء لن يفيد. الآن ما يفيد هو أن نعلو فوق الأحزان والاستعداد لمرحلة البناء والعمل الجاد ولننظر وراءنا في غضب ولنتعلم من أخطاء الماضي».

كيف ينعم العادلي ببراءة
ويبقى شباب الثورة وراء القضبان؟

وإلى «الأخبار» «قومية» ورئيس مجلس إدارتها وتحريرها زميلنا وصديقنا ياسر رزق « ناصري وقريب جدا من الرئيس وقوله: «هل تجمح الأوهام بمبارك وبأركان نظامه إلى الظن في أن حكم براءة في قضية جنائية هو إخلاء لساحة الرئيس الأسبق وأعوانه من جرائم ثابتة، كمحاولة تغيير النظام الجمهوري وتوريث الحكم من الأب لابنه وتزويج الثروة بالسلطة على غير شرع، ليتسلط رأس المال سفاحا على حكم البلاد، فيزور الانتخابات ما شاء له التزوير، ويسن من القوانين ما يخول له السيطرة على مصائر الشعب ويكنز من المال العام من ثروات الأمة وحرمانا للجماهير من حقها المشروع في لقمة العيش والحرية والكرامة؟ إن جمحت بهم الأوهام فلست أظن أن الحكم في هذه الجرائم السياسية متروك للتاريخ، إنما هو للشعب الذي انتفض وثار وأسقط النظام. وفي غمرة صدمة مفاجأة أصابت الكثيرين أرجو ألا تغيب عن الأذهان وراء سحب الغضب وضباب الحيرة حقائق يقينية. أولا: أن صدور الحكم على هذا النحو أيا كان الرأي في السرائر والعلن تجاهه، هو شهادة دافعة بأن السلطة لا تتدخل في شؤون القضاء.
ثانيا: إن حكم البراءة هو رأي للمحكمة تطعن عليه النيابة وليس رأيا للنظام الوطني، ولا للقيادة السياسية. أعرف شخصيا موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي من نظام حكم مبارك وما جره على البلاد والشعب من كوارث، وهو موقف يسبق ثورة الجماهير على النظام.
ثالثا: لا عودة لنظام مبارك ولا أعوانه ورجاله، مثلما لا عودة لنظام الإخوان ومرشده وعشيرته. لا ردة عن ثورة يناير التي فجرتها الجماهير رفضا للفساد والطغيان والتوريث، مثلما لا ردة عن ثورة يونيو/حزيران التي أطلقها الشعب رفضا للاستحواذ والإقصاء وطمس الهوية المصرية.
رابعا: الانتقاص من ثورة يناير هو انتهاك للدستور، فقط أتمنى ألا يبقى في الحبس أو السجون شباب وطني أفلت به الحماس وانفلت، لكن لم تتلوث يداه بدماء ولم تمتد سواعده إلى منشآت بلاده بالتخريب، فكيف ينعم العادلي ببراءة ويبقى هؤلاء الشباب وراء القضبان؟».

نيوتن: تبرئة مبارك كانت
تبرئة لضمير كثير من المصريين

ومن ياسر في «الأخبار» إلى «المصري اليوم» وصاحب وجدتها.. وجدتها نيوتن الذي ضحك وانشرح صدره وقال وهو ينظر لصورة مبارك ثم يحتضنها: «أعتقد أن الشعب المصري في معظمه استقبل برحابة صدر حكم البراءة الذي صدر بحق الرئيس الأسبق حسني مبارك أمس، من جهة الشعب أدرك أن 25 يناير 2011 لم تكن عملية بريئة في معظمها، لم تكن مصرية خالصة. من جهة أخرى اقتنع الشعب بأن مبارك لم يصدر أي تعليمات من قريب أو بعيد بقتل المتظاهرين. من جهة ثالثة وبعد مرور نحو أربعة أعوام على هذه الأحداث، أصبحت المشاعر طبيعية، عاد الشعب إلى طبيعته الطيبة الأصيلة. طباع وتنشئة الشعب المصري لا تقبل أبدا إهانة رجل بلغ هذا العمر، ما بالنا إذا كان هذا الرجل قدّم معظم عمره في خدمة الوطن مدنيا وعسكريا، هذه هي أصالة الشعب المصري. منذ اللحظة الأولى لمحاكمة الرجل كنت أرى أن هناك شيئا ما خطأ ليست هذه مصر ليس هؤلاء مصريين، شعبنا لم يعدم رئيسا كما حدث في دولة مجاورة، لم يقدم ملكا للمقصلة، كما حدث أيضا، لم ينتقم من رئيس كما رأينا في أقرب الدول، الانتقام والتشفي ليسا من شيم المصريين.
بالتالي كانت المحاكمة في حد ذاتها نوعا من التشفي والانتقام، النهاية كان يجب أن تكون كذلك. كنت أشعر بالمهانة رغم أنني لم أكن من زمرته في يوم من الأيام، ما حدث مع هذا الرئيس أخجلني على المستوى الشخصي، القبول بما تعرض له كان إسقاطا لجميع القيم الإنسانية ستستمر معنا أجيالا وأجيالا وتبرئته كانت تبرئة لضمير كثير من المصريين، ما تجدر الإشارة إليه هو أن المحاكمة كانت في مجملها راقية، قدمنا النموذج للعالم».

مبارك أجرم في حق نفسه وفي حق شعبه

أما آخر زبائن يوم الأحد فهو زميلنا وائل لطفي «ناصري» رئيس تحرير جريدة «الصباح» الأسبوعية المستقلة وقوله عن مبارك بعد أن أبعد صورته عنه: «هو رجل أجرم في حق نفسه وفي حق شعبه، حين تحول من قائد عسكري تكلله أكاليل الغار لرئيس ينمو الفساد في عهده بدرجة لم وربما لن تشهدها مصر من قبل. في عهد مبارك تحول الفساد لمؤسسة ضخمة وشبكة أخطبوطية. جريمة مبارك الحقيقية هي أنه بتواطئه مع سيناريو التوريث واستسلامه له وإقراره به، وضع الجيش المصري للمرة الأولى في صراع بين ما كان يراه حول ضرورة حماية الجيش للشرعية أو بين الانحياز لغضب الناس، ليجد الجيش نفسه بين الإقرار بالتوريث وبين الانحياز لرغبات الناس الحقيقية في التغيير فكان الانحياز للثورة».

يوميات الاثنين
كان مبارك في أجازة مدفوعة
من دماء شهداء 25 يناير

وإلى الأخبار وزميلنا الإخواني خفيف الظل رئيس تحرير أخبار اليوم السابق سليمان قناوي وقوله وهو يبذل جهدا لإنزال دمعتين: «كم مسكين أنت أيها الشعب المصري المعدم، تشقى بتكاليف أبهة وبغددة مبارك رئيسا كان أو مخلوعا، نريد من حكومتنا حتى تعلي شفافيتها أن تخرج علينا ببيان عن كم كلفت براءة مبارك ميزانية الدولة؟ «انشلينا»، بالفعل من أحدث واغلى الساعات التي كانت تظهر في يد مبارك، والتي يمكن أن تطعم الواحدة مئة أسرة لمدة عام «ثمــــن إحداها يصل إلى مليون جنيه»، ومن الملابس الأنيقة التي يرتديها في كل جلسة وأفخم النظارات التي كانت تغطي وجهه. كان مبارك في نزهة أو أجازة مدفوعة من دماء شهداء 25 يناير حبس انفرادي في جناح 7 نجوم مكيف الهواء «يا حرام على التعذيب» يأتيه رزقه رغدا من أفخم المطاعم طيارة رايحة وطيارة جايه، رسائل بصوته تذاع على الفضائيات خناقة بين الصحافيين على لقب من هو صاحب أول حديث صحافي معه كما لو كان مبارك نجم الموسم».

لنغلق ملف الماضي
وننظر للمستقبل

وفي «الجمهورية» كان رأي زميلنا السيد البابلي هو: «هل من الضروري أن تقوم النيابة العامة بالطعن على قرار براءة حسني مبارك؟ ولماذا لا نكتفي بكل ما حدث وأن يكون ملف هذه القضية قد أغلق إلى الأبد، فلم تعد هناك قيمة أو معنى لهذه المحاكمات التي تكلف الدولة أموالا طائلة وترهق الأجهزة الأمنية في انتقالات مبارك وتأمين المحاكمات. وما قيمة محاكمة جديدة إذا كان مبارك نفسه لم يعد مهتما إن حكموا عليه بالإدانة أو البراءة، لأنه يعلم أن الحكم قد صدر يوم أن تمت الثورة عليه وإسقاط نظامه ونهاية إمبراطوريته. كما أن حكم البراءة الذي حصل عليه مبارك هو شهادة نجاح لثورة 25 يناير، التي لم تلجأ إلى إجراءات ومحاكمات ثورية استثنائية، قد لا تتوافر فيها كل إجراءات العدالة وتصدر قرارات متعجلة، لقد أغلق ملف مبارك وأصبح جزءا من الماضي، وعلينا أن ننظر إلى الماضي على أنه درس للمستقبل، فالشعب الذي خرج ليسقط الفرعون أقام نظاما جديدا فيه الأولوية للشعب والكلمة والقرار له، وهذا هو المكسب الحقيقي من ثورة يناير/كانون الثاني مهما اختلفت التسميات حولها».

الشعب المصري لن يترك
حقه المعلق في رقبة مبارك ونظامه

وآخر زبائن يوميات الاثنين من «الوفد» وهو زميلنا محمد الشريدي وقوله على عكس ما قاله البابلي: «ملفات مبارك يجب أن يتم فتحها وأن يبادر الرئيس السيسي إلى إعلان تحقيق العدالة بكافة أشكالها على جميع المصريين. وأن المؤسسة العسكرية لا تغفر لمن يجرم في حق الشعب حتى لو كان المجرم من أحد أبناء هذه المؤسسة العريقة والوطنية.
إنها لحظة تاريخية لن تعيق مسيرة المصريين وسوف يقول التاريخ كلمته في مبارك وطبعا العادلي. أما الشعب المصري فلن يترك حقه المعلق في رقبة مبارك ونظامه وسوف يأخذه منه في الدنيا والآخرة، ودم الشهداء الذين ماتوا في زمنه وفي وقت ولاية نظامه لن يغفروا له».

أصداء التعويل على التاريخ

وأخيرا إلى « الشروق» عدد يوم أمس الثلاثاء ومقال الكاتب عمرو حمزاوي عن كتابة التاريخ الذي يقول فيه: «حين يحال بين الشعوب وبين معرفة الحقيقة، حين تمنع من ممارسة المكاشفة والمساءلة والمحاسبة بشأن مظالم وانتهاكات وفساد الماضي والحاضر، حين تتسارع عمليات تزييف الوعي العام والترويج لصوت أوحد ولرأي أوحد تحدد منظومة الحكم والنخب المتحالفة معها مرتكزاتهما وتوظف أدوات القمع المادي والمعنوي لإسكات الأصوات الأخرى وتغييب الآراء المغايرة، حين تفرض على الناس بعد ثورات وانتفاضات طلبت الحق والحرية ثقافة الخوف والخنوع والانكفاء على الذات والابتعاد عن قضايا المجتمع والدولة، حين يستخدم لذلك نهج سلطوي يمزج بين تهجير المواطن من المجال العام بقوانين وإجراءات وممارسات متنوعة، وبين إخضاعه الدائم للتهديد بالقمع والعقاب إن لم يمتثل للصوت الأوحد وللرأي الأوحد، حينها تنزع المجموعات المتمسكة بطلب الحق والحرية إلى التعويل على التاريخ الذي تدفع باتجاه مدونيه وموثقيه وباحثيه بمسؤولية تسجيل الحقيقة والانتصار للمطالب العادلة للشعوب وتجاوز عمليات تزييف الوعي وإسكات الأصوات الحرة التي تطغى على الحاضر.
ليست فقط مصر التي تتصاعد فيها أصداء التعويل على «التاريخ» بمقولات وعبارات متشابهة ترددها المجموعات المتمسكة بالطلب على الحق والحرية، ليست فقط مصر التي يرتب بها توالي هزائم وانكسارات وارتدادات دعاة التحول الديمقراطي وسيادة القانون وتداول السلطة واللجوء العفوي لكتابة التاريخ كساحة مستقبلية يلقى على عتباتها بالأمل في رد الاعتبار والأمل في غد قد يحمل صونًا لكرامة المواطن إزاء تغول الحكم، ويأتي بالمجتمع المتسامح وبالدولة العادلة، ليست فقط مصر التي تسعى بها الأصوات المدافعة عن الحقوق والحريات إلى توظيف الوعد بالعدل في حوليات التاريخ ومدوناته المقبلة بهدف تجاوز وضعية الوهن المجتمعي، التي تفرضها عليها حقائق الواقـــع المتكالب على القوة به أطراف قديمة وجديدة يجمعها رفض الديمقراطية وبغيــة الإبقاء لرؤاها ومطالبها على بعض التأييد وبعض التضامن بين القطاعات الشعبية.
إلا أن السؤال الجوهري الذي يتعين طرحه على هوامش الكتابات والتعليقات التي تتداول اليوم في مصر وتبحث في المجال العام عن مواقع وخانات تتصاعد منها أصداء الأمل في التاريخ الذي «لا تكتبه أحكام القضاء» ولا «يغفل عن تجاوز حدود المسؤولية الجنائية إلى معاني ومضامين المسؤولية السياسية والمجتمعية»، هو من يكتب التاريخ؟ هل يكتبه غير الأطراف المسيطرة على الحكم والمهيمنة على المجال العام اليوم؟ هل تتوارى حقائق القوة ومصالح الحكم والنخب المتحالفة معه عن كتابة التاريخ وعن حولياته ومدوناته، وهذه الحقائق والمصالح لا تترك مساحة أو ساحة من ساحات حياة المواطن والمجتمع والدولة إلا وأخضعتها لسلطانها؟ هل سيعدم الحكم وحلفاؤه من يبحثون، إن طمعا في الحماية والعوائد أو اقتناعا بالتيار السائد وبالصوت الأوحد وبالرأي الأوحد، عن كتابة التاريخ بذات المعاني والمضامين المستخدمة اليوم لتزييف وعي الناس؟….
دعونا نعمل اليوم، ونواصل البحث بسلمية وبتسامح عن الانتصار للديمقراطية وللعدالة الانتقالية التي لها وحدها أن تحاسب عن ماضي وحاضر المظالم والانتهاكات والفساد وعن استعادة ثقة الناس في كون الديمقراطية هي سبيل تقدمنا وسلمنا الأهلي وتماسك الدولة الوطنية، ولنترك كتابة التاريخ اليوم وغدا لحقائق القوة لتفرض منطقها كما فرضته دوما.»

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية