القانون والقضاء وثقافة المجتمع…

حجم الخط
0

خلال الشهر المنصرم، عرف المغرب مجموعة من الأحداث المثيرة ذات الصلة بنقاش القيم والحريات الفردية في علاقتها بالقانون وبثقافة المجتمع..في إحدى المدن الصغيرة بشمال الجنوب المغربي تسمى «إنزكان» تمت متابعة فتاتين أمام القضاء بتهمة الإخلال بالحياء العلني بسبب لباسهما المثير في أحد الأسواق الشعبية بعدما تعرضا للتحرش من طرف شباب آخرين وهو ما تسبب في اندلاع فوضى في السوق تدخل على إثرها الأمن والقضاء..
وقد أثار قرار متابعة الفتاتين من طرف النيابة العامة ردود فعل من طرف بعض الجمعيات النسائية والناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي الذين نددوا بـ «الاعتداء الصارخ على الحريات الفردية» وبـ»تشجيع الناس على الأعمال المتطرفة والإقدام على تطبيق القانون بدلا من السلطات»، كما أطلقت ناشطات على موقع الفيسبوك صفحة وهاشتاغ بعنوان «ارتداء التنورة ليس جريمة» ونشرن صورهن بالتنانير تضامنا مع الشابتين، كما نضمن وقفة تضامنية بالتنورة أمام البرلمان..
كما أعادت حادثة الاعتداء على أحد الأشخاص له ميولات جنسية شاذة بمدينة فاس موضوع الحريات الفردية في علاقتها بالقانون وبثقافة المجتمع.
من الواضح أن اللجوء إلى العنف من أجل إيقاع الجزاء بالأشخاص الذين يعتقد المجتمع أنهم في وضعية مخالفة للقانون أمر مرفوض ومدان بجميع المقاييس، فلا يمكن للمجتمع أو للدولة أن تتساهل مع هذه الانفلاتات على محدوديتها لأنها تقوض البناء المؤسساتي وتضعف من رمزية الدولة وهيبتها ومن سلطة القانون باعتباره المرجع الأول في الحكم على الظواهر الإجرامية أو على المخالفات.
ما حصل في فاس هو اعتداء غير مشروع على شخص بسبب شكله وطريقة لباسه وقد تدخلت السلطات الأمنية لحمايته كما تدخلت النيابة العامة لمتابعة الجناة لتأخذ القضية مسارها القضائي العادي. في إنزكان يتعلق الأمر بفتاتين لا تقطنان بالمدينة أثارت حفيظة الناس في السوق بسبب لباسهما مما تسبب في احتجاج الجمهور فتدخل الأمن وقدمهما للنيابة العامة التي قضت بمتابعتهما في حالة سراح، وهذا اجتهاد مبني على قراءة نصوص القانون الجنائي على ضوء ثقافة المجتمع في إنزكان التي تتميز بالمحافظة، وهو اجتهاد ينبغي للفاعلين أن يحترموه مادام صادرا عن سلطة قضائية، لكن يمكن انتقاده قانونيا بعيدا عن إرادة التهييج. وربما لو استشارت النيابة العامة مع وزارة العدل والحريات لأخذت القضية مسارا آخر ولما كانت المتابعة.
بعض ردود الفعل الصادرة عن بعض الجمعيات ظهرت وكأنها كانت تنتظر الفرصة السانحة للترافع من أجل الحريات الفردية بطريقة لا تراعي مقتضيات القانون ولا تنتبه إلى ثقافة المجتمع وطبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية التي تحيط بكل واقعة على حدة..
طبعا، من واجب المجتمع المدني أن ينتفض ضد محاولات البعض تطبيق «شرعه بيده». لكن جرى تضخيم كبير لهذه الموضوعات، وهناك مبالغات كبيرة في هذا الموضوع وهناك محاولة لاستغلالها بشكل فج ضد الحكومة التي لا صلة لها بما حصل، وهناك محاولات حثيثة لجر المجتمع إلى تقاطبات إيديولوجية تقسم الناس إلى محافظين وحداثيين وتصوير الواقع الاجتماعي على غير ما هو عليه.
شخصيا، شعرت بأن النقاش فيه كثير من التكلف والإثارة من أجل إلهاء الناس وشغلهم عن قضاياهم الحقيقية، خاصة والبلاد على أبواب استحقاقات انتخابية هامة تتطلب الكثير من اليقظة والحذر.
في واقعة فاس أصدرت النيابة العامة بلاغا يخبر الرأي العام بأنها اتخذت قرارا بمتابعة المعتدين على مواطن انطلاقا من مرجعية القانون وانطلاقا من مسؤولية الدولة في حماية النظام العام، وهو ما يعني أن موضوع الحريات الفردية ينبغي أن يكون مؤطرا بالضوابط القانونية.
طبعا من المعلوم أن القاعدة القانونية هي قاعدة اجتماعية، بمعنى أن القانون ينبغي أن يتلاءم مع البيئة الاجتماعية ومع ثقافة المجتمع.
القانون تعبير عن ثقافة المجتمع وقيمه السائدة، وبالتالي ما يعتبر حرية فردية في القانون اللوكسمبورغي أو الهولندي أو في بعض البلدان الإفريقية لا يعتبر بالضرورة حرية فردية في القانون المغربي أو في المملكة العربية السعودية، فلنأخذ مثالا على ذلك: «جريمة العري المتعمد»، بعض أشكال اللباس التي يمكن اعتبارها عريا متعمدا في المغرب لا يمكن اعتبارها كذلك في بلدان أوروبية، بل داخل البلد الواحد تختلف ثقافة المجتمع، فأشكال اللباس المتحررة في الدار البيضاء ربما تكون مقبولة اجتماعيا وثقافيا، لكنها غير مقبولة اجتماعيا وثقافيا في مناطق أخرى من المغرب مثل زاكورة أو في الريصاني أو الناظورمثلا..
ولذلك على بعض الأصوات التي تنتصر لحرية اللباس أن تنتبه إلى ثقافة المجتمع وأن تراعي خصوصياته الدينية والثقافية والاجتماعية.
طبعا، علينا أن نقرأ هذه المعطيات على ضوء علاقة المغرب بجيرانه الأوروبيين وانفتاحه على العالم، فالمغرب انخرط في عدد من الالتزامات الدولية ويتمتع بصفة الشريك المتقدم من أجل الديمقراطية مع أوروبا والتي تفرض عليه عددا من الالتزامات لكنها لا تصل إلى درجة المس بثوابته الدينية ومرتكزات هويته الحضارية المحصنة دستوريا وقانونيا. للأسف بعض الأصوات تستغل هذه المعطيات لتوسيع الحريات الفردية لتشمل بعض الجوانب المرفوضة اجتماعيا وثقافيا وحضاريا.
وهي لعبة أصبحت مكشوفة لخلق تقاطبات حادة على أساس هوياتي بين التيارات الإسلامية «المحافظة» والتيارات الليبرالية «الحداثية»، وتحريف النقاش المطلوب في ساحة التدافع السياسي عن قضايا الحرية والديمقراطية والتوزيع العادل للثروات.

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية