القبانجي والنصولي والحسني… ثلاث قضايا رأي عام

مع تشكل الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ابتدأ العمل سريعا في محاولة بناء المؤسسات، ومحاولة ترسيخ مفاهيم كانت غير متداولة بين العراقيين مثل المواطنة والدولة القومية والدستور والبرلمان والحقوق والواجبات.
وبات العراقيون يعيشون في ظل نظام يحاول تنمية هذه القيم سريعا، وكانت الاستجابة سريعة، إذ تأقلم العراقيون مع المتغيرات بسرعة لافتة للنظر، وللانصاف يجب القول إن المتغيرات التي حدثت في بنية الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين واهمها دستور عام 1908، كان احد اهم الاسس التي بني عليها الكثير من المتغيرات المجتمعية في المشرق العربي بعد الحرب العالمية الاولى.
ويعتبر الباحثون قضايا الرأي العام إحدى الاشارات الدالة على نضج وحركية المجتمع في سلم التحضر، لأن قضايا الرأي العام تحمل في طياتها موقفا مجتمعيا من أمر ما، او قضية يتم الترويج لها عبر وسائل الإعلام والصحافة، التي إن وجدت فهذا يعني أنها ستلعب دورا تغييريا في المجتمع، وأن التفاعل مع مشكلة ما، حتى تغدو قضية رأي عام تحتاج بنية اساسية من انتشار التعليم والإعلام اللذين يشكلان البنية الاساسية للتغير المجتمعي، ثم يتم العمل بعد ذلك على توحيد مشاعر مجموعات اجتماعية لتأخذ بالتحرك.
وقد كانت اولى قضايا الرأي العام التي تناولتها الصحافة بالمتابعة واهتم بها الناس، القضية التي عرفت بمحاكمة المطرب العراقي (محمد القبانجي) عام 1925، وهو الذي اصبح بعد ذلك اشهر قارئ مقام عراقي وشيخ المطربين في النصف الاول من القرن العشرين، والذي حاز الجائزة الذهبية في مهرجان الموسيقى الشرقية، الذي اقيم في القاهرة عام 1932، والذي تنافس فيه مطربون ومطربات من شتى بقاع الشرق.
وأصل القضية يعود الى تأليف القبانجي اغنية وتلحينها وادائها ثم تسجيلها على اسطوانات، وهي اغنية (سودنوني هالنصارى) اي جننوني النصارى، وهي اغنية بسيطة لحنا وكلاما، تحكي قصة شاب مسلم يقع في حب فتاة مسيحية، ومن ضمن شكواه انه سوف يصعد الى النبي عيسى ليتوسط له عند محبوبته، فما كان من صحافي مسيحي الى ان رفع دعوة على المطرب يتهمه فيها باهانة المسيحيين واهانة رموزهم الدينية، والتعرض لشرفهم بالتغزل بنسائهم، واحيلت الدعوة الى المحكمة، وكان القاضي الذي ينظر القضية عبد العزيز الخياط، وهو معروف بانه قاض شديد ومن النمط التقليدي الكاره للغناء و(الميوعة)، فأمر بحبس المتهم على ذمة القضية، او الخروج بكفالة اعتبرت أعلى مبلغ يفرض في تاريخ القضاء وهو 500 ليرة، والغرض تعجيز المتهم عن دفعها، لكن محامي الدفاع بعد أن تدبر المبلغ بمعونات من أناس اخرين طلب تحويل القضية لمحكمة اخرى، وتم له ذلك حيث نظر القضية القاضي شهاب الدين الكيلاني، وهو قاض معروف عنه حبه للفن والغناء والأريحية، لكن ذلك لا يعني تهاونه في الحق، وقد اتخذ اجراءاته القانونية، فكان شهود الاثبات الصحافي سليم حسون، وهو مسيحي، واصر على ان الاغنية تسببت في اهانة الطائفة المسيحية في العراق ورموزها الدينية، بينما كان المحامي المسيحي يوسف عمانوئيل هو شاهد النفي الذي قدمه الدفاع، الذي اعتبر الامر غير مهين، وان الاغنية تحكي قصة حب يمكن ان تحدث في الواقع، كما كان شاهد النفي الاخر هو كاتب العدل محمد صالح، الذي فند الامر واعتبر الاغنية غير مسيئة باعتبار ان الشعراء يقولون ما لا يفعلون، كما قدم محامي الدفاع مضبطة، هي عبارة عن عريضة وقعها مئات المسيحيين من سكنة محلة سوق الغزل التي كان يسكن فيها القبانجي، وهي من محلات بغداد المعروفة بكثافة السكان المسيحيين فيها منذ العصر العباسي، وكانت عريضة الاهالي تطالب القاضي بالنظر بعين الرحمة للمتهم الذي يحبونه ويحترمونه، وان الاغنية لم تسئ اليهم، كما اشار الدفاع الى ان صاحب شركة الاسطوانات نيقولا خوري، وهو مسيحي ايضا ولم يجد ضيرا في الاغنية وكلماتها، فافرجت المحكمة عن المطرب الذي لم يعد لغناء الاغنية بعد ذلك نهائيا، احتراما لمشاعر اصدقائه المسيحيين، لكن غناها مطربون اخرون نزولا عند طلب المستمعين.
اما القضية الثانية التي تحولت الى قضية رأي عام وتخللتها اعمال عنف، فهي القضية المعروفة في تاريخ العراق الحديث بـ (قضية كتاب النصولي) عام 1927، حيث كان أنيس زكريا النصولي، وهو مدرس لبناني تعاقدت معه وزارة المعارف العراقية مع ثلاثة من زملائه للتدريس في المدرسة المركزية ودار المعلمين الابتدائية في بغداد، وقد كان النصولي عروبي الهوى، وكان يدرس تلاميذه التاريخ العربي وفق رؤياه، وبحسب منهج اختطه لذلك، ثم قام بجمع هذا المنهج وطبعه في كتاب بعنوان «الدولة الاموية في الشام» تغزل فيه بانجازات رموز اموية مثل الخليفة معاوية بن ابي سفيان والخليفة الوليد بن عبد الملك، ونظرا لتحسس اهالي الطلبة من الطائفة الشيعية من هذه الطروحات، ابتدأت حملة ضد الكاتب والكتاب، ما لبثت ان تحولت الى ازمة سياسية بين وزير المعـــارف الشيعي السيد عبد المهدي المنتفكي ومدير المعارف العام السني العروبي ساطع الحصري، وبعد تصاعد الازمة وتحولها إلى تظاهرة من الطلبة لمناصرة استاذهم وللدفاع عن حرية الفكر، تم طرد النصولي والمدرسين الثلاثـــة الذين طالبوا بان يكونوا معه ويسري عليهم ما يسري على زميلهم، كما تم فصل عدد من الطلبة الذين قادوا مظاهرة الطلبة امام وزارة المعارف، والذين تحولوا بعد ذلك الى رموز وقادة سياسيين في العـــراق الحديث مثل حســـين جميل وفائق السامرائي وعبد اللطيف محيي الدين وانور نجيب، ولم تهدأ الازمة الا بتدخل الملك فيصل الاول وتطييب خواطر من تضرر من القضية واعادة الطلبة المفصولين للدراسة.
أما القضية الثالثة فهي محاكمة المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في 7 يناير 1931 بعد ان رفعت طائفة الصابئة المندائيين في العراق ممثلة برئيس الطائفة الروحي الشيخ دخيل بن الشيخ عيدان قضية تتهم فيها الحسني بالاساءة للطائفة واتهامها بالكفر وعبادة النجوم في كتابه «الصابئة قديما وحديثا» الذي طبعه في القاهرة، حيث وقف الشيخ دخيل امام القاضي شهاب الدين الكيلاني – وهو القاضي نفسه الذي حكم في قضية القبانجي قبل ذلك ـ يقرأ نصوصا دينية من كتاب الطائفة المقدس (الكنزا ربا ـ الكنز العظيم) باللغة المندائية وهي من اللغات الارامية الشرقية، حيث انتدبت المحكمة الاب انستاس ماري الكرملي للترجمة والاستئناس برأيه باعتباره باحثا موسوعيا كبيرا في الاديان، وقد أدانت المحكمة السيد عبد الرزاق الحسني وطالبته بالاعتذار رسميا للطائفة، والتعهد بتعديل ما ورد في كتابه بالرجوع الى رجال الدين في الطائفة المندائية للحصول على المعلومات الدقيقة، وقد اعتذر المؤلف لرئيس الطائفة وتعهد بذلك امام المحكمة، الا انه التف بعد ذلك على الامر ونشر في مجلة «الهلال» المصرية مقالا في مايو 1932 يقول فيه «فتلقينا من ضجيج الصابئة وإنكارهم ما جرنا إلى المرافعات ومحاكمات طال أمدها، ولكنها انتهت بفشل المدعين لعدم وجود مأخذ على ما كتبنا ونشرنا»، وليعيد بعد ذلك اصدار كتابه بعنوان جديد عام 1957 هو «الصابئون قديما وحاضرا» وليعيد فيه المغالطات القديمة نفسها والترهات التي ذكرها في كتابه الاول، وحينها لم تعد الطائفة تأبه لهذا الكلام، كما ان التغيرات التي حدثت جعلت رموز الطائفة يغضون النظر عن استئناف الدعوى مرة اخرى.
إن هذه القضايا الثلاث ومثلها قضية رفعها اتباع الديانة البهائية في العراق في عشرينيات القرن الماضي حول نزاع على بيت يعتبر من اقدس الاماكن بالنسبة لهم، وهو البيت الذي كان يملكه مؤسس الديانة (بهاء الله) في منطقة الشيخ بشار في بغداد، وقد وصل الامر الى التهديد بعدم رفع الانتداب عن العراق وحصوله على الاستقلال التام وحرمانه من دخول عصبة الامم، اذ اشار تقرير الجهة المنتدبة الى انتهاكات تمس الاقليات الدينية، حتى تدخل الملك وحل الاشكال بين المتنازعين.
ان القضايا المشار لها حدثت في العقد الاول من عمر الدولة الحديثة، التي كان يجمعها خيط واحد هو أن أحد أطراف النزاع كان من الاقليات الدينـــية، التي عبرت عن حيوتيها ومشاركتها في بناء الدولة الجديدة، بعد ان كانت تعاني التهمــــيش قبل ذلك، لتدشــن عهدا يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات، ويلجأ المتضرر الى القنوات الرسمية التي تتوفر في ظل الدولة الحديثة وبطريقة متحضرة لحل الازمات، كما يتضح الدور المهم الذي لعبه مؤسس الدولة الحديثة الملك فيصل الاول الذي عرف عنه دعمه وعنايته باشراك جميع أبناء العراق في العمل على بناء الامة وفق سياقات النمط الحديث.

٭ كاتب عراقي

القبانجي والنصولي والحسني… ثلاث قضايا رأي عام

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية