القبلية في العراق الأمريكي

أصبح مصطلح (العراق الأمريكي) معروفا باعتباره يشير إلى (العراق) بعد إسقاط نظام صدام حسين على يد قوات التحالف الذي قادته الولايات المتحدة الامريكية في 9 ابريل 2003.
وأظن أن من صك هذا الاصطلاح هو الكاتب العراقي حسن العلوي، الذي أصدر كتابا بهذا الاسم، وقد كانت للقبلية تجليات واضحة في هذا العراق منذ الأيام الأولى للتغيير، تلمس وجودها صحفيو تلفزيونات العالم من المجاميع البشرية التي كانت تطوف ساحة الاندلس القريبة من فندقي عشتار شيراتون وفلسطين مريديان وسط بغداد، إذ تحول المكان إلى محجة لكل من يريد أن يعبر عن هويته ووجوده في عراق ما بعد صدام، لأن مركز تواجد الاعلاميين الذين يغطون حرب العراق كان في هذين الفندقين، حيث شهدت ساحة الفردوس القريبة تظاهرات عشائرية تحمل راياتها في (عراضات) وفق النمط القديم المصحوب باهازيج المعركة قبل اكثر من مئة عام.
المراقبون عزوا الحراك الاجتماعي الواسع لبنى ما قبل الحداثة في (العراق الجديد) ممثلا بالقبيلة والدين والمذهب، نتيجة تفريغ نظام صدام للعراق من مؤسسات مجتمع مدني فاعلة، فلم تكن هنالك أحزاب موالاة او معارضة، اذ ابتلع الحزب الحاكم الحياة السياسية وسيطر على النقابات والاتحادات والجمعيات حتى تحول البلد إلى فراغ هائل من أي نشاط مجتمعي حقيقي باستثناء بعض الأنشطة الثقافية المنزوية في هامش حراك حياة البلد، وهي في الغالب نشاطات أفراد قد يجتمعون على خوف من مداهمة في أي لحظة. ولم يكن هذا الحال مفاجئا أو جديدا، فقد بني على تراكمات بعضها يعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين، واعني ارتباط التواجد القبلي الكثيف في العاصمة نتيجة الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدن، هربا من سوء الأوضاع الاقتصادية والخدمية في ارياف العراق التي كانت تعاني من سطوة الاقطاع، وبحثا عن فرص حياة ورفاه في العاصمة، التي بدأت تعد بالكثير مع استقرار النظام الملكي الجديد حينها، لكن هذه الهجرات خلقت ازمة مجتمعية حادة، عندما تكدس المهاجرون الجدد في احياء أو أحزمة فقر تحيط بالمدينة، ولم تفلح معها خطط الحكومة المتواضعة في العهد الملكي أو حتى الثورية التي نفذتها الحكومات الجمهورية اللاحقة في وضع حلول حقيقية لها، حيث نقلت احياء الصفيح المحيطة ببغداد إلى ضاحيتين شرق وغرب بغداد هما مدينة الثورة في الجزء الشرقي من بغداد ومدينة الشعلة غرب بغداد، ومع الكثير من الاشارات التي تنسب بناء هاتين الضاحيتين إلى الجنرال عبد الكريم قاسم، الا أن البحث المدقق يرجع الامر إلى مشاريع مجلس الاعمار قبل تموز 1958، عندما تعاقدت الحكومة الملكية مع المعماري ومخطط المدن اليوناني دوكسيادس لانشاء المدن او الضواحي الجديدة لمعالجة مشكلة المهاجرين الريفيين إلى بغداد.
مع تشكل مجلس الحكم العراقي في ظل الادارة المدنية الامريكية المؤقتة، تم استقطاب عدد من رموز القبلية في العراق الجديد وضمهم للنخبة السياسية باعتبارهم فاعلين سياسيين، مثل الشيخ غازي مشعل عجيل الياور، المتحدر من عائلة الياور، الشيوخ التاريخيين لقبيلة شمر وهي اكبر قبائل العراق، ورغم أنه متحدر من اصول قبلية الا انه مهندس بترول اكمل دراسته العليا في جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة ويحمل جنسيتها، ثم اصبح بعد ذلك اول رئيس للجمهورية، وهذا ما يؤشر إلى أن هنالك قبلية هجينة وجديدة ستسود العراق ترتبط بخيوط واهنة مع مفهوم القبلية التقليدي.
كما ضم مجلس الحكم الشيخ كريم ماهود المحمداوي، المتحدر من قبائل آلبو محمد في جنوب العراق، وهو تجمع قبلي من اكبر التجمعات في مناطق الاهوار، ورغم أنه كان معارضا لنظام صدام حسين، وانشأ تنظيم حزب الله العراقي وكان يتخذ من الاهوار منطلقا لنشاطه المسلح حتى عرف بـ (أمير الاهوار) في عقد التسعينيات، إلا أن التدقيق الاجتماعي سيظهر لنا أن كريم المحمداوي ليس من القيادات القبلية التقليدية المعروفة في قبيلته، انما هو رمز قبلي جديد، في التركيبة الجديدة. هكذا دار الامر وتأسست انواع التجمعات والمؤسسات والحركات، ذات الطبيعة القبلية بعد اسقاط النظام، وظهرت على الساحة وهي تحاول تسويق نفسها للامريكان في عموم العراق والبريطانيين في جنوب العراق الذي كانوا يديرونه، على انها حركات وتجمعات فاعلة ويمكن الاعتماد عليها في ادارة شؤون مجتمعاتها المحلية، والمدقق في الامر سيجد أن الكثير من هذه التجمعات الجديدة لم تكن سوى هياكل فارغة تبحث عن الدعم المالي والنفوذ والسطوة، كما تجدر الاشارة إلى نقطة مهمة هي تأثير الانتشار الواسع للسلاح في الشارع العراقي على تقوية النزعة القبلية، حيث تم تسليح العديد من التشكيلات شبه العسكرية قبيل سقوط نظام صدام حسين مثل «جيش القدس» و»فدائيو صدام»، وحتى بعض القبائل، باعتبار هذه التشكيلات ستمثل نوعا من المقاومة الشعبية في حالة الحرب، كما أن ترك مخازن اسلحة الجيش العراقي عرضة للنهب امام الناس عند دخول قوات الاحتلال ساهم في ازدياد انتشار السلاح في الشارع. مع الفراغ الامني والسياسي والقضائي في السنتين الاوليين من عمر الاحتلال، تضخم الوجود القبلي الذي دفع المواطن العادي للاحتماء بانتماءاته القديمة ليستطيع العيش في ظل غياب مؤسسات الدولة، كما أن التخادم الذي حصل بين حركات سياسية وميليشيات وفصائل متقاتلة من جهة، والقبائل من جهة اخرى منح البنية القبلية الهجينة والجديدة قوة ووجودا غير مسبوقين، فبات المتنقل في شوارع العاصمة او المدن الكبيرة يقرأ يافطات علقت على مبان كثيرة وقد كتب عليها (ممنوع بيع وايجار العقار.. مطلوب عشائريا) في تحد صارخ لوجود الدولة وكينونتها القانونية، اذ تعني هذه اليافطات أن باستطاعة المتخاصمين اللجوء إلى قبائلهم في حال وجود نزاع، وبدورها القبائل ستحل النزاع بالطرق القديمة المعتمدة على القوة عبر اللجوء إلى انواع الاسلحة الخفيفية والمتوسطة في نزاعاتها، ومن ثم يتم اللجوء إلى الصلح العشائري القائم على الديات والتعويض المالي المعروف بـ(الفصل العشائري).
لقد شهدت محافظات الجنوب، التي اعتبرت مستقرة سياسيا نسبيا مقارنة بمحافظات غرب العراق التي شهدت العديد من المعارك، الكثير من المعارك الساخنة بين القبائل المتناحرة التي تقف قوات الامن والجيش عاجزة أمامها ولا تستطيع لها حلا، كما انتشرت في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الاشارة إلى عودة نمط قديم من الديات القبلية انقرض من المجتمع، وهو تقديم النساء كتعويض لعائلة المقتول وهو المعروف قبليا بـ(الفصلية) حيث تعامل النساء كمتاع يتم التعامل معها مثل الاموال والحيوانات التي يتم تقديمها كتعويض لعائلة القتيل، ورغم التشكيك الكبير في هذا الامر، الا انه يمثل مؤشرا خطيرا على تراجع قيم الحداثة في المجتمع العراقي، كما اضيف إلى ذلك، احياء قيم قبلية منقرضة اخرى مثل الثأر والنهوة العشائرية – التحكم بزواج الفتاة من قبل ابن عمها ومنعها من الزواج بأخر- كل تلك القيم باتت تمثل مؤشرات واضحة على تنامي الظاهرة القبلية في العراق الامريكي. وكان الانعكاس الاكثر اثارة للسخرية في عراق اليوم هو انعكاس الواقع القبلي الجديد المشار اليه سابقا على الحياة السياسية وصراعاتها، وعلى سبيل المثال، يتم حل نزاع بين عضوي برلمان نتيجة خلاف في برنامج تلفزيوني عن طريق (الفصل العشائري)، او عندما حصلت ازمة البرلمان العراقي وقام عدد من النواب بعزل رئيس البرلمان، فكان رد الفعل متمثلا بإصدار تصريح اتهمت فيه قبيلة الجبور، نوابا بـ»استهداف» رئيس مجلس النواب سليم الجبوري بعد عقدهم جلسة برلمانية صوتوا فيها على إقالته، مهددة بأنها تدرس إصدار «موقف حاسم» من هؤلاء النواب، المفارقة أن هذا التهديد يصدر من (الأمانة العامة لمجلس قبيلة الجبور)، حيث اصبح لقبائل العراق الامريكي امانة عامة، وكأن القبائل ارتدت لبوس الحداثة وتشبهت بالأحزاب والمؤسسات التي لها امانة عامة تصدر بيانات يرد فيها مثلا «قبائل الجبور بكل مشايخها ورموزها الكريمة ومن خلفها الملايين في عموم العراق تدرس اصدار موقف حاسم من هؤلاء النواب لتتخذ بعده اجراءات عشائرية وتاريخية ستكتب في سفر هذه القبيلة الخالدة لتطلع عليها اجيالنا القادمة».
هل سنشهد تنامي الظاهرة القبلية مع التراجع المستمر في دور الدولة؟ أم أن المقبل من الايام سيحمل معه تغيرات حقيقية على مستوى التغيرات السياسية التي ستحد من نفوذ القبلية؟ لا أحد يستطيع البت في الامر المتقلب في عراق اليوم.

كاتب عراقي

 

القبلية في العراق الأمريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية