القبيلة والسياسة في العراق الملكي والجمهوري

دعم البريطانيون البنية القبلية في عراق ما بعد الحرب العالمية الأولى، لمساعدتهم على إدارة العراق بقدرات جيش انهكته الحرب العالمية الاولى.
هذا الدعم تمثل بالنفوذ والمال والسلاح المقدم للشيوخ والأغوات، كما كان الواقع العراقي يفرض تحديا كبيرا على من اختير لتسنم عرش العراق، الأمير فيصل بن الشريف حسين، الذي واجه فيه واقع قوة القبائل التي كانت أقوى من الدولة، بل أن نفوذ بعض الزعماء القبليين كان يفوق نفوذ الملك نفسه، فكان واقعا معرقلا لجهود ملك يسعى لخلق أمة موحدة حديثة.
إن التغير في بنية القبيلة العراقية بات أكثر وضوحا في عشرينيات القرن العشرين، إذ تحول شيوخ القبائل في جنوب ووسط العراق إلى اقطاعيين ملاك للأرض، وتحويل أفراد قبائلهم إلى عمال زراعيين في أراضيهم يعيشون حياة الاقنان. وبعد أن انتقل الكثير من الشيوخ للسكن في بغداد العاصمة أو في المدن الكبرى كالبصرة والموصل، كلفوا معاونيهم أو من يعرفون بـ(السراكيل) ومجاميع مسلحة تعرف بـ (الحوشية) بإدارة أملاكهم الزراعية، وهؤلاء بدورهم مارسوا القسوة المفرطة تجاه الفلاحين في استحصال الحقوق، إذ كان تقاسم المحاصيل المعروف والشائع في العراق هو (المثالث)، وهي حصول الفلاح على ثلث المنتج مقابل الثلثين للمالك، وثلث الفلاح تستقطع منه كل الأجور والمستحقات مثل السقي والبذور والحماية والكثير من الضرائب الاخرى التي تتركه أمام ديونه الكبيرة في نهاية الموسم وهو في غاية الاملاق، وأذكر هنا اهزوجة مشهورة لفلاحي السيد طالب النقيب، وهو نقيب أشراف البصرة وشخصية سياسية قوية في عراق بدايات القرن العشرين، وكان منافسا للأمير فيصل على عرش العراق، والاهزوجة تقول (ثلث الله وثلثين لطالب، وثلث الله يطالب بي طالب).
من جانبها الدولة العراقية الوليدة كانت تتبع خطوات تدريجية لاحتواء القبلية وتطويعها ضمن الحداثة المنشودة لبناء المجتمع الجديد، ومن هذه الخطوات كان الجانب القانوني، اذ اتبعت الدولة نتيجة ضغوط الانتداب البريطاني خطوات مهمة منها، تشريع قانون أصول المحاكمات الجزائية البغدادي 1919 وقد وصف بـ(البغدادي) لانه كان يسري على المناطق الحضرية في العراق فقط، اما بقية المناطق (ريفية وبدوية ) فقد أصدر القائد البريطاني للحملة العسكرية لاحتلال العراق نظام دعاوى العشائر لسنة 1918 الذي بموجبه تم تحويل الأعراف والعادات العشائرية المتعلقة بالمنازعات إلى قواعد قانونية، واكتسبت نصوصه صفة القانون بموجب المادة 114 من الدستور العراقي 1925، وهذا يعني أن المناطق غير الحضرية قد تركت لتطبق قوانينها العشائرية على أمل أن يتم احتواء هذه المناطق بالتدريج لتصبح داخلة ضمن النسيج الاجتماعي/ القانوني للبلد.
كما أن الملك فيصل، رغم قصر فترة حكمه (1921 ـ 1933) سعى لإنشاء اكاديمية عام 1924 (جامعة آل البيت) يدخلها ابناء شيوخ القبائل بالتدريج لإعدادهم إعدادا حديثا ومن ثم انخراطهم في العمل الإداري والسياسي في الدولة الحديثة، كما أن حنا بطاطو في كتابه عن العراق يخبرنا في أحد الجداول مقارنة تظهر مدى نفوذ الشيوخ القبليين في البرلمان العراقي، حيث مثل الشيوخ القبليين والاغوات نسبة 19،3٪ عام 1925، وازدادات النسبة إلى 31٪ عام 1943، ووصلت إلى 35،9٪ عام 1958، وبذلك أصبح النفوذ السياسي للشيوخ القبليين متسقا مع الوضع السياسي الحديث، ولكن ذلك لا يعني علاقة سلسة بين القبيلة والدولة، حيث لعبت التمردات القبلية التي حركها الساسة دورا مهما في الصراعات السياسية، وكثيرا ما اضطرت القوة الجوية البريطانية إلى التدخل لقمع تمردات لم يكن بمقدور الجيش حديث التأسيس مواجهتها، مثال ذلك قمع تمرد الشيخ سالم الخيون في أهوار العراق عام 1924، وقمع تمرد الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في السليمانية عام 1931، وقمع تمرد عشائر الفرات الاوسط التي حركتها المعارضة في صراع الساسة في هذه الحقبة المضطربة، حيث استعمل ياسين الهاشمي وحكمت سليمان زعماء العشائر العراقية في الفرات الاوسط، عبر إعلان التمردات العشائرية للاطاحة بحكومات منافسيهم السياسيين (علي جودت الايوبي ثم جميل المدفعي) ليكلف الملك زعيم المعارضة ياسين الهاشمي بتشكيل الحكومة عام 1935، فما كان من الحكومة الا أن تطلب من الجنرال بكر صدقي أن يقمع تمرد عشائر الفرات الاوسط.
من كل ذلك يمكن تتبع مسار علاقة القبيلة بالدولة في العراق الملكي عبر تموجاته، ففي العشرينيات كانت القبائل قوية معارضة للحكومة، اما حقبة الثلاثينيات فقد شهدت صراعا حادا بين القبائل والحكومة وصراعا داخل الحكومة استخدمت فيه القبائل كأداة ضغط، بينما كانت الاربعينيات حقبة توافق وانسجام بين النخبة السياسية والشيوخ القبليين بعد انقلابات العسكر (1936، 1941) وتراجع ثقة الساسة بالجيش، وتزايد نفوذ الشيوخ القبليين، خصوصا بعد أن ضم نوري السعيد العديد من الشيوخ إلى حزبه السياسي (حزب الاتحاد الدستوري)، كما أن زواج الأمير عبدالاله من هيام الحبيب ابنة أمير ربيعة الشيخ محمد الحبيب كان ضمن الخطوات التي عززت نفوذ القبلية في العراق الملكي حتى نهايته عام 1958.
بعد (الانقلاب) العسكري في تموز 1958، والتفاف الجماهير حول الحكومة الجمهورية الجديدة، شهد العراق ضربات عديدة لبنية القبيلة، ربما كان أبرزها تفتيت الملكيات الزراعية الكبيرة للمشايخ القبليين عبر تطبيق قانون الاصلاح الزراعي، وسعي الحكومة الحثيث لتحديث المنظومة القانونية، ومن اهم تجلياته قانون الاحوال الشخصية، لكن لابد من الانتباه إلى أن طبيعة الصراع تحول من صراع مباشر بين الدولة والقبيلة إلى تغلغل نفوذ القبلية في الجيش، وهذا ما انعكس على صراع الجنرالات في العراق الجمهوري، حيث اطاح (انقلاب) البعث عام 1963 بحكومة عبد الكريم قاسم، وهذا الامر ادى إلى صعود نجم جنرالات الجيش المتحدرين من قبائل غرب وشمال غرب العراق من محافظات الانبار وصلاح الدين ونينوى.
ومع سطوة الصراع الايديولوجي الذي وسم حقبة الستينيات من القرن الماضي بين التيار القومي العروبي والتيار الماركسي، تراجع نفوذ القبلية في العراق، أو هذا ما بدا للناظر للمشهد العراقي بدون تمحيص، الا أن هنالك تداخلا خفيا بين القبلية والمناطقية والحزبية تبدى شيئا فشيئا، وبشكل خاص عندما سيطرت نخبة قبلية عربية سنية من غرب العراق على حزب البعث الحاكم بعد انقلابه الثاني عام 1968، ورغم الغلاف الايديولوجي والقشرة اليسارية التي غلفت طروحات الحزب، الا أن النخبة المتحكمة في القرار السياسي كانت نخبة قبلية بامتياز تفرض قوانين الولاء وتحول الحزب الايديولوجي إلى منظومة مختلطة من الولاء العائلي والقبلي والحزبي.
اتضح هذا الوجه القبلي بجلاء في الحقبة التي تسنم فيها الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين مقاليد الحكم، حيث فرض حوله منظومات امنية وسيادية على شكل حلقات متعددة ترتبط بشكل اساس بالشكل القبلي للانتماء، لكن ظروف الحرب العراقية الايرانية وما فرضته من ظروف استثنائية، اخفى النفوذ القبلي عن الظهور بشكل جلي، لكن ما أن انتهت الحرب ومع احتلال الكويت والتمرد الشعبي 1991 الذي سيطر على 14 محافظة (شيعية وكردية) من اصل 18 محافظة في العراق، انتبه النظام إلى خطورة الوضع، وبعد قمع التمرد بعنف مفرط واستقرار الامر، سعت الحكومة إلى تعزيز أو بعث نفوذ القبائل مرة اخرى، لفرض السيطرة عبر دعم مجموعة من الشيوخ القبليين الموالين للدولة الذين سيكونون وسطاء بين الدولة الضعيفة وقبائلهم التي قد تتمرد مرة اخرى، وهذا الامر اتخذ شكلا قد يبدو كاريكتيريا في بعض الاحيان نتيجة صعود شخصيات غير مؤهلة قبليا والتعامل معها على انها من مشايخ القبائل، حتى اطلق عليهم الشارع العراقي توصيف ساخر هو (شيوخ أم المعارك) دلالة على زيفهم وظهورهم في حقبة التسعينيات.
مع تصاعد النشاط القبلي الجديد اصبح تعامل الدولة رسميا مع هذا الشأن عبر تعيين اللواء روكان عبد الغفور التكريتي – ابن عم صدام – مسؤولا لما عرف بملف شؤون القبائل والعشائر، كما تجدر الاشارة إلى أن اهم المحاولات الانقلابية التي شهدتها حقبة التسعينيات كانت خليطا من القبلية والعسكرية، حيث تمثل ذلك فيما عرف بمحاولة انقلاب الضباط الجبور عام 1990 وهم مجموعة من ضباط الحرس الجمهوري قادهم النقيب سطم غانم الجبوري، ومحاولة انقلاب الضباط الدليم حيث تم اعتقال 48 ضابطاً برتب مختلفة ينتمي أغلبهم إلى عشائر مدينة الرمادي أواخر عام 1994 متهمين بالاشتراك بمحاولة انقلابية قادها اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي، وما تبعه من رد فعل عنيف من النظام تجاه هؤلاء الضباط وقبائلهم والتنكيل بها، كل ذلك خلق بيئة حاضنة لقبلية جديدة مختلفة شكلا ومضمونا عن مفهوم القبلية التقليدي في العراق الحديث.
كاتب عراقي

القبيلة والسياسة في العراق الملكي والجمهوري

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية