لندن – «القدس العربي»: وجدان الربيعي تشكل الانتخابات البرلمانية المصرية منعطفاً سياسياً مهماً من جهة إعادة تعريف محددات المشهد السياسي المصري، بغض النظر عن التباين في التفسيرات والسيناريوهات التي قد تنتج عنها.
وعلى الرغم من أن كثيراً من المحللين توقعوا إقبالاً ضعيفاً على التصويت فيها، إلا أن المشاركة التي بلغت ستة وعشرين في المائة فقط حسب النتائج الرسمية بدت وكأنها مفاجأة للجميع. وليس من المبالغة القول إن جماعة «الإخوان» كانت بمثابة الغائب الحاضر في هذه الانتخابات، ليس فقط لأنها فازت بنحو أربعين في المائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي عقدت في العام 2012، ولكن لأنها كانت من الداعين إلى مقاطعتها، كما تزامن التصويت مع صدور بيان عن «الجماعة» يعلن رفضا قاطعا للتفاوض مع النظام، رغم عدم وجود تطورات معلنة في طريق المصالحة الذي يبدو حالياً مسدوداً حتى إشعار آخر.
ولم تكن نتائج المرحلة الأولى أقل إلتباسا، رغم ان أغلبها كان متوقعا أيضا، وخاصة فوز قائمة «في حب مصر» المؤيدة للرئيس عبد الفتاح السياسي، وهزيمة حزب «النور» السلفي الذي اتهمه البعض بأنه كان يحاول القيام بدور «الإخوان» في البرلمان.
ومع كل هذه التطورات، يبدو مهماً استطلاع آراء أحد القيادات التاريخية في جماعة «الإخوان» إبراهيم منير، الذي اكتفى بتعريف نفسه بـ»قيادي في جماعة الإخوان» وإن كان يقدم إعلاميا غالبا كأمين للتنظيم الدولي للإخوان، خاصة في ظل الأنباء حول استمرار الخلافات داخل الجماعة بين جناحين يحملان رؤى مختلفة من حيث كيفية التعامل مع ما تمر به من مأزق تاريخي، كما يقول كثيرون، وجدال حول موقع السلمية والعنف في استراتيجيتها. فكان هذا الحوار في لندن:
■ كيف ترون المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية في مصر من حيث المشاركة والنتائج ونوعية البرلمان الذي سينتج عنها؟
□ لا أحسب أنه سوف يكون هناك برلمان إذا تمت الخطوات المرسومة من قبل النظام العسكري. فهو مجرد تجمع لأنصار السيسي يحملون شعار «تحيا مصر». هم خليط من أنصار حسني مبارك والمنتفعين من نظام السيسي العسكري الجديد. إنما في النهاية الصورة واضحة تماما أن هذا ليس برلمانا، وأنه مجرد تزوير لإرادة الناس، والأمور واضحة الآن فالمرحلة الأولى تمت بشكل مخز، والعالم كله رآها وليس المصريين فقط، وأنا أحب أن أؤكد على معلومة أنه منذ ثورة 1919 في القرن الماضي، لم تكن هناك انتخابات نزيهة إلا في فترات محدودة، أو لم يقبل الشعب المصري على انتخابات برلمانية إلا في فترات محدودة في عهد سعد زغلول باشا الذي كان يقود ثورة 1919 ثم في عهد الملكية بعد حكم حزب السعديين الذي اعتقل الإخوان المسلمين وكانت هناك في عام 1951 انتخابات جديدة للبرلمان شارك فيها الإخوان المسلمون وأنصار الإخوان المسلمين، وكان هناك زخم شعبي ضخم جدا انتخب آنذاك النحاس باشا رئيس حزب «الوفد». ثم ما حدث بعد ذلك في انتخابات بداية 2012.
وحقيقة ليس صحيحا ما يقال عن أنها انتخابات. طوال الحكم العسكري لا تزيد المشاركة عن 5 إلى 6 في المئة ممن لهم حق التصويت هؤلاء، إما هم موظفون أو من أنصار منتفعين من النظام العسكري، وأعتقد أنها مسائل زائفة.
السيسي الآن يحلم بأن يأتي ببرلمان أو بهيكل برلمان يوازي هيكل البرلمان الذي كان موجودا عام 1967 الذي رقص نوابه بعد هزيمة 67 لأن جمال عبدالناصر أعلن الاستقالة ثم تراجع عنها.هذه هي الصورة المرسومة في ذهن السيسي.
■ ما أسباب سماح النظام بمشاركة السلفيين في الانتخابات إذا كان يريد إقصاء الإسلام السياسي كما تقولون؟
□ لا أعتقد أن تمثيل السلفيين في مصر هو التمثيل الحقيقي. للأسف الشديد نعلم تماماً أنه منذ بداية الانقلاب العسكري أو حتى في عهد الرئيس مرسي في 2012 كانت هناك مزايدة غير طبيعية على الإخوان، ووضحت أكثر بعد ذلك أنها محاولة منهم لعرقلة حكم محمد مرسي، ومن ثم وضحت مشاركتهم في الانقلاب العسكري، أنا لا أتهمهم جميعاً إنما بعضهم كان يدار عن طريق أجهزة الأمن في مصر، وسمح لهم بأن يكونوا منافسا للإخوان المسلمين، وهذه طبيعة المنظومة الأمنية، هم لا يتركون أحدا في الساحة بمفرده، وعندما لا يستطيعون السيطرة عليه يدفعون بآخرين ينفذون له دورا ليكسبهم، وأعتقد أن ما رشح حتى الآن من نسبة التصويت للسلفيين كشفتهم للأسف الشديد.
■ كيف ترون أسباب الهزيمة الثقيلة لحزب «النور» السلفي في الانتخابات؟
□ حزب «النور» غامر في طلب رضا النظام، وتصور أن النظام سيسمح له بالعمل وأنا أقصد بالسلفيين مجموعة حزب النور التي تصدت للإخوان في الفترة الأخيرة ثم شاركت في الانقلاب العسكري، أما السلفيون في مصر فهم ناس أفاضل وأصحاب فضل على الشعب المصري، ولا ننكر فضلهم في الدفاع عن دينهم وعن الإسلام. وأتصور أنه كان يمكن أن يدركوا خطأهم ويفعلوا مثلما فعل د.البرادعي عندما قفز من السفينة عندما رأى أنها تسير سيراً خاطئاً. هم واصلوا العمل وتصوروا أنه من الممكن أن تكون لهم حظوة عند النظام، وحظوة عند الناس، ولا أعتقد أنه من الممكن إرضاء النظام العسكري الذي يقتل وينهب أموال الناس ثم يرضي الله ، لا أعتقد أن هذا الكلام صحيح، وهذه نية غير صافية لإرضاء الله تعالى.
■ أصدرتم بيانا بمناسبة العام الهجري الجديد أعلنتم فيه رفضكم للتفاوض مع النظام، ما أسباب هذا الإعلان في هذا التوقيت؟ وهل توجد أي قنوات أو وساطات في هذه المرحلة؟
□ كان لا بد أن نذكر الناس بأن هناك عاماً هجرياً جديداً، وأن هذا العام الهجري الجديد له تاريخه في الإسلام وله شعائره أيضا، وفي الأزمة الموجودة فيها مصر الآن لا بد من إفهام الناس ما هو موقف الجماعة، فأي إنسان حر الآن في مصر يرى أن هذا النظام الذي يعتقل 51 ألف معتقل، ويقتل الناس بدم بارد في الشارع بلا قانون ولا دستور، نظام يضغط حتى تكون له أوراق ممكنة في التفاوض مع الناس. هذه الأوراق محروقة ولا يمكن التفاوض، ولا توجد أي قنوات مع هذا الرجل، ولا مع هذا النظام، لأنه نظام سفاح، وقلنا أكثر من مرة أن أصحاب الحق الشرعي موجودون الآن في السجون فليذهب إليهم ويتفاوض معهم.
■ لكن البعض يقول إن الإنشقاق الحاصل في جماعة الإخوان حاليا يجعل التفاوض معها غير ذي جدوى نظراً لوجود خلاف أساسي حول استخدام العنف في مواجهة النظام؟
□ استخدام العنف في العمل الوطني في أي منطقة، الإخوان المسلمون يرفضونه تماما وفي مصر بالذات نحن نرفض استخدام العنف لأن نظام السيسي يستقوي به. السيسي ورث فكرة أنه من الممكن أن يستفز الناس فيعطى شرعية للقتل، وهو قبل أن يتولى منصب رئيس الجمهورية كان يقول فوضوني حتى أحارب الإرهــــاب المحتمل. هذا الكلام كان يجب ألا يمر على الناس مرور الكرام. هو كان ينوي أن يفتعل إرهابا ثم يعلن أنه يقاومه حتى يبقى في منصبه ويكون رئيساً لجمهـــــورية مصر العربية، إنما للأسف الشديد بعض الناس ابتلعوا هذا الخطاب وصدقوه نحن نرفض استخدام العنف لأن النظام بنفسه يقدم للناس بفعله أدوات فنائه وأدوات هلاكه من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية ومن ناحية حربه على الوطنية والإسلام وتفريطه في حقوق الشعب المصري، سواء في الغاز أو حتى في المياه أومن ناحية إيجاد فرقة بين أبناء الشعب المصري والتركيز على أن هناك طوائف.
أنا أتصور بعد كل ما أسلفنا العنف مرفوض شرعاً وعقلاً وشرعاً. هناك مقاييس للعنف، لا يمكن أن يتخطاها أي مسلم ملتزم. أما الشباب فدائماً له تطلعاته، دائما يثور وردود فعله سريعة وعنيفة لكن لا يؤثر على الجماعة، فهي تحتوي هذا الكلام كله، سياسة الجماعة وفكرها هو الذي كان يسود في النهاية ولا ندعو للعنف.
ولا توجد إنشقاقات حدثت ولم تحدث، إنما ممكن بعض الإخوان الشباب يخرج ليقول رأيه بصورة علنية وإنفعالية، وأعتقد أنه من حقه أن يقول ذلك، لكن لم تحدث انشقاقات أو خلافات ممكن أن تهدم جماعة الإخوان المسلمين.
■ بعد نحو ثلاثين شهراً من عزل الرئيس السابق محمد مرسي هل ما زالت الجماعة تتوقع عودته أو تشترطها ضمن أي صفقة سياسية؟ وهل توجد جهود معينة من جانبكم لتفادي تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحقه؟
□ الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى ومازالت الجماعة تصر على عودة الشرعية الكاملة للشعب المصري التي خرجت في 2011 وقمعها العسكر في 2013 ، وهي ليست موقوفة على شخص بقدر ما هي موقوفة على رمزية. هذه الرمزية لا بد أن نحافظ عليها للتاريخ ثم للشعب المصري نفسه في حق إختياره. الشعب اختار فلاناً أو فلاناً أتصور أن هذه الأمور تعدٍ على حق الشعب المصري كله، ولا يمكن لأي فرد أو أي جماعة التنازل عنها.
أما تنفيذ أحكام الإعدام فهذه أمور لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. هناك نشاط حقوقي ونشاط إعلامي على مستوى العالم يتابع هذه القضية، ومسألة أن يعدم فلان أو فلان أتصور أنه أمر تافه جداً. أن يعتقد السيسي أنه لما يعدم فلاناً ممكن أن يقضي على الثورة أتصور هذا الكلام يزيد الأمر إشتعالاً. ولعل بعض من يتعقل من أصحاب العقول من المستشارين أو القريبين منه يدركون ذلك ولعلهم يضغطون عليه إنما لا نعول على أي ضغط غير قدر الله عز وجل وسنظل نعمل للضغط على النظام العسكري حتى يرى الناس جميعا أن هذا النظام فقد كل مصداقية له.
■يقول البعض إن الإخوان فشلوا في توصيل رسالتهم إعلاميا وأحدث دليل على ذلك إغلاق قناة «مصر الآن» مؤخرا بسبب الخلافات الداخلية كما قيل، فما مدى صحة هذا الكلام؟
□ فشل كلمة صعبة إنما قناة «مصر الآن» أغلقت لأسباب مالية لا أدعي أن جماعة الإخوان المسلمين عندها من المال ما تستطيع أن تخرج به إعلاماً ينافس إعلام النظام ومؤيديه، والمليارات التي تنفق على إعلامه. نحن لا نملك هذه المليارات ولا الملايين التي نواجه بها هذا الإعلام. الناس تقول إن الإخوان المسلمين عندها مليارات لكننا لو نملك المال لكنا أقوى من هذا الرجل بكثير وأقوى من إعلام الانقلاب العسكري.
■ كيف ترون الأوضاع في مصر، وخاصة أن كثيرين في مصر يؤكدون حدوث تحسن في الوضع الأمني بشكل خاص، إلى جانب مجالات أخرى؟
□ الأوضاع الأمنية منهارة في مصر ليس الأوضاع السياسية فقط، وإنما الأوضاع المعيشية الصعبة والحوداث الأمنية الموجودة في مصر والتعامل الأمني البشع والفج مع الشعب المصري في الحواجز التي تقام ليلاً ونهاراً، مع الإتاوات المالية التي يأخذها أعضاء الأمن من الشعب المصري الفقير مرغماً حتى ينال حقوقه البسيطة في دواوين الحكومة وفي مصالحها. النظام الآن في مصر منهار والذي يستطيع أن يفعله أنه يعلن عن مقتل مجموعة هنا أو مجموعة أخرى هناك جراء إطلاق نار متبادل ما هي إلا محاولة لإخافة وإرعاب الناس .
ويكفي أنه في الانتخابات الأخيرة كان الجيش هو الذي يتولى حراسة صناديق الاقتراع ورئيس الأركان وقائد الجيش يتفقدان اللجان. القبضة الأمنية التي يفرضها السيسي على الشعب واضحة المعالم. يحاول السيطرة فقط بالأمن على الناس ليشعر بالرضا والقناعة.
أما المنظومة الأمنية خارج القاهرة والمناطق التي يتردد عليها الدبلوماسيون أو الإعلاميون الذين يأتون من الخارج فمن يزورها يدرك تماما أن النظام المصري لا يعيش إلا على إخافة الناس وإثارة الرعب في قلوبهم خوفاً من أن يفكر أحد أن يعارض النظام حتى ولو في أشياء بسيطة، هذا هو النظام العسكري وهذه هي مهمته التي يمكن أن يعيش بها.
■ وماذا عن المشاريع القومية الكبرى التي تم افتتاحها مثل قناة السويس أو التي في طريقها للتنفيذ وهي كثيرة كما يقول النظام؟
□ المشاريع والوعود الكاذبة التي أطلقها السيسي منذ قيامه بالانقلاب العسكري كل الشعب المصري يدركها. أزمة الشعب الفقير في الخبز والبوتاغاز، وعندما يذهب إلى المستشفى ولا يجد فيها علاجاً، واكتظاظ الفصول بالتلاميذ، والخبز الذي لا يستطيع المواطن الحصول عليه إلا بعد جهد كبير، وحتى لو حصل عليه فإنتاجه سيئ، وغير مطابق للمواصفات الآدمية.
هذه الصورة هي ما يدركها الشعب المصري الآن، ومقارنة بما حدث في الفترة التي حكم فيها الرئيس مرسي لمدة سنة كان الخبز والبوتاغاز كان الناس يحصلون عليها بشكل صحيح وبشكل بسيط، كان سابقاً يقال في مصر إنه لا يوجد مصري ينام من غير عشاء، أما الآن فنجد أسراً كثيرة تنام بدون عشاء.
■ كيف ترون مستقبل الأزمة في مصر؟
□ في هذه الأزمة التي يعيشها الشعب المصري، خرج السيسي ليناشدهم ليخرجوا. أتصور أن المقاطعة كانت الرد الطبيعي الذي كان يجب أن يفهمه السيسي ومؤيدوه. هذا النداء من السيسي يذكرني بما حدث مع تشاوشيسكو في آخر أيامه، من خرج لهذه الانتخابات هم فقط مجموعة منتفعة من النظام والمجموعة التي تعمل في إطار النظام العسكري طوال حكم العسكر، والتي لا تزيد على الإطلاق عن 5 إلى 6 في المئة من ممن لهم حق الانتخاب، يعني لا يزيدون عن 1 إلى 2 في المئة من الشعب المصري.
وهناك من يقول أنه لم يذهب إلى صفوف الانتخابات إلا الأغنياء والناس الشبعانة المستفيدة من النظام، أما الغلابة وهم الأكثرية فلم تذهب، والفشل لم يحدث من المعارضة سواء إخوان أو غيرهم. النظام نفسه فشل، وسيحاول تسويق داعميه في الخارج، وكان يتوقع المليارات والله أعلم هل يستطيع من أيدوه بالمليارات أن يعيدوا المليارات إليه مرة أخرى، يكفي أنه يشتري حاملات طائرات في الوقت الذي يموت فيه الناس من الجوع.