«القدس العربي» تستطلع: كيف تعيش الأسرة الفلسطينية تحت النار والحصار؟

حجم الخط
0

«القدس العربي»: ظروف حياتية صعبة ومأساوية تعيشها الأسرة الفلسطينية في ظل تصعيد اسرائيلي همجي يستهدف وجود الشعب وقضيته وأمله في الحرية والحياة الكريمة. لكن الصمود البطولي في غزة ليس صمود المقاومة فحسب لكنه صمود المرأة الفلسطينية في رعاية أسرتها تحت قصف الطائرات والمدافع والحصار والجوع والرعب، ووسط صور الإبادة الجماعية وتصفية عائلات بأكملها، وإزالة أحياء من على وجه الأرض، ثم تدمير محطة الكهرباء الرئيسية وخزانات المياه.
«القدس العربي» تحدثت مع عدد من الأمهات الفلسطينيات وسألتهن حول تفاصيل الحياة في تلك الظروف العصيبة.
أم أحمد زوجة شهيد من ضحايا العدوان على غزة، تضرر منزلها فخرجت مع أولادها الى بيت والدها، قالت: كنا نعيش في منزلنا في بيت لاهيا، وبعد تضرر منزلنا أنزلوا علينا مناشير تطلب منا المغادرة، فهربنا الى منطقة الشيخ زايد حيث يسكن أهلي، واعتقدنا أن منطقتهم أكثر أمنا واذا ببيت أهلي يتضرر بسبب القصف أيضا، الزجاج محطم والشظايا تتناثر في البيت، وبعدها اضطررنا للذهاب الى الفالوجة في جباليا عند دار أختي.
وتضيف: لا يوجد مكان آمن هنا ونحن نتوقع الموت في أي لحظة. لا نستطيع النوم، وقلقون على أولادنا فهم لا يعيشون حياة طبيعية، ولا يستطيعون اللعب في الحدائق حتى عندما يرسمون فأغلب رسوماتهم تتحدث عن الواقع المرير، جل الرسومات عبارة عن صواريخ وحرب وقتلى وسجن. هكذا يفكر أطفالنا، أطفال فلسطين لم يعيشوا طفولتهم.

نداءات استغاثة

على الرغم من الوضع الصعب لكل أفراد الأسر الفلسطينية الا أنهم متضامنون ويتعاونون فيما بينهم لسد بعض الاحتياجات الضرورية، فهناك أكثر من 240 ألف أسرة فلسطينية نزحت الى الكنائس والمساجد والمدارس التابعة للأونروا.
أما أم مصلح فتقول أنهم محاصرون من الجو والبحر والبر لا يستطيعون الحركة والذهاب الى أي مكان ولا حتى شراء الطعام والشراب.
وتضيف:نخشى إذا تحركنا خارج المنزل ان يتم استهدافنا من الطائرات، لا توجد مياه ولا كهرباء هناك حصار كامل من كل الجهات. الأطفال يصرخون من الخوف والجوع. هناك 30 شخصا في شقتي محجوزين محاصرين نصفهم من الأطفال. ابنتي وأولادها الستة وبنت عمي اخت زوجي معها عشرة أولاد وثلاث عائلات كاملة مقيمة معنا حاليا ماذا نفعل والى متى سنبقى ندفع الثمن أين العالم؟ أين الأمة الإسلامية والعربية؟ هل دماؤنا رخيصة الى هذه الدرجة؟
أما أم ابراهيم فتقول: نزحنا من المنزل أكثر من مرة. بداية استضافتنا عائلة كريمة تسكن بالقرب منا وبعد يومين عدنا الى البيت لنأخذ ملابسنا، واذا بهم يمنعوننا من دخول المبنى لأسباب أمنية وخوفا من القصف. تضررت شقتنا وزجاج الشبابيك كسر ودمرت بيوت من حولنا، كل صاروخ يضرب منطقتنا نشعر أنه سيأتي الدور علينا، حاولنا ان نبحث عن شقة أخرى للإيجار لكن الكل نصحنا بان غزة كلها مستهدفة. نحن الآن في المنزل لكن لا توجد كهرباء ولا انترنت. نعيش على أكل النواشف والرز ولا نستطيع تشغيل غسالة الملابس ولا الثلاجة لحفظ المواد الغذائية. حتى أسعار السلع ارتفعت في هذه الفترة وليس بمقدور الناس شراء حتى أبسط الحاجيات. الكهرباء كانت تتوفر بمعدل ثلاث ساعات يوميا أما بعد تدمير محطة الكهرباء المركزية فصرنا نستعمل الشموع أثناء الليل. أطفالنا يخافون من الظلام. قمنا بشراء مولد كهرباء صغير لشحن الجوالات ولإضاءة لمبة واحدة فقط وإذا أردنا مشاهدة التلفزيون يجب علينا إطفاء المصباح الكهربائي فالمولد لا يتحمل تشغيل أكثر من شيء واحد في الشقة. للأسف تجار الحروب يستفيدون في مثل هذه الأوقات ويرفعون الأسعار. لا توجد رواتب وننتظر أي هدنة حتى نتنفس الصعداء.
في الهدنة الأخيرة الناس تتعاون فيما بينها حيث سمعت نداءات استغاثة تطلب الطعام والملابس للنازحين في مدارس الأونروا وفي مجمع الشفاء الطبي تضافرت جهود الناس وكل من يستطيع ارسال الطعام والملابس والأدوية قام بذلك رغم التعرض للخطر والإحتياج لما تتبرع به.

تضامن اجتماعي

وتضيف أم ابراهيم: نحن نسكن في مجمع أنصار بالقرب من الميناء هذه المنطقة في قلب الأحداث، وتقصف بأستمرار،أمي امراة كبيرة و تعاني من أمراض مزمنة تحتاج الى دواء بأستمرار وهناك عجز كبير في الأدوية والصيدليات مغلقة ولا تفتح إلا عند إعلان هدنة إنسانية. ربما أجمل شيء يجعلنا نصمد ونتحمل كل هذه الصعوبات والمعاناة هو التضامن بين الناس والكل هنا على قلب رجل واحد، نحن نستغرب سكوت العالم والصمت الدولي أمام المجازر اليومية في غزة. نحن نتوقع الموت في أي لحظة ولا نستطيع الهروب الى أي مكان. رأينا ماذا حدث للنازحين الذين احتموا بمدارس الأونروا، والتي ترفع علم الأمم المتحدة حيث قصفت أكثر من سبع مدارس لحد الآن فأين نذهب؟ نحن لا نحتاج الى مساعدات نحتاج الى الحرية وفك الحصار، ووقف سفك الدماء، نحتاج الى حماية دولية. كيف سينشأ هذا الجيل وهو يرى العالم صامتا ولا يحرك ساكنا؟ كيف سيذهب أولادنا الى المدارس وهي مدمرة؟ حجم المأساة كبير والمشكلة لا تكمن في تقديم المساعدات لأن الشعب الفلسطيني لديه كرامة وهدفه انهاء الأحتلال، وينكم يا عرب يا أبو مازن تعالوا شاهدوا ماذا حدث لنا أين الضمير العربي؟
الأخت مريم أم مجاهد منذ بدء الإحتلال وتشرد الكثير من العوائل والنزوح الى مستشفى الشفاء والمدارس قامت هذه السيدة بجمع النقود وشراء الأطعمة وحليب الأطفال وحتى جمع الملابس وتوزيعها على النازحين.
وتقول أم مجاهد لـ«القدس العربي»: لاحظت وأنا أوزع المساعدات أن الناس لديها عزة نفس وكرامة كبيرة يأخذون المساعدات على مضض، مضطرين لذلك لكنهم لا يريدون أن يتحولوا الى شعب يتسول. قبل عدة أيام استهدف منزلي خرجت وأولادي وزوجي بدون أن نأخذ أي شيء معنا، وسكنا عند أحد الأصدقاء، وهنا يجب الإشارة الى التضامن والتعاضد الجميل بين الناس، لم أكن أتوقع حجم المساعدة التي حصلنا عليها من الجيران، ومن أناس لا نعرفهم أتو إلينا بالملابس والطعام، وقدم لنا الجيران في يوم واحد أكثر من خمس وجبات.
وتختتم بالقول: هذا الشعب عظيم ومتضامن فيما بينه لأبعد الحدود ونحن في هذه الهدنة نأمل أن يطول أمدها حتى نواصل تقديم المساعدات الى أن يفرج الله على الناس وتقف هذه الحرب الشرسة التي دمرت كل شيء الا كرامة الفلسطيني فهو رغم الدمار والمجازر مؤمن وصابر وصامد ويحلم بالأمن والاستقرار.
في كل بيت قصة حزينة
تقول غادة وهي ربة منزل: قصف وعصف خراب ودمار بيوت مدمرة فيها جثث متحللة. صواعق تعصف بالأطفال وتنهيدة أمهات مقهورة وجرحى، الأسرة الفلسطينية قسمت وفككت كل بيت فيك يا غزة قصة حزينة وأنا في قمة حزني. وتنهي كلامها. ليش يصير فينا هيك يارب؟
المهندس محمد ماجد النونو مسؤول العلاقات العامة والإعلام في جمعية رواد للتنمية المجتمعية في غزة يقول:لا توجد أسرة فلسطينية في غزة الا وفقدت عزيزا أو تضرر بيتها أو حرمت من الماء والكهرباء أو تعرضت لصدمات نفسية، أكثر الناس تضررا هم من نزحوا وهجروا ودمرت منازلهم هم منكوبون يفترشون الأرض في المدارس وغطاؤهم السماء، للأسف كل مايقدم لهؤلاء غير كاف فهم محرومون من أبسط الاحتياجات. المؤسسات المجتمعية في غزة تحاول جهدها في المساعدة لكن نعمل بحذر شديد. فجيش الاحتلال لا يريد وصول المساعدات الى المنكوبين وكلنا معرض للإستهداف، نرجو أن لا تخترق اسرائيل الهدنة، فهناك الكثير مما يجب القيام به من أجل مساعدة المحتاجين والنازحين والجرحى واليتامى، ويجب على كل المؤسسات الخيرية والمجتمعية إنقاذ ما يمكن إنقاذه ودعم المتضررين بكل الإمكانيات المتوفرة والمتاحة.

ندعو الله ان نموت معا

د.يسري مغاري وهو فنان مسرحي فلسطيني عاش وأسرته كما باقي الأسر الفلسطينية معاناة العدوان على غزة يقول: كشعب فلسطيني تعودنا على الحروب ومنع التجوال الذي كان يفرضه الاحتلال في بعض المناطق في الانتفاضة الأولى، فكلها متوارثة جيلا بعد جيل..في هذه الحرب كانت ظروفنا تختلف عن أي حرب وخاصة بعد القصف العشوائي في كل مكان دون احترام للمواثيق الدولية، حتى المدارس التابعة لوكالة الغوث كانت تضرب مما جعل بعض العائلات تمكث في بيوتها، لان الاحتلال لا يفرق بين المدرسة والبيت. البيوت في غزة غير محمية وأيضا المدارس التابعة للأمم المتحدة. ويضيف: وبالنسبة للأطفال أحباب الله، كنت دائما احاول أن ألعب مع ابني زين الدين وطبعا أولادي الآخرين وهم أكبر منه (عبدالله خريج صحافة الكترونية وجميل نجح هذه السنة في التوجيهي وان شاء الله سيدرس الحقوق وزين الدين وهو في الصف الثالث الإبتدائي..كلهم أطفال بالنسبة لي، كانت ظروفهم صعبة فأنا أسكن في عمارة لا يوجد فيها طفل صغير إلا ابني زين فكنت ألعب معه (الشدة أو كدشينة) كان ليله نهار ونهاره ليل ينتقل من كرسي الى آخر. تم قصف مكان في منطقتنا فذهب زين بأتجاه الشرفة ليشاهد مكان القصف الموضوع أصبح عاديا بالنسبة له ولنا ما عادت تفرق، كنا ندعو الله أن نموت مع بعضنا البعض كنا نتمنى أن يكون موتنا جماعيا حتى لا يبكي أو يتحسر أحد منا على الآخر لأنه لا طاقة لنا للبكاء ودموعنا جفت.

الهدنة وترقب خرقها

ويتحدث د.يسري عن الهدنة الأخيرة: الهدنة بالنسبة لنا هي ترقب اذا كان سيتم خرقها من قبل الاحتلال أم لا لأننا لا نثق بالمحتل، أما بالنسبة لي فقد ذهبت لزيارة اخوتي والوالد والوالدة وهم يسكنون في مخيم النصيرات والمسافة بين غزة والنصيرات 13 كيلوا مترا فقلت لأولادي من منكم يريد الذهاب لبيت جده؟ طبعا كلهم رفضوا الذهاب معي لأنهم خائفون من القصف، ابني الصغير يسألني باستمرار: بابا متى ستنتهي هذه الحرب؟ ولم أجبه طبعا لأني لا أعرف الإجابة. عندما أطلب من ابني الصغير أن يذهب للنوم يقول لي «انا بدي أنام لما تخلص الحرب اشتقت انام في غرفتي». وللمعلومات فنحن ننام في الكوريدور مع بعضنا متلاصقين أثناء القصف، هنا في غزة في كل بيت مأساة، لكن حجم التضامن بين الناس لا يوصف.

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية