عمان ـ «القدس العربي»: لا يبدو بلد كالأردن يجلس في عمق بؤرة التجاذب الإقليمي متفاجئا أو مندهشا من ظروف وملابسات وغموض وتداعيات الانسحاب العسكري الروسي من سوريا المجاورة ليس فقط لأن عمان لديها معلومات مسبقة أو لا تملك معلومات.
ولكن لأن أولويات اللهجة الأردنية تغيرت في الأسابيع الستة الماضية عندما يتعلق الأمر بالتقارب أكثر من عباءة الرئيس فلاديمير بوتين بالرغم من إيمان المملكة العلني أن الوجود الروسي يساهم في تفعيل الحل السياسي ويفيد في القضية المركزية وهي الصراع العربي الإسرائيلي وعملية السلام في الشرق الأوسط.
ويوافق محللون كثر في الجانب الأردني على ان الانسحاب العسكري الروسي ورقة ضغط تكتيكية تساند أولا الهدنة في الميدان، وثانيا مناخ التسوية الإجباري لجميع الأطراف.
لكن مثل هذا التحليل الحيادي لا يبدو هو الورقة المعتمدة داخل الغرف المغلقة للقرار الأردني، ليس فقط لأن أي حل للمشكلة السورية ينبغي ان يكون الأردن طرفا فيه كما يؤمن وزير الخارجية ناصر جودة، ولكن أيضا لأن تطورات مهمة حصلت في الأسابيع الأخيرة تصلح لاعتماد موقف الأردن التكتيكي كمؤشر على إنحيازات البوصلة.
هنا حصريا وتحديدا ثمة مواقف ومؤشرات لا يمكن إسقاطها من حسابات التحليل والمتابعة والتدقيق. فقبل أقل من شهر على الإنسحاب الروسي العسكري الجزئي، كانت مظاهر الإنزعاج الأردني من تساهل موسكو في تبني الهواجس والخبرة الأردنية تطفو على سطح التعليقات التي يتبادلها كبار المسؤولين في غرف القرار التشاورية المغلقة.
قبل أقل من شهر من الحدث نفسه كان التلويح واضحا ان الأردن مستعد لسلوك فردي في قواعد الاشتباك الجوي، تحديدا عندما يتعلق الأمر بالطيران، إذا لم يأخذ الروس بحسبانهم المخاوف الفنية والعسكرية الأردنية، لأن عمان طوال الوقت طلبت من موسكو طلبا محددا يتمثل في منع استخدام السلاح الثقيل من قبل الطائرات الروسية لمساندة عمليات عسكرية ضخمة جنوب سوريا.
الأردن هنا قالها للروس بوضوح حيث أن هناك 50 ألف مسلح بمحاذاة الحدود الأردنية مع سوريا ستنتج عنهم فوضى كبيرة إذا ما تم استهدافهم بطريقة الاستهداف نفسها التي حصلت في غرب سوريا وشمالها، حيث تقصف الطائرات الروسية بأسلوب الأرض المحروقة وتكمل مروحيات النظام السوري بتفجيرات عشوائية ثم يبدأ الجيش النظامي بمساعدة الحرس الثوري ومقاتلي حزب الله بتحرير المساحات المحروقة.
والأردن قالها بوضوح لا بل طلبها واعتبرها ثمنا للتقارب مع روسيا عندما تحفظ على عمليات قصف جوي عنيفة بالقرب من مدنه الشمالية، وعلى عمليات تحرير واسعة لمدن درعا يمكن ان تخلق فوضى أمنية أو ضغطا جديدا للنازحين واللاجئين أو حالة هلع وخوف لسكانه ومواطنيه واللاجئين شمالي البلاد.
بناء على هذا تعاون الأردن استخباريا مع الروس واستقبل بترتيب منهم رجل الأمن السوري القوي علي مملوك، وبدا منفتحا على احتمالات التعاون مع روسيا ودمشق بما يضمن مصالحه الأساسية والحدودية مجازفا حتى بإزعاج وإقلاق واشنطن.
ما حصل في قرية الشيخ مسكين تحديدا حيث عملية عسكرية ضخمة وقصف جوي عنيف شكل الإنذار الأول في حالة تصدع لتفاهمات ضمنية بين عمان وموسكو.
استندت عمان لتداعيات ما حصل في قرية الشيخ مسكين في تجديد حالة التفاوض مع الروس وإنعاش ذاكرتهم والسعي للحصول منهم على ضمانات أكبر في تجنب خيارات القصف العنيف والعمليات العسكرية الضخمة في الجنوب السوري.
وبدا واضحا للأردنيين ان موسكو تستمع ولا تعلق، وتعد ولا تلتزم. في وقت لاحق بدا أوضح لهم ان إيران مهتمة جدا بالسيطرة على الأيقاع العملياتي عبر الحرس الثوري في جنوب سوريا وبالقرب من حدودهم ولم يفعل الروس شيئا لتبديد المخاوف الأردنية رغم ان عمان وفي وثيقة تصنيف الإرهاب التي طلبتها موسكو منها اعتبرت مبكرا مقاتلي حزب الله اللبناني والحرس الثوري في سوريا من المجموعات الإرهابية.
في العمق بدا للأردنيين أن روسيا لا تريد أو لا تستطيع تفهم هواجسهم المتعلقة بكل صغيرة وكبيرة تحدث في جنوب سوريا التي يعتبر الأردن مخزن الخبرة الأساسي فيها بعد النظام السوري على المستوى الاجتماعي والأمني والعشائري والعسكري أيضا.
في الأثناء حصل تطور آخر، فقد بدا ان إدارة الرئيس باراك أوباما معنية على نحو أو آخر بوقف جنوح عمان نحو عباءة بوتين، وقد عبرت عن ذلك سفيرة واشنطن أليس ويلز عندما المحت في لقاء عام إلى ان التعاون بنيوي بين بلادها والمؤسسة الأردنية العسكرية والسياسية.
وفي الأثناء برزت رسائل الرئيس أوباما السلبية تجاه الأردن والتي قرئت محليا على أساس انها جملة معترضة على النمو المتزايد في التقارب مع روسيا وتحديدا في المجال المعلوماتي. حصل ذلك قبل استدارة أمريكية قوية وعنيفة لوقف الحوار الفرعي الذي أدارته عمان مع موسكو. فخلال اسبوعين فقط تم التوقيع على وثيقة الضمانة الدفاعية الأمريكية لأمن وحدود الأردن، والأهم ان الإدارة الأمريكية سارعت للتعبير عمليا وعلى الأرض عن منطوق ومضمون هذه الوثيقة للإستحكام في استعادة العلاقات المتميزة مع الأردن في المستوى الدفاعي حينما استخدم الجيش الأمريكي ولأول مرة راجمات صواريخ استراتيجية من الحدود الأردنية ضد تنظيم داعش في تدمر والسويداء.
بمعنى آخر التقط الأردن رسالة كان يخطط لها أصلا، تتمثل في إبلاغ الآخرين أن الولايات المتحدة معنية عسكريا وليس سياسيا فقط بأمن حدود المملكة الأردنية الهاشمية، وهو الأمر الذي أخفقت روسيا في تقديمه للأردنيين بعد نحو أربعة أشهر من التعاون الاستراتيجي والأمني معها ولو جزئيا.
من هنا يمكن القول في الخلاصة أن استمرار الحضور الروسي سياسيا وحتى عسكريا ما زال يشكل استراتيجية بالنسبة للأردن المؤمن بحل سياسي في سوريا وباستئناف عملية السلام في فلسطين، وأن عمان ومع التنفيذ الإجرائي السريع لمنطوق وثيقة الالتزام الأمريكي بحماية حدودها تكون قد جربت حظها مع موسكو التي خذلتها على نحو أو آخر لكنها تمكنت وعلى نحو أو آخر من استعادة ظل عباءة واشنطن في المجال الدفاعي والأمني تحديدا.
لذلك حصريا لا يمكن القول ان الأردن متفاجئ فعلا أو جديا بأن روسيا انسحبت أو تنسحب من سوريا عسكريا.
بسام البدارين