إذا أدرت النظر وقلبت تاريخ المدن لن تجد مدينة كالقدس مثلت محورا للتنافس والصراع على مدى تاريخها الممتد في أعماق زمنية سحيقة، والمفارقة ان كل المنظومات الدينية الابراهيمية السائدة في الشرق الأدنى تقدس كل ذرة تراب في هذه المدينة، وان السرديات التاريخية لكل المتصارعين الذين يقدسون هذه المدينة تدعي أحقية امتلاكها وبالتالي إمكانية إفناء الآخر وإغراق هذه المدينة المقدسة بانهار من الدماء لمجرد اثبات أحقية الامتلاك التاريخي لها، ومع كل التصريحات والمطالبات بان تكون القدس مدينة جامعة حاضنة لكل الديانات السماوية يتعايش فيها الجميع، إلا ان هذه الأصوات لطالما اختفت وغيبت تحت زعيق قعقعة السلاح.
كان مشهد الجنرال البريطاني ادموند اللنبي في كانون الأول/ديسمبر 1917 وهو يمشي متبخترا على صهوة جواده مخترقا شوارع القدس القديمة تاريخيا، بل هو من اللحظات الفارقة في تاريخ الشرق الأدنى، وعندما أطلق عبارته الاشكالية التي ظلت تدوي في سماء المنطقة «اليوم انتهت الحروب الصليبية» في إشارة إلى عودة قوات أوروبا الغازية للسيطرة على قلب الشرق «فلسطين» وبشكل خاص مدينة القدس لما تحمله من رمزية تاريخية، حبس الكثيرون أنفاسهم من هول الآتي المحمول على أسنة حراب البنادق المشرعة بعد عدة قرون من الاسترخاء الاشكالي في ظل سيطرة العثمانيين التي أكلها العجز في آخر أيامها.
كانت جبهة البريطانيين الأساسية في الشرق الأدنى إبان الحرب العالمية الأولى في جنوب العراق والهدف الأساسي هو المحافظة على «البترول» الثروة الهائلة المكتشفة حديثا حينها في منطقة الأحواز. وللحفاظ على مصالح شركة النفط الانكلوفارسية نزلت قوات الامبراطورية العظمى في شبه جزيرة الفاو أقصى جنوب العراق عام 1914 ومنها تحركت شمالا لتحتل جنوب بلاد الرافدين لتحمي مصالحها في المنطقة.
لم تكن جبهة الشام تمثل خيارا استراتيجيا بالنسبة للبريطانيين، خصوصا بعد ان وفروا القوات الكافية لحماية قناة السويس من احتمالية الهجوم العثماني – الألماني عليها، ولم يعيروا اهتماما لتلك الجبهة إلا بشكل محدود عندما دعموا شريف مكة، حسين ببعض الأموال والأسلحة وحرضوه على التمرد على الدولة العثمانية لاشغالها في معارك داخلية من جهة ولإسقاط الشرعية الدينية عن الخلافة العثمانية عبر انسلاخ مملكة عربية تضم المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة المنورة وعدوا بها الشريف حسين في الحجاز عبر ما عرف تاريخيا بـ «مراسلات حسين- مكماهون». وقد أرسل البريطانيون ضابطا شابا مغامرا ومهووسا بالصحراء العربية تحول فيما بعد إلى اسطورة هو الرائد في المخابرات البريطانية توماس ادوارد لورنس ليعمل مستشارا لأولاد الشريف حسين وليعرف بلورنس العرب، الذي قاتل مع الأمير فيصل بن الحسين في معاركه المتمثلة بالكر والفر على طريقة قبائل الصحراء ضد الحاميات العثمانية المتناثرة في المدن الرئيسية في صحراء العرب الكبيرة.
تغير المواقف جاء من العراق أيضا، عندما أهينت هيبة الامبراطورية البريطانية ومرغت كرامتها العسكرية بوحل الهزيمة في مدينة الكوت (180 كم جنوب شرق بغداد) حين تم محاصرة القوات البريطانية الزاحفة باتجاه العاصمة بغداد بعد ان حققت انتصارات سهلة في الجنوب بقيادة الجنرال تاوزند، وقد بذل البريطانيون الكثير من المساعي لفك الحصار عن قواتهم وذلك بعرض رشوة على العثمانيين لفك الحصار. كان أوبري هربرت ولورنس العرب جزءاً من فريق من الضباط أرسل ليتفاوض على صفقة سرية مع الأتراك حيث عرض البريطانيون (2) مليون جنيه استرليني على العثمانيين مع وعد بأنهم لن يقاتلوا الدولة العثمانية بعد ذلكً، مقابل فك الحصار عن قوات الجنرال تاوزند، لكن أنور باشا وزير الحربية العثماني رفض ذلك العرض، وتم أسر الفيلق البريطاني المحاصر والمكون من (17) ألف عسكري بالكامل مع قائده الجنرال تاوزند في نيسان/ابريل 1916.
تمثل رد الفعل الغاضب للإمبراطورية الجريحة في أن زجت حوالي (400) ألف مقاتل لدعــم قواتها في الـعـراق تم جلبهم من المسـتــعمرات البريطانية في الهند، كما تم البدء في العـمـل على فـتـح جبهـتين جديدتين في الـشــام ضد العثمانيين، الأولى عـبـر مـهـاجـمـة جــنوب بلاد الشام من قبل قوات الأمير فيصل بن الحسين يعاونه مستشاره لورنس والثانية على محور غزة التي يقودها الجنرال اللنبي.
قبل شهر واحد من دخول الجنرال اللنبي مدينة القدس وتحديدا في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 تم اعلان ما بات يعرف تاريخيا بـ «وعد بلفور». فنتيجة النشاط المحموم للمنظمة الصهيونية العالمية التي كانت قد أنشئت قبل عشرين عاما في بازل – سويسرا وركزت جهودها في البحث عن «وطن قومي لليهود» ينقذهم من الداياسبورا التي عاشوها عبر آلاف السنين في دول الشتات، تم تركيز جهود شخصيات نافذة مثل الصهيوني الروسي حاييم وايزمان واللورد روتشليد أحد أبرز أثرياء المجتمع اليهوديّ البريطانيّ وأكبر الداعمين لجهود المنظمة في هذا المجال، فكان ان أرسل وزير الخارجية البريطاني رسالته الفاجعة إلى اللورد روتشيلد ليخبره فيها؛ «تنظر حكومة صاحب الجلالة الملك جورج الخامس بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».
لقد مثل هذا الوعد نوعا من ملحق لاتفاقية بريطانيا وفرنسا عام 1916 التي عرفت بمعاهدة «سايكس – بيكو» إذ عينت الحكومة الفرنسية جورج بيكو، قنصلها العام السابق في بيروت مندوبا ساميا لمتابعة شؤون الشرق الأدنى، ومفاوضة الحكومة البريطانية في مستقبل البلاد العربية، ولم يلبث أن سافر إلى القاهرة، واجتمع بـالسير مارك سايكس، المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى ليحددا خطط تقاسم ارث الدولة العثمانية بعد الانتصار عليها في الحرب، وقد صدر وعد وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور بعد مؤتمر عقد بين البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية في شباط/فبراير 1917 مثل الجانب الأول السير مارك سايكس نفسه، بينما مثل المنظمة في هذا المؤتمرحاييم وايزمان.
بناء على بنود المعاهدة البريطانية الفرنسية، تم إعلان الانتداب البريطاني على العراق وشرق الأردن وجزء من فلسطين تمثل في مينائي حيفا وعكا، أما الانتداب الفرنسي فقد شمل سوريا ولبنان، وكان من المقرر وضع المنطقة «المقدسة» المتمثلة في ولاية القدس العثمانية تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها، لكن هذا الجزء من الاتفاق لم ينفذ وشملت القدس بالانتداب البريطاني بعد ان تم تعديل الكثير من بنود المعاهدة وفق معاهدات المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، ومثلت هذه الخطوة في نظر عدد من المؤرخين خطوة مهمة في تسليم المدينة المقدسة فيما بعد للصهاينة.
محور الاستقرار
عندما نطالع ما كتبه أو قاله أغلب، ان لم نقل كل، القادة الصهاينة في تاريخ فلسطين الحديث بخصوص مدينة القدس، سنعرف حجم الكارثة، ومدى الخديعة في كل الاتفاقات الدولية التي يروجون لها على انها اتفاقيات سلام مع العرب، فهم وحتى قبل احتلال القدس عام 1967 كانوا ينظرون لها على انها عاصمة كيان إسرائيل، وان أمكانية حل الدولتين لم يكن إلا خديعة، فهم يرفضون «التفريط» حسب وصفهم بعاصمتهم أو بجزئها الشرقي ليكون عاصمة الدولة الفلسطينية المقبلة.
ها هي غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل بين عامي 1969 و1974 تقول في حديث لها مع مجلة «تايم» عام 1973؛ «السيادة العربية في القدس غير ممكنة. لن تقسم هذه المدينة، لا نصف ونصف ولا 60 و40 ولا 75 و25 لا شيء. الطريقة الوحيدة التي سنخسر بها القدس هي أن نخوض حربا ونخسرها وإن حدث ذلك فسنخسرها كلها». كذلك نجد إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي يعد من جناح الحمائم في الإدارة الإسرائيلية بعد اوسلو والذي اغتيل على يد متشدد صهيوني لانه فرط بـ «حقوق إسرائيل» حسب وجهة نظر الصقور، يقول في خطاب في الكنيست الإسرائيلي عام 1995 وهو العام الذي اغتيل فيه؛ «قلت أمس وأكرر اليوم إنه لا توجد مدينتان توجد قدس واحدة. وما نراه هو أن القدس ليست مادة للتفاوض، القدس كانت ملكنا وستكون ملكنا وهي ملكنا وستظل كذلك إلى الأبد».
بينما نستمع للصهيوني المتشدد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي (1996 ـ 1999) ورئيس الوزراء الحالي يقول في خطاب له عام 2010 أمام لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية «آيباك» في واشنطن؛ «الشعب اليهودي كان يبني القدس قبل ثلاثة آلاف عام، والشعب اليهودي يبني القدس اليوم. القدس ليست مستوطنة إنها عاصمتنا». ويكرر في حفل في أيار/مايو 2017 للاحتفال بمرور خمسين عاما على السيطرة على القدس الشرقية قال نتنياهو؛ «قبل خمسين عاما لم نحتل بل حررنا، عبر بسالة محاربينا وحب شعبنا تحررت القدس. أقول للعالم بصوت جلي: القدس كانت وستظل دوما عاصمة إسرائيل». ليأتي «وعد ترامب» في الذكرى المئوية لوعد بلفور في كانون الأول/ديسمبر 2017 بنقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إلى القدس بمثابة صب الزيت على نار الصراع المشتعلة في الشرق الأدنى، ولتقضي نهائيا على أي أمل بوجود مخرج لهذا الصراع عبر حل عادل وشامل متمثل بحل الدولتين وحق الفلسطينيين في عاصمتهم التاريخية في القدس الشرقية، كما نصت على ذلك الاتفاقات السابقة وتعهدات الإدارات الأمريكية التي رعت هذه الاتفاقيات.
صادق الطائي