القربان والغيلة ووصم الطوائف

منذ أقدم العصور ولحد الآن مازالت هنالك تهمة مخيفة توجه لمختلف الطوائف، دينية واجتماعية وسياسية، فحوى التهمة يتمثل في أن مجموعة ما تستدرج ضحاياها وتقتلهم بسرية وبطقوسية ترتبط عادة بتعاليم دينية. ما مدى صحة هذا الاتهام؟ وما مدى علاقة هذه الطائفة بالاتهام الموجه لها؟ هذا ما كان يغيب تحت ركام المخيال الشعبي الذي يأخذ عبر ترديده من جيل إلى جيل شكل الحقيقة التي لا تقبل النقاش.
والغيلة في اللغة من جذر (غ ي ل) بحسب الفيروزابادي وابن منظور (والغِيلُ الشجر الكثير الملتفّ، يقال منه: تَغَيَّل الشجر، وقيل: الغِيلُ الشجر الكثير الملتف الذي ليس بشَوك، والغِيلة، بالكسر: الخَدِيعة والاغْتِيال.وقُتِل فلان غِيلة أَي خُدْعة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإِذا صار إِليه قتله، وقد اغْتِيل اي قتله غيلة)، ومن هنا نعرف أن قتل الغيلة، هو القتل بالحيلة والاستدراج، وربما بوضع نوع من المخدر او السم للقضاء على المستدرج. فما علاقة قتل الغيلة بالقربان؟
من المعروف أن اغلب الحضارات الانسانية وكل الديانات البشرية عرفت القرابين التي تنوعت من القرابين البشرية إلى الحيوانية والنباتية، كما أن القرابين تعددت من حيث المقرب به، كأن يكون احد افراد الطائفة، كما هو الحال في الديانة المصرية القديمة في طقس (وفاء النيل) عندما يتم اختيار فتاة عذراء جميلة تلقى مكبلة في النيل للتقرب للاله حابي (اله النيل)، أو قد يشترط أن تكون القرابين في بعض الحضارات من اعز البشر، كما ذكر هوميروس في الالياذة، في قصة افيجينيا ابنة اجمامنون، حيث أن اليونان وهم يستعدون لحرب طروادة تتوقف الريح ولا تتحرك سفنهم بأمر الآلهة ارتميس (وهي تجل للالهة الام ـ عشتار في الحضارة اليونانية) وهي آلهة الحب والحرب كما هو حال عشتار الرافدينية. وتطلب الالهة ارتميس من اجمامنون قربانا بشريا هو ابنته العزيزة على قلبه، يذبحها في معبد الالهة ارتميس لترضى عنه وتسخر الريح لتدفع سفنه باتجاه طروادة، وفيما كان يحضر لذبح افينجيا تقوم الالهة باستبدالها بغزال في اشارة يتتبعها عالم الانثروبولوجيا جيمس فريزر في كتابه المهم «الغصن الذهبي» إلى تحول الحضارات من القرابين البشرية إلى القرابين الحيوانية، وهذا ما حصل مع النبي ابراهيم (ع) عندما امر بذبح ابنه (المختلف عليه، فاليهود تعتبر الذبيح اسحق (ع) جدهم الاعلى، بينما يعتبره المسلمون اسماعيل (ع) جد العرب) ليبدل الله الذبيح بقربان حيواني، ويمكن أن نلاحظ وجود القرابين البشرية في الجزيرة العربية في قصة والد النبي محمد (ص)، عبدالله بن عبد المطلب عندما نذر عبدالمطلب بن هاشم، حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، فنذر لئن ولد له عشرة ذكور، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، ثم قصة فدائه بمئة ناقة المعروفة تاريخيا، وهذه الحادثة تعني في ما تعني أن هنالك وجودا او بقايا للقرابين البشرية قبيل الاسلام.
لكن بعض الحضارات كانت تضحي او تتقرب لمعبودها باعدائها او بالعبيد او الغرباء، وهذا ما عرف عن حضارات امريكا الجنوبية، مثل حضارة المايا، وكانت الضحايا البشرية من الأطفال والعبيد وأسرى الحرب، وكان الضحية يدهن باللون الأزرق، ويقتل فوق قمة هرم وهو نوع من زقورات تقديم القرابين، في احتفالية طقوسية بضربه بالسهام حتى الموت أو بعد تقييد الساعدين والساقين بينما يشق الكاهن صدره بسكين حادة مقدسة من حجر الصوان فينتزع القلب ليقدم كقربان وسط مراسم من الطقوس، ويرى فراس السواح في كتابه «لغز عشتار» رأيا مهما اذ يقول «لا شك أن طقوس القربان البشري بربرية وهمجية، بمقاييس عصرنا، ولكنها يجب ألا تحجب عن أعيننا ما وراءها من رمز عميق، فالقربان البشري يمثل نقطة اللقاء بين الإنساني والإلهي، حيث يموت الإله في جسد بشري ويموت الإنسان ميتة الإله).
وقد اتهمت بهذا النوع من القتل جماعات وطوائف عديدة، ومن اشهر الطوائف التي اتهمت بالقتل غيلة هم اليهود، حيث بات شائعا أن من طقوس عيد الفصح وعيد البوريم عند اليهود قتل طفل او شاب مسيحي ليستعمل دمه من قبل حاخام في إعداد الفطيرة المقدسة، وفي العيد يأكلون فطــــيرتهم ولا تتم افراحهم اذا لم يأكلوا الفطير المصنوع بدم غير اليهود، ويروى في هذا الشأن العديد من القصص والحكايات المرعبة التي دخلت في المخيال الشعبي وبات تخويف الاطفال غير اليهود من الاقتراب من حارة اليهود (الغيتو اليهودي) امرا معروفا في العديد من بلدان العالم.
وبالطـــــريقة نفسها عرف التاريخ طائفة (الخناقون Thuggee) في الهند ومنهم جاءت كلمة (Thug) في اللغة الانكليزية، ومعناها السفاح. ويعتقد انهم من الهندوس من أتباع الالهة كالي، وهي الالهة التي يصفها فراس سواح في كتابه «لغز عشتار» بأنها عشتار الحضارة الهندية او الآلهة الأم، التي تجتمع فيها صفات الخصب والحب والتكاثر، ولكن دائما ما يكون لها وجه اخر غاضب، فكل الالهات الام هن آلهات حرب وعنف ودمار في ما يعرف بالجانب الاسود من الالهة، والالهة كالي في منحوتات الديانة الهندوسية تمثل بشكل امرأة سوداء مخيفة، لها اربعة اياد تحمل بها انواع الاسلحة وترتدي عقدا من الجماجم في جيدها، وهي آلهة دموية لم تتوقف القرابين البشرية في معابدها الا في القرن التاسع عشر، حيث تم التحول إلى القرابين الحيوانية، وربما ولهذا السبب ربط المحققون البريطانيون من سلطة الاحتلال الحاكم للبلد في القرن التاسع عشر بين عبادة كالي ومجموعات الخناقين، بناء على الأسطورة التي كانت متناقلة بين الهندوس، والتي تقول إن الالهة كالي خاضت معركة حامية الوطيس مع وحش عجيب كانت لديه القدرة على إعادة خلق نفسه، فكل قطرة دم تسقط من جسده كانت تتحول إلى وحش جديد، وللقضاء عليه خلقت كالي رجلين وأعطتهما خرقة مقدسة ثم أمرتهما أن يقتلا الوحش خنقا، كي لا يتمكن من إعادة خلق نفسه، وقد أنجزا المهمة بنجاح، فقتلا الوحش من دون إراقة قطرة دم واحدة، وكافأتهما كالي على صنيعهما بأن سمحت لهما بالاحتفاظ بالخرقة المقدسة وأمرتهما أن يتوارثاها في ذريتهما ويستعملاها في قتل كل شخص لا ينتمي إلى طائفتهما. لكن المحققين اكتشفوا أن جماعات الخناقين لم يكونوا من الهندوس فقط، بل كانوا خليطا من المسلمين والسيخ والهندوس وقتلهم المسافرين غيلة كان وراءه دافع السرقة اكثر مما هو دافع ديني، حتى أن بعض المؤرخين الهنود يشيرون إلى انه عندما تم القضاء على جماعات الخناقين عام 1870، تبجح البريطانيون طويلا بتخليص الهند من شرورهم. لكن بعض الحقائق المخفية تشير إلى أن القوات البريطانية أفرطت في تضخيم حجم مشكلة الخناقين واتخذتها ذريعة لتعزيز نفوذها في الهند، فتهمة الانتماء للخناقين أصبحت خير حجة للتنكيل بمعارضي الوجود البريطاني في الهند، وبشكل خاص من الاقلية المسلمة الرافضة للاحتلال البريطاني، وتحولت هذه التهمة إلى وسيلة لإرعاب وإرهاب المجتمع الهندي، فألقي القبض على عائلات كاملة، وأُعدم الكثير من الرجال والشباب لمجرد الشبهة، ومعظمهم كانوا أبرياء.
وكان للخناقين في التراث العربي حضور لافت، فقد ذكرهم الجاحظ في كتاب «الحيوان»، وابن الجوزي في «المنتظم» وابن حزم في «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، وقد اتهموا طائفة من غلاة الشيعة تسمى المنصورية نسبة إلى منصور العجلي، وهو الملقب بالكسف، وقد عاشت هذه الطائفة في منتصف القرن الثالث الهجري، ويصفهم ابن حزم بالقول (منصور المستير العجلي وهو الملقب بالكسف، وكان يقال إنه المراد بقول الله عز وجل وان يرو كسفا من السماء ساقطا، وصلبه يوسف بن عمر بالكوفة، وكان لعنه الله يقول إنه عرج به إلى السماء وإن الله تعالى مسح رأسه بيده، وقال له اذهب فبلغ عني، وكان لعنه الله يقول بأن اول من خلق الله تعالى عيسى بن مريم ثم علي بن أبي طالب، وكان يقول بتواتر الرسل واباح المحرمات من الزنا والخمر والميتة والخنازير والدم، واسقط الصلاة والزكاة والصيام والحج،واصحابه كلهم خناقون رضاخون، وكذلك اصحاب المغيرة بن سعيد ومعناهم في ذلك انهم لا يستحلون حمل السلاح حتى يخرج الذي ينتظرونه، فهم يقتلون الناس بالخنق وبالحجارة وبالخشب فقط، وذكر هشام بن الحكم الرافضي في كتابه المعروف بالميزان وهو اعلم الناس بهم، لانه جارهم بالكوفة وجارهم في المذهب، ان الكسفية خاصة يقتلون من كان منهم ومن خالفهم ويقولون نعجل المؤمن إلى الجنة والكافر إلى النار».
لقد مرت كل الاديان والحضارات بمرحلة تقديم القرابين وتحول شكل القربان ومضمونه من الانسان إلى الحيوان، وربما إلى شكل رمزي من التضحية عبر قطع جزء من جسم الانسان، كما هو الحال في عملية ختان الذكور لدى اليهود والمسلمين، او بايذاء الجسد عبراللطم او ضرب النفس بآلات حادة او بالسياط كما هو الحال عند بعض الطوائف الهندوسية والاسلامية والمسيحية. لكن وصم بعض جماعات الاقليات دينية كانت او اجتماعية او سياسية، قائم على أن هذه الجماعات لا تمتلك القدرة او الجرأة على المجاهرة بمعاداة الاكثرية، فتلجأ إلى القتل غيلة وتربطه بطقوسها الدينية، ويبقى هذا الاتهام يمثل وصما مبنيا على ذاكرة جمعية تحاول أن تصم المختلف وتلصق فيه اشنع التهم، ومنها قتل المختلف غيلة واستخدام دمه او اعضائه في طقوس دينية.

كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية