«القرية الكونية»… المفهوم المخادع

حجم الخط
0

المفهوم العام للقرية أنها مجموعة من البيوت غالبًا من الحجارة، أو الطين والخشب، يقترب بعضها من بعض، وتعود إلى أفراد قبيلة واحدة، أو عائلة واحدة، أو عدة عائلات. وتعتمد القرية في حياتها على ما تنتجه الأرض في أعوام المطر. ويمتاز أهلها عادة بالطيبة والبراءة، وتسود بينهم علاقات الألفة والمؤانسة والتسامح. الناس في القرية الكل يعرف الكل، ولا يستخدمون من الأدوات الحديثة غير ما يتلاءم وحياتهم الزراعية المستقرة.
في العصر الحديث ظهر مفهوم القرية الصغيرة أو القرية الكونية، الذي تنبأ به العالم الكندي مارشال ماكلوهان (1980-1911)، ويقوم هذا المفهوم على أن العالم أصبح مثل قرية صغيرة بفضل التقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصالات. تلك التطورات التي قربت المسافات، وقلصت الزمن؛ فيستطيع الإنسان أن يتنقل بسهولة وسرعة بين عواصم العالم، وأن يتعرف على ما يجري في أي بقعة من الأرض باستخدام الهواتف المحمولة، وشبكات الاتصال المختلفة، وكأنه في قرية واحدة.
لكن لو تفحصنا هذا التطور الذي حدث في وسائل الإعلام ضمن رؤية ماكلوهان لأدركنا أنه قد أدى إلى ظهور العديد من القرى المحلية، وليس إلى ظهور قرية واحدة فقط. إذ تكونت تجمعات صغيرة من المجموعات والمنتديات تشبه القرى الصغيرة، يتبادل أفرادها التعارف والمعلومات ضمن العالم الافتراضي. وهي في الحقيقة بعيدة عن أن تشكل قرية كونية. فالمجتمعات المحلية التي ينشئها العالم الافتراضي لا تكون بالضرورة محلية بالمعنى الجغرافي.
على كل حال سواء أكان هناك قرية كونية واحدة أو عدة قرى كونية، فإن طبيعة الإنسان نفسه، لا تتلاءم لتكون جزءًا من مجتمع افتراضي. ففي الحياة اليومية نحن نحتاج إلى من نعرفهم حقاً، والذين تربطنا بهم علاقة حقيقية في عالمٍ حقيقي، ولا نحتاج إلى علاقة افتراضية في عالمٍ افتراضي.
إن مفهوم القرية الكونية مصطلح أنجزته حضارة التكنولوجيا في الأصل ليشير إلى عملية تقوم على خدمة الإنسان والارتقاء به، ولكن الرأسمالية استخدمته لتسهيل عملية الهيمنة على العالم، خاصة من الناحية الاقتصادية. وخير من فهم ما جره تطبيق المفهوم من آثار سلبية عالم الاقتصاد الأمريكي جوزيف ستيغليتز الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، وهو صاحب مؤلفات كثيرة حول العولمة، منها: «العولمة ومساوئها»، و»العولمة وخيباتها»، و«إنجاح العولمة».
كما أنه ذو أفكار وآراء اقتصادية جريئة معارضة لكثير من السياسات الاقتصادية الغربية، حتى لقب بالمرتد عن الرأسمالية. يقول ستيغليتز إنه كان مولعًا دائما بالتنمية الاقتصادية، إلا أن ما لاحظه في الواقع قد غير وجهات نظره جذريا في العولمة والتنمية، فقد رأى وهو في البنك الدولي تأثير العولمة المدمر في البلدان النامية. كما رأى ستيغليتز أن القرارات غالبًا تتخذ لأسباب أيديولوجية أو سياسية، ولهذا اتخذت العديد من الإجراءات غير الصائبة، إجراءات لم يكن الغرض منها حل المشاكل القائمة، بل كانت تصاغ بما ينسجم ومصالح الموجودين في السلطة أو قناعاتهم، وبما يخدم الشركات الكبرى والنخب المالية العالمية. ويتهم ستيغليتز الدول الغربية بالنفاق، لأنها دفعت البلدان النامية إلى إلغاء الحواجز الجمركية، في حين أبقت هي على حواجزها في وجه الصادرات الزراعية للدول النامية. كما يبين في مقال نشره في صحيفة «هيرالد تريبيون» بعنوان «حصاد العولمة إفقار الدول النامية وتهميش الطبقة الوسطى»، بأنه رغم الوعود البراقة التي صاحبت انطلاق موجة العولمة ضمن مفهوم القرية الكونية، وما روج لفوائدها المنتظرة على نطاق واسع، فإنها ما زالت تنتج العديد من الاختلالات الاجتماعية على الصعيد العالمي بين الدول أو داخل المجتمعات.
إنّ مفهوم القرية الكونية يشير في ميدان الممارسة إلى أنه بعيد عن المعاني الإنسانية لمفهوم القرية القديم والمتعارف عليه، إنه يشير إلى مجموعة من القوى النافذة والشركات الضخمة التي تحتكرها الطبقة الرأسمالية. تلك القوى التي تمتلئ بالرغبة في الهيمنة على الطبقات المتوسطة والفقيرة. إنه مفهوم مضلل لا ينتج عنه في تطبيقاته الحالية غير صراع الهويات، وزيادة عدد الفقراء والمحتاجين والمهجرين من أوطانهم؛ مما سيجر العالم إلى مزيد من الإرهاب، والحروب والدمار.

كاتب فلسطيني

«القرية الكونية»… المفهوم المخادع

محمد عبدالله القواسمة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية