الجزائر- صلاح باديس: في الستينيات، رغبت أديداس في إنتاج حذاءٍ رياضيٍ للاعبي التنس، وتمّ التوصّل مع لاعب التنس الفرنسي روبير هايي إلى صُنع حذاء رياضي أبيض اللون سنة 1963 في لاندرشايم في فرنسا. وسُوّق الموديل ابتداءً بعدها بسنة تحت اسم: أديداس روبير هايي. حذاء أبيض بجلدٍ يتنفّس من ثقوب تتوزّع على ثلاثة صفوف، إضافة إلى قطعة صلبة من الخلف لتثبيت العقب أثناء اللّعب، وكان لونه أخضر يحمل علامة أديداس «ثلاثة أوراق».
سنة 1973، وقّعت أديداس عقداً مع لاعب التنس ستان سميث، وصارت هذه الماركة هي المموّل الرئيسي لهذا اللاعب، وأعادوا تسمية الحذاء باسمه سنة 1978. لتأتي فترة الثمانينيات وينفجر الحذاء في الأسواق ويسوّق تحت صورة حذاء المدينة العصري الخفيف الذي يتناسب مع كل الأذواق.
كانت الجزائر تعيش في نهاية السبعينات مرحلة انتقالية، بعد موت الرئيس بومدين سنة 1979 وتوّلي الشاذلي بن جديد الرئاسة، شهد «الشعب» مرحلة وهم الانفتاح الاقتصادي، ووعدوه بأنّه سيأكل الموز والكيوي، هو الذي كان يشتري كل حاجياته من «سوق الفلاح» اسم السوق الحكومي الذي قد تقف على بابه يومين لتأخذ في الأخير أي مادة استهلاكية وقعتَ عليها خوفاً من نُدرتها لاحقاً.
ما علينا… خلال هذه المرحلة كانت السلع الأجنبية شيئاً نادراً وعزيزاً، لكنها كانت تدخل وبرشوة صغيرة أو بحظٍ كبير يمكنك أن تحصل على حذاء ستان سميث وتسير في الحي مثيراً غيرة كل الأولاد… لكن يبدو أن الغيرة زادت عن حدّها، وبعد عقد كامل من الاحتجاجات والتفسّخات في النظام الجزائري وقتها قامت يوم 5 تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1988 مظاهرات عنيفة، أحرق الشباب الغاضب كل ما يرمُز لخمسة وعشرين عاماً من الاشتراكية الجزائرية بدءاً من سيارات المسؤولين الفارهة التي وقعت بين يديهم إلى أسواق الفلاح والمؤسسات العمومية، كان هذا التاريخ بداية الانفتاح السياسي في الجزائر والذي سيقود لاحقاً لعشرية دم كاملة، لكن قبل ذلك وخلال هذه المظاهرات هجم الشباب على مستودعات الأسواق ووجدوا مئات الأزواج من أحذية الستان سميث، وقبل أن تعتقل الشرطة في الغد أي شخص تجده ينتعل ستان سميث، صرخ يومها الشباب: «يا الشاذلي بن جديد العاصمة راها بيضا… اللي ما سرقش ستان سميث يستنى grève* جديدة».
سنة 1990 والمجتمع المدني يغلي في الجزائر التي عرفت في سنتين ولادة عشرات الصحف والأحزاب، بعدما قضت ثلاثين عاماً بحزب واحد وجريدة ونصف، دخلت الستان سميث موسوعة غينيس لبيعها 22 مليون فردة حذاء في العالم. ثم مرّت التسعينات على الجزائر بدمائها وظلامها، ثم أتى بوتفليقة سنة 1999 وبدا أن الأمور ستستقر ونسي النّاس من هول ما حصل حذاء الستان سميث.
خلال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين ستُنسى الستان سميث، التي صارت تصدر تنويعات من حذائها التقليدي وبألوان عديدة. وتحصل ثورات في العالم العربي سنة 2011 وتشهد أكثر من دولة جزءاً من سيناريو الجزائر المشهور، وليبدأ فنانو البوب آرت في الجزائر التأريخ للذاكرة الشعبية على الفيسبوك الذي صار مثل الهواء والماء، وهنا يرجع الستان سميث من جديد عندما تصير «أيقونة» احتجاجات الخامس من تشرين الأول/أكتوبر والتي سيُجهد الجزائريون أنفسهم في ذكرها لكل شخص عربي، ليذكروه أنّهم عاشوا ما يعيشه هو اليوم من 25 عاماً… وفي انتظار أن يتفق الجزائريون على رواية واحدة لكل هذا، أخرجت أديداس مرّة أخرى موديلها الأثير ذي الرقعة الجلدية الخضراء للأسواق مع سنة 2014 لتعمّ موجة عارمة من الحنين على الناس في كل أنحاء العالم، وليغزو الحذاء الواجهات والأسفلت مجدداً.
منذ أشهر قرأت مادة صحافية في موقع فرنسي عن حساب أنستغرام فتحه شخص للسخرية من أوفردوز حذاء الستان سميث في العاصمة الفرنسية باريس، على الحساب يجد المتصفّح صوراً أُخذت على غفلة لأناس في العاصمة باريس، مُرفقة بتعليقات مضحكة وساخرة، يقول صاحب الحساب في أحد التعليقات: اثبت مكانك في أي شارع وستراهم يغزون المكان… لن تحتاج للبحث حتى. نرى في احدى الصور جماعة من الشباب، بنات وأولاد، عائدون من سهرة ما وكلهم ينتعلون حذاء ستان سميث ! ((صار الأمر مُقرفاً)) يُعلّق صاحب الحساب.
صار الأمر مقرفاً أيضاً بالنسبة لأيْقَنةِ هذا الحذاء عند فناني البوب آرت في الجزائر، لكن هذا طبعاً لم يمنع كاتب هذه السطور من البحث عنه منذ أسابيع والحصول على فردة جديدة، كعادته مذ كان طفلاً (رغم تأكيد مقرّات أديداس في العاصمة الجزائرية على نفاذه خاصة بعد الـ sales) حصلت على فردة جديدة اذاً، وكالعادة سخر مني أخي الذي عايش الخامس من تشرين الأول/أكتوبر (عكسي أنا) هو الوفي للموديل الشهير الآخر من أحذية أديداس للتنس: ناستاز، حذاء البطالين في الجزائر، والذي لشهرته في الثمانينات صار أحد مصانع الأحذية ينتج تقليداً له.
صحيح أن الشرطة لن تعتقلنا اليوم لإنتعالنا أحذية الستان سميث، وصحيح أن شكلنا سيبدو مضحكاً قليلاً ونحن نوهم أنفسنا بأننا ننتعل غيماتِ حنين، لكن لا يهم… فالأسفلت سيتذكر.