تشهد القصة العربية القصيرة المعاصرة، تحولاً فنياً كبيراً بناءً وصياغةً ووظيفةً وفهماً وممارسةً. مبعثُ هذا التحول المصيري الرئيسي هو البحثُ عن أفق جديد يمتثل لمقتضيات التغيرات الحاصلة لدى القاصين العرب الجدد (الصفة هنا لا تنحصر بمدلولات زمنية فقط) في مفهوم الواقع ودلالات الواقعية، وكذا في وظيفة الكتابة ومعناها وتبدل وتنوع مرجعياتها الجمالية والثقافية وحتى الأيديولوجية. خاصيّة هذا التحول الفني، الذي تتشكل ملامحه اليوم بقوة، لا يبدو مكتفياً بالوقوف عند حدود تطوير الكتابة القصصية وتجديد أدواتها الفنية ومناقشة ظروفها الخاصة واشتراطاتها وسياقها العام، بل يطمح، كما أتصوره، إلى إنجاز مفهوم جديد للقصة القصيرة يقوض المهيمنات السردية الكبرى (الشخصية، الحكاية، الرسالة) التي قامت عليها وما تزال تقوم عليها إلى الآن نماذج كثيرة من القصة العربية القصيرة التي ينتجها قاصّون من مشرق الوطن ومغربه، ممّن اختاروا البقاء مستمرين على إخلاصهم لقوالب جاهزة من الأشكال الأدبية يعتبرونها صالحة اليوم للتعبير عن العالم، وعن موقع القصة والقاص فيه.
من الناحية الفنية الخالصة، هؤلاء القاصون أقلّ خطراً على القصة القصيرة من أولئك الذين لم ينجوا بعد من تأثير سطوة أشكال معينة من التجريب الفني التي وضع أسسها مجددون كبار في فترات سابقة من ستينيات وسبعينيات القرن الفائت. قد لا يعي هؤلاء المفتونون بمنجزات الأجيال التي سبقتهم من كتّاب القصة أن تلك المنجزات، وإنْ كانت معتبرة وشديدة الأهمية في زمانها، لكنها لا يصعب تجاوزها بتجارب أخرى أكثر نضجاً وتمثيلاً للواقع، وأشد استجابة لمتطلبات هذا الأخير ومتغيراته ومفارقاته. إن الانبهار المبالغ فيه الذي يحرص كثيرون من كتّاب القصة القصيرة في زماننا الحاضر على إظهاره إزاء تجارب فنية قصصية بعينها يمهد الطريق لأن ينسى الناس حقيقة كون تلك التجارب صدرتْ عن بشر عاديين يخطئون ويصيبون، ولم تصدر عن ذوات مقدسة لا يصل إليها الباطل، ولا يجانبها التوفيق. كانت تلك التجارب وليدة ظرفها ونتاج بيئتها وزمنها وخبرة أصحابها، وبالتالي فهي ليست معصومة ولا مقدسةً ولا نهائية ولا يحرم انتهاكها. هذا الوله الصوفي غير الموضوعي وغير المبرر أحياناً تجاه تجارب هي اليوم جزء من التأريخ، بات يشكل خطراً أكيداً على تلك المحاولات نفسها، لأنه يجعل منها، أو أنه جعل منها بالفعل أيقونات معرفية يمنحها المعجبون بها الحقَّ في التقديس والتبجيل، ومقاربة الكمال والأسطرة، والاستمرار في إنتاج أفكار ورؤى شمولية ذات شرعية مطلقة ودائمة، في توجيه مسارات الوعي الجمالي للقصة القصيرة وتحديد موجهاتها الفنية ومحركاتها النصية. أكاد أجزم أن تلك التجارب بما أضفى عليها أصحابها ومناصروهم والمعجبون بهم حد التأليه والتقديس، قد أنتجت لنا مركزيات فكرية صار جدياً الخوف من تحولها إلى سلطة ثقافية تنطوي على رغبة بالسطوة والنفوذ ومقاومة التغيير وإنكار مشروعية أي تجربة فنية جديدة تتم خارج أطرها التأريخية والفكرية والفنية. إن تحول تلك التجارب إلى خطاب معرفي يريد الديمومة لنتائجه السابقة، كما يريد لها أن تكتسب طبيعة البديهيات، يعتبر علامةً تسمح بالتفكير بأن هذه التجارب وبسبب ما أُضفي عليها من قداسة في طريقها لأن تصبح جزءاً من منظومة السرديات الكبرى لثقافتنا المعاصرة. قد يفكر القارئ (وأنا هنا في محل فرض لا محل تقرير) في طرح السؤال التالي: كيف تتحول تجارب قصصية فنية جمالية بالأساس الى سرديات كبرى؟ من ناحية، تتحول القصة القصيرة إلى منتج لسرديات كبرى عندما تصرُّ على منح الشخصية القصصية قدسيةً وأثراً مادياً، وعندما تسند للحكاية وعياً، وحينما تعمد إلى توجيه درس أخلاقي من نوع ما، وساعةَ تلزمُ نفسَها بمواءمة أفق انتظار القارئ لغرض استجداء تعاطفه وكسب وده.
ما زالت الشخصية بكل حمولاتها والحكاية ذات الغرض والرسالة الأخلاقية وضبط حدود الجنس الأدبي، تشكل المهيمنات السردية الكبرى للقصة القصيرة، التي يحاول كهنتها الكلاسيكيون مقاومة إمكانية قيام أي مشروع سردي يهين تلك المهيمنات الكبرى ويحاول التغيير والنقد والمراجعة. من ناحية أخرى، تتحول القصة القصيرة (والرواية أيضاً) إلى مصنع للسرديات الكبرى، حين تقدم نفسها على أنها منظومة فكرية وقيمية عامة لا تتردد عن أن تنسب لأدواتها السردية القدرة على تفسير الإنسان والمجتمع بصورة شمولية ونهائية، وهنا مكمن انتمائها الواضح للسرديات الكبرى، حيث إنها بهذا السلوك تنزع، تماماً مثل السرديات الكبرى، نحو الهيمنة والإقصاء والفرض والتوجيه. أجد في تجربة بعض قاصّي الستينيات والسبعينيات العراقيين نماذج لهذا النوع من النصوص التي تفرض على قارئها رؤية تأويلية معينة تعيد إنتاج «حقائق» وأفكار الخطاب المركزي للسرديات الكبرى، الذي يوحي، بل لا يتوانى عن التصريح، بالقدرة على إدراك الواقع الخارجي ويزعم، بنفَس بطرياركي، امتلاكه الحقيقة. بالضد من هذا الاتجاه، يبرز اليوم تيارٌ آخر أكثر تحفظاً، وربما أكثر تعقلاً وأقلّ نرجسيةً يمثله قاصون قليلون من بينهم: أنيس الرافعي، جمعة اللامي، محمود شقير، لؤي حمزة عباس، وحيد الطويلة في قسم من نصوصه القصصية، زياد خداش، سعد محمد رحيم في بعض النصوص القصيرة التي ضمتها مجموعته الأخيرة «زهر اللوز» وآخرون. كل هؤلاء الكتّاب لا ينتمون لجيل واحد لكنهم اختاروا، وإن بنسبة تختلف من واحدٍ لآخر، مقارعة السرديات الكبرى للقصة العربية من الطريق الأصعب: كتابة نصوص أراها تنتمي إلى حيّز السرديات المضادة من جهة عزوفها عن تقديم تحليلات للظواهر الاجتماعية والتأريخية وإعراضها عن اقتراح تأويلات تفسيرية تدّعي تمثيل الواقع. ميزة هذه النصوص التي ينتجها هؤلاء القاصون العرب الجدد تتمثل بأنها قنوعة، متواضعة (أعني انها ليست مزهوة بمنجزها الفني) ولا ترفع دعاوى فهم الواقع، ولا تدعي امتلاك رؤية تأويلية معينة وتعي استحالة التعبير الكامل عن الـ»هنا» من خلال اللغة وحدها، وفي هذا تقويض عظيم لمفردات الخطاب المركزي للسرديات الكبرى. غير ذلك، تمتاز هذه النصوص الجديدة بنبذها للشخصية القصصية الكلاسيكية بصفتها مهيمناً سردياً كبيراً وتعاليها على الحدوتة وتدميرها للحدود الفاصلة بين الأجناس الفنية (في هذا المجال، تمتلك قصص أنيس الرافعي مكانة خاصة) وانفتاحها على التأويل المستمر، فضلاً عن تمردها على التنميط والأيديولوجيا ورفضها لكل موجه قبْلي أو سردي كبير (ثقافي، سياسي، مجتمعي، حضاري…).
قد يتحكم بسير النص ويفرض عليه صبغة معينة. باختصار شديد، أرى في نتاج هؤلاء القاصين الذين ذكرتهمُ وغيرهم ممن لم أذكرهم نوعاً من سرديات مضادة (وهنا لعلي أتكلم مثل ليوتار) تقاوم التأويلات الأيديولوجية التي تظهر في لحظة تأريخية محددة وتتجاوز النماذج القصصية التي تقوم بإنتاج أو إعادة إنتاج ذلك النمط من السرديات الكبرى الذي تحتل فيه الشخصية والحكاية والرسالة الأخلاقية وحتى مفهوم التطهير مركز الاهتمام وتتجاهل، عامدةً، البؤر الكلاسيكية التي تحرك العمل القصصي وتبرره وتفسر وجوده. يبدو النقد، عموماً، غير واثق من قدرة القصة القصيرة الجديدة على تأسيس سرديات مكرونصية، أحسن شخصياً الظنّ بقابليتها على تحطيم السرديات الكبرى للقصة الكلاسيكية، وإنتاج خطاب بديل ذي فعل هو محدود بالوقت الحاضر لكنه مؤثر.
كاتب عراقي
حسن سرحان