القصة القصيرة جدا والدرس البيداغوجي

حجم الخط
3

ونحن نستحضر الإفادة والإمتاع كوظيفتين رئيسيتين للأدب كما تتداولها الدوائر النقدية العالمية، لابد من الإشارة أيضا إلى وجوب ربطهما بحقل حساس يمكن اعتباره رافدا مستقبليا لإحقاقهما لدى الجمهور الراشد، وأشير هنا الى الحقل البيداغوجي الذي يستهدف النشء على وجه الخصوص، حيث الحاجة ماسة لتأهيل هذه الشريحة الهشة أدبيا وتربويا.
من هنا يطفو سؤال تدريس الأدب في المدارس على اختلاف مستوياتها، إذ بأي استراتيجية بيداغوجية وأدبية سندرس هذا الأدب، وأي جنس أدبي يناسب فئات المتعلمين الناشئين، بل ما هي النصوص الأدبية التي تستجيب لمستواهم العمري والدراسي، وأيضا لذائقتهم الجديدة التي تتغير جيلا بعد جيل وفق الشروط والأنساق الثقافية الراهنة، استقبالا وتقبلا وتفاعلا ومغامرة إبداعية أيضا؟
إن تمترس المشتغلين بالحقل التربوي والبيداغوجي وراء مقررات مدرسية ومؤلفات أدبية اختاروها ورضوا بها بملء حساسيتهم وتصوراتهم، لهو أمر مهزوز ينبغي تجديده، خاصة إذا التزموا بقناعات ذات نظرة سكونية وحساسية متقادمة لا تراعي الحاجيات التذوقية للجيل الجديد، حيث المسافة الجمالية على مستوى التلقي تتباعد في كل مرحلة عمرية، أقصد هنا مراعاة ما يمكن تسميته بالتلقي السريع، هذا بغض النظر عما يحدث من انقلاب في المنظومة القيمية.
من هنا يطل علينا، على سبيل المثال والاقتراح، أحد أهم الأجناس الأدبية سريعة التلقي، إنها القصة القصيرة جدا، التي استطاعت في العقود الأخيرة القليلة أن تسري في شرايين الأدب العالمي بفضل خصائصها الفنية والشكلية والدلالية القائمة على ثلاثة عناصر متماسكة، مثلما يوحي بذلك مصطلحها «قصة قصيرة جدا»، وهي القصصية والقصر والتكثيف، إذ تقدم نفسها اليوم كأحد النصوص الأدبية المرنة التي أفرزتها السياقات الثقافية المسكونة بإيقاع الحياة السريع، والمعلومة المكثفة اللماحة المشفرة، فمن خلال التواصل والتلقي عبر المواقع، أدبية أو اجتماعية، وعبر أجهزة الاتصال الذكية التي توثر الاختزال والاقتصاد اللغوي، يمكن القول إن هذه القصة القصيرة جدا تنسجم وهوس النشء الفضولي لكل ما هو مقتضب وقصير، تماما مثلما يعرض اليوم من مواد غاية في التكثيف والدقة البليغة في حقول الموسيقى والأفلام القصيرة والإشهار وفيديوات اليوتوب والرسائل النصية الالكترونية والتعليقات على صفحات المواقع الاجتماعية… مثل هذا التواصل والتلقي السريع يجعل القصة القصيرة جدا مناسبة لإدراجها في مقررات التدريس بحكم استجابتها للشروط السابقة، ثم كونها ستحافظ على تدبير الزمن المدرسي، إذ لا يحتاج تحليل عناصرها السردية سوى سقف زمني وجيز مقارنة بالسرود المطولة التي تحتاج إلى وقت أطول، وإلى متلق ناضج معرفيا ونفسيا، وذلك ما نفتقره لدى النشء الصاعد المفتون بالسرعة والاقتضاب، فهذا النص الأدبي القصير جدا أكثر مرونة وطواعية للتحليل المتكامل بحكم حجمه المحدود على البياض، وسهولة الإحاطة بحدثه وشخصيته وفضائه ورسالته أثناء القراءة المنهجية، يضاف أيضا أنه سيعفينا من اللجوء إلى الاقتطاف من النصوص الطويلة والتصرف في متونها كما وكيفا، وهذا لا يعني إقصاء الرواية والقصة القصيرة من المؤلفات والمقررات المدرسية، إذ لها جماليتها وحضورها، بيد أننا نشير إلى ضرورة وضعها في سياقها التربوي والدراسي الذي يتطلب تلقيا أكثر نضجا ووعيا، واستراتيجية إقرائية تحترم الزمن المدرسي ومستوى المتعلمين، أي أنها تحتاج إلى مرحلة دراسية لاحقة حين يحصل المتعلمون على مكتسبات معرفية جديدة ومهارات تحليلية أكثر نضجا.
فالقصة القصيرة جدا، ووفقا لجماليتها التي فصلت على مقاس زمن سريع الاستهلاك وقارئ عجول، هي قادرة على استقطاب الناشئة وعقد مصالحة بينهم وبين الأدب ضمن استراتيجية بيداغوجية جديدة من شأنها إنعاش وتطوير الدرس الأدبي بالمؤسسات التربوية، والنهوض بالخطاب المدرسي الذي يكاد يعزل تدريس الأدب عن سياقاته الثقافية والنفسية المتغيرة، والتحولات الابستيمولوجية التي تخضع لها المدارس النقدية والبيداغوجية، إزاء تطور الحقول اللسانية والاجتماعية والتربوية، وما تعكسه أيضا على مستوى نظرية التلقي، بل نرى أن هذا الخطاب المدرسي يجهز على كيفية تعلم اللغة العربية ومعها اللغات الأجنبية، لذلك نرى أن القصة القصيرة جدا لها قدرة بيداغوجية هائلة لتدريس اللغات وتعلمها، قراءة وتحليلا وترجمة وتواصلا، بفضل قصرها وسهولة تداولها وحفظها؛ من هنا ندرك جيدا جدوى هذا الجنس السردي في إحقاق إرادة القراءة متعة وفائدة وكشفا لجماليته وتقنياته، بل خلقا لروح المغامرة الإبداعية لدى هؤلاء المتعلمين تماشيا مع حساسيتهم وحاجياتهم التذوقية ورؤيتهم الفلسفية للحياة، وبالتالي نرد لهم الاعتبار لبناء شخصياتهم كمتلقين جدد وقراء نجباء وعيا وتفاعلا وإشراكا في عملية بناء النص، ذلك أننا أمام متلق ذكي، رغم صغر سنه، فهو الذي ألف الاختزال والتلميح في تواصله وإدراكه باكرا لحقيقة العالم بحكم التراكم المعلوماتي على الشبكات العنكبوتية والقنوات الفضائية، إنه يملك رصيدا معرفيا لا بأس به مقارنة بالأجيال السابقة التي كان لديها شح في المعلومة. فالجيل الجديد ولد معه ذكاء رقمي، لازالت الأبحاث جارية لفهمه وتقعيده، فكيف إذن سنخاطبه بدون الحلول في تركيبته النفسية والعقلية التي تتطور قدرتها في التواصل والاستيعاب أكثر من ذي قبل، فالمعلومات عن الواقع وشخصياته وأمكنته متوافرة، يعرفها اليوم الصغير والكبير، ولا تحتاج إلى توصيف وشرح أكبر، فحين نقدم لهذا الجيل الجديد سردا مطولا يعرض التفاصيل السردية المملة لنفسية إحدى الشخصيات السردية، أو وصف مكان معين بشكل مسهب، إنما بهذا نستبلده وننفره كقارئ، واضعين إياه في زاوية سلبية، كما لو أنه جاهل بالمرة، لهذا السبب حرصت نظرية التلقي جعل المتلقي في صلب اهتماماتها، بإشراكه في إحقاق نصية النص وجماليته، ولعل القصة القصيرة جدا بما تمتاز به من تقنيات فنية من قصر وتكثيف وتلميح وترميز وحذف لكثير من التفاصيل المعروفة مسبقا لدى القارئ، تعد من النصوص الذكية التي تخاطب قارئا ذكيا وتدمجه في عملية الفهم والتحليل وتنشيط جهازه التأويلي تماما مثلما يفكر ويعيش في حياته الواقعية وحياته الافتراضية التي يصنعها ويعيشها أيضا بكثير من المتعة والذكاء التواصلي، وبديهيا لا يمكن استثناء المتعلم والمتلقي الناشئ من هذه الرؤية، إنه جيل رقمي، متبرم من كل خطاب عمودي فضفاض، فتجربته في الحياة قائمة على المواجهة والجرأة واليقظة في فهم الأمور والنوايا، جيل سريع التفاعل والاستيعاب، جيل يعيش لغة التشفير والندية وفرض الذات ورفض الأبوة والوصاية بدون مقاييس قيمية وأخلاقية، لذلك فهو في حاجة إلى احترام ذكائه ورغباته ونمط تفكيره، عوض قمعه بخطاب إلقائي وإملائي يرتكز على حشو زوادته بأنماط أدبية وجمالية تنتمي إلى حقبة تجاوزها أو لم يعشها بعد، أو لكونه يفتقر إلى القدرة في استيعابها في مرحلته الراهنة، وتلك هي بعض من الأزمات البيداغوجية التي تعرفها منهجية تدريس الأدب بمدارسنا، منهجية سكونية لازالت تحت وصاية مؤلفين وواضعين للمقررات المدرسية لم يعوا بعد الإشكال الابستيمولوجي لمعنى الفروقات المتحولة عبر الحساسية الجمالية لكل جيل.

٭ كاتب مغربي

سعيد السوقايلي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية