هذا هو مرض الارهاب المزمن. تقارير أولية على الانترنت، نشرات اخبارية خاصة في التلفاز، تصريحات ومؤتمرات صحفية وهكذا دواليك. بالنسبة لنا جميعا نحن مواطنو اسرائيل، فان موجة الارهاب هذه مثل فيلم سيء يحدث أمامنا بثلاثة أبعاد. نحن نعرف كشف الابطال بسهولة، القتلى، المصابين الذين اشتبكوا والشرطة التي قتلت المخرب.
لكن توجد في هذا الفيلم شخصيات اخرى لها أدوار رئيسية وثانوية. بعضهم لا نريد سماعهم أو رؤيتهم، أما الآخرين فهم غير مهمين ببساطة. وقد التقينا مع بعضهم في نهاية اسبوع اخرى عنيفة: الممرض الذي أصبح الامر بالنسبة له شيئا روتينيا، شاهد العيان الذي لا يقدر على النوم منذ ذلك الحين، المخربان اللذان يحاولان رواية قصة اخرى، الصديقان في سدوم اللذان أنقذا عربيين بريئين من القتل والشخص الذي يسكن على الخط الاخضر ويعيش في حالة خوف يوميا.
الأول في كل حادث
يذهب إلى النوم وملابسه جاهزة بقرب السرير، لا يترك هاتفه للحظة، الدراجة جاهزة دائما مع أدوات العلاج للطواريء. هذا الشخص هو اهارون أدلر، الممرض في نجمة داود الحمراء. وهو يصل تقريبا إلى كل حادثة طعن في القدس وينقذ المصابين. وهو يبلغ من العمر 29 عاما، متطوع في نجمة داود الحمراء منذ كان في جيل 15 سنة.
وقد كان قبل عام أول من وصل إلى حادثة طعن يهودا غليك وأنقذ حياته. أمس صباحا تم استدعاءه إلى حادثة طعن شابين عادا من حائط المبكى. وبعد الظهر استدعي لمعالجة المصابين في باب العمود.
قمت بتغيير حياتي منذ العملية التي قتلت فيها الطفلة حايه مئير زيسو»، قال، «صحيح أن هناك استعدادية في نجمة داود، ولكن منذ تلك العملية أذهب إلى النوم وبجانبي الملابس كي استطيع القيام والانطلاق بسرعة عند حدوث شيء.
أنا أعرف أين الهاتف وجهاز الميرس والبيبر، والادوات الطبية موجودة في الدراجة وأقوم بفحصها بشكل دائم للتأكد من أن كل شيء في مكانه. وأنا أتجول دائما مع بطارية اضافية خوفا من الوصول إلى مكان العملية دون قدرة على الاتصال».
حادثتان نقشتا في وعيه مؤخرا. يوم الخميس الماضي كان ذلك الشاب الذي طعنه المخرب وأصيب اصابة بالغة وكانت حياته في خطر.
«هذا من الاحداث التي استخدم فيها جميع معارفي وخبرتي لاتخاذ القرارات في الوقت الحاسم، حيث أن كل قرار قد يكون مصيري، الحياة أو الموت. كان الشاب في حالة صعبة جدا ومعقدة. وهذا شعور جيد أنني استطعت انقاذ حياة شاب ساذج تجول في المكان».
وصل اهارون أمس إلى بيته بعد دوامه الليلي. وألقى التحية على زوجته وابنته التي تبلغ العامين. ونام نصف ساعة. بعدها رن جهاز البيبر وانطلق إلى ساحة العملية، كان في المكان مصابون باصابات طفيفة، وعندما أنهى علاجهما عاد إلى البيت. «تناولت وجبة السبت وكنت متأكدا أن الوضع سيكون هادئا. لكن جاء النداء من جهاز الميرس فجأة، على بعد مئة متر من العملية الاولى. إلا أن المصابين في هذه المرة كانت اصاباتهم شديدة. المصاب الذي عالجته أصيب اصابة معقدة في الجزء العلوي من جسمه، وكان وضعه غير مستقر ويتدهور بين لحظة واخرى. ومثل عملية يوم الخميس ـ قرارات سريعة وانطلاق إلى المستشفى.
احتفلت ابنته في هذه الايام بعيد ميلادها الثاني، «إنها تفهم ما يحدث، وتقول بابا ذهب إلى سيارة الاسعاف. وعندما أعود إلى البيت تركض باتجاهي بهستيريا. العائلة كلها اصبحت جزءً من هذا. زوجتي مثل الأم والأب في البيت، وأنا أصل إلى البيت، أختفي وأعود، لكن توجد هنا رسالة ويوجد هدف. هذا صعب من الناحية العاطفية، أنا لا أخاف كثيرا على حياتي لكن التفكير بأنني سأترك ورائي عائلة موجود طول الوقت، وايضا المشاعر تجاه من أصيبوا تكون دائما هي المسيطرة وتستنزف النفس».
العلامات التي ستبقى في النفس
الياهو هو شاب مقدسي، كان في احدى العمليات في الاسبوع الماضي، لن تشمله احصائيات العمليات لأنه لم يصب جسديا، لكن العلامات بقيت في نفسه. وهو يقول إنه من الصعب أن يسامح. «قاموا بطعن شخص أمامي»، «كيف يمكن للانسان أن ينام في الليل، حيث ترى السهولة التي قد تنتهي فيها الحياة، أنا أرتجف من شدة الخوف، وعندما أخرج من البيت يبدأ نبضي في التسارع. في الليل أرى المخرب يركض وهو يحمل السكين، وعندها يصاب برصاصة ويسقط. هذا يشوه النفس، لا يجب أن يعيش الناس هكذا».
هناك الكثيرين مثل الياهو، في الدائرة الثانية والثالثة للعمليات، مصابين باصابات «طفيفة» أو «متوسطة»، وسيحتاجون إلى اشهر للتعافي، وستلاحقهم الكوابيس لسنوات. وهناك أبناء عائلاتهم الذين سيرافقونهم بقلق وخوف بشكل دائم، وهناك شهود العيان الذين يرون أن الحياة رخيصة. «هذا هو الواقع في دولتنا. وبالذات في مدينتنا»، قال الياهو. «ليس غريبا أن الاسرائيليين يفقدون اعصابهم، ومن لا يرى ذلك مباشرة يراه في الواتس أب أو التلفاز وفي الانترنت. نحن مطاردون إلى الأبد، ويبدو أن هذا هو هدف الارهاب. أليس كذلك؟».
في رأس المخرب
المخرب طارق عبد الفتاح يحيى (20 سنة) من قرية عرقة بالقرب من جنين، طعن في يوم الخميس الماضي جندي في شارع ارلوزوروف في العفولة. المارة سيطروا عليه وساعدوا الجندي. وتم اعتقاله بتهمة محاولة قتل الجندي وحيازة سكين والمكوث الغير قانوني في اسرائيل. في الفيلم الموثق عن الحادث يظهر اربعة اسرائيليين يمسكون به، في حين يحاول الباقون الاعتداء عليه. «أنا عامل بناء، وهذه هي المرة الاولى التي أدخل فيها إلى اسرائيل»، قال لمحاميه عبودي فهوم من النيابة العامة. «بحث عن عمل لخمسة ايام ولم أنجح. اشتريت سكينا من العفولة. لكني لا استطيع تفسير سبب طعن الجندي. لم أرد قتله».
وعن الضرب الذي تعرض له قال: «من شدة الضرب كنت على يقين أنهم سيقتلوني في الشارع. رأيت الموت بعيوني. جسمي مليء باللكمات ولا سيما الوجه. اعتقد أن الامر استمر عشر دقائق وقد كان هناك العشرات الذين قاموا بضربي. وحينما أحضرتني الشرطة إلى مركز الشرطة شعرت بالحماية والأمان. الشرطة تعاملت معي بشكل جيد وأخذتني إلى مستشفى العفولة».
الشيخ زيدان عابد، والد اسراء التي حاولت القيام بعملية طعن في المحطة المركزية في العفولة وأطلقت عليها النار، قال إن ابنته بريئة. وطلب، رغم تعرضها لاطلاق النار، ايصال رسالة مصالحة: نحن نصلي من اجل وقف سفك الدماء في البلاد، ونأمل أن تتعافى ابنتي وأن يكون ما حدث لها درسا للجميع. آمل أن يتحمل الناس بعضهم البعض. فنحن لا نريد أن تشتعل البلاد».
الدفاع عن القيم
ميمون حيمي واولاده خرجوا في مساء يوم الخميس إلى نتانيا، وفجأة شاهدوا ما اعتقدوا أنه مخرب. بعد ذلك بلحظات فهموا أن الحديث عن شاب عربي بريء هوجم من قبل مجموعة من الشباب اليهود، هو وشابين عربيين آخرين. ميمون وابنه تعرضا للضرب اثناء انقاذه للشاب من الموت.
«عندما سمعت أنا وابني نداءات مخرب مخرب، قمنا لانقاذ اليهود»، قال ميمون. «تعلمت وأنا شاب الكراتيه 8 سنوات وما زلت أذكر كيف يمكن السيطرة على انسان. لم أخف. أحاطنا حوالي 30 شخصا وعرفتهم جميعهم تقريبا. رأيت هناك السكارى والمشردين الذين يبحثون عن سبب للتصرف مثل الحيوانات، واعتقدوا أنهم اذا هاجموا العرب فانهم بذلك يحاربون الارهاب».
الشاب العربي تعرض للضرب عندما كان ملقى على الارض، وتعرض ميمون وابنه ايضا للضرب إلى أن جاءت الشرطة واعتقلت العربي. أمس تم اعتقال خمسة اسرائيليين حاولوا المشاركة في اللنش. «كان هذا فعل شيطاني طاهر وذريعة لتعذيب انسان لا حيلة له». ويضيف ميمون «لم يضبطوا أنفسهم، وقلدوا ببساطة ما فعله الآخرون مثل القطيع. القبعة التي كانت على رأسي ساعدت وبدأت في الصراخ: إبتعدوا، اليهود لا يتصرفون هكذا. وشيئا فشيئا استجابوا. المنطقة كلها مليئة بالكاميرات، وكان واضحا لي أن الشرطة ستعتقل من ساهم في الامر. وبالفعل حدث هذا أمس. على الشرطة اظهار أن هناك قانون، واذا حدث هذا مرة اخرى فيجب على الجميع أن يعرفوا أنه بدلا من رفع الكرسي يجب طلب المساعدة».
بعد انتهاء الحادثة اكتشف ميمون أنه أصيب وتم أخذه إلى المستشفى. وقال «أصبت اصابة طفيفة في الرأس وغادرت المستشفى بعد بضع ساعات، وكان قميصي مضرجا بدم الشاب الذي دافعت عنه. وقد التقيت به في المستشفى وكان اسمه عبد جميل، عربي اسرائيلي، وهو من سكان قلنسوة أراد الجلوس لشرب الكولا مع اصدقائه.
وكان رأسه مضرجا بالدم وعانى من الألم، وصرخ أنه لا يهتم بالسياسة، فقط جاء للعمل. وقد قال لي شيء فظيع: إنه أنقذ في الماضي عائلة يهودية من سيارة محروقة في أعقاب حادثة طرق. أنا انسان مؤمن، وشعرت أنه يوجد لكل شيء مقابل، أنا أنقذت وهو أنقذ.
«قلت له إنني أريد منه أن يقول للعائلة والاصدقاء إن اليهود ليسوا سيئين مثلما يقولون عنهم في التلفاز. ومن حاولوا التهجم عليه هم أقلية مجنونة. لقد شاركت في حروب اسرائيل ولم أترك يوم في الخدمة الاحتياطية. وقلت له إن من يصرخ «الموت للعرب» ليسوا من طينتي.
ومن المشكوك أنهم كانوا في الجيش. يهمني القول إنه لو كان الحديث عن مخرب لكنت سعيت إلى أن لا يخرج على قيد الحياة من هذه الحادثة. فلو أخرج سكينا لطعنته بها. ولو ترك السكين واستسلم فانني سأفعل كل شيء للدفاع عنه.
لا أريد التفكير أنه لو لم أكن هناك لما دافع عنه أحد. قناعتي السياسية يمينية. أنا اؤمن أن الدفاع عن دولة اسرائيل هو واجب، ولكن الاضرار بانسان بريء بسبب اصله ـ هكذا ينتصرون علينا.
ابن ميمون، دان حن، كتب في الفيس بوك «قمتم بالضرب على خلفية جنائية لذلك البريء، وضربتوني أنا وأبي لأنكم حيوانات. أبي مُسن وتعرض للضرب ولم تستمعوا. لكل اولئك الشباب الذين يتصرفون على هذا النحو أقول من حسن حظكم أن أبي سيطر على الوضع. هذا شيء مخجل، أنقذنا بأجسادنا عربيا بريئا من قلنسوة، أنقذنا حياته لأن مجموعة من الخارجين على القانون جعلتنا نعتقد أنه مخرب. أنا مستعد لأن يحاكمني أبناء شعبي، وهذا من أجل أن لا يُقال أبدا إن لليهودي دم على اليدين».
على الخط الاخضر
كل يوم عندما يخرج امير حكميان من بيته أو عمله يصلي حتى تمر هذه المرة ايضا بسلام. كأحد سكان ارمون هنتسيف في القدس حيث تحدث اخلالات بالنظام في المحيط كل يوم من القرى التي خرج منها عدد من المخربين، حيث هناك اسباب كثيرة تدفعه للخوف. «أسكن في مشروع سكني جديد في الصف الاول أمام حي صور باهر»، قال. «أنا وزوجتي من مواليد القدس، عرفنا أنه اذا حدث تدهور أمني فسنجد أنفسنا في وضع صعب. منذ عملية الجرف الصامد نضطر إلى التفكير بمفارقات لا يواجهها انسان عادي. قبل كل سفر أفكر عشرات المرات أي طريق سأختار كي لا أجد نفسي وزوجتي وابني الصغير هدفا للقتلة الذين يحملون الحجارة. نحن نتدرب في ذهننا على ما سيفعله كل واحد اذا ما تعرضنا لكمين حجارة أو زجاجات حارقة. الشارع الرئيسي في الحي، في شارع آشر ونر، غير مستخدم تقريبا لأنه يمر بجانب صور باهر، الامر الذي يجعل الطريق طويلة إلى البيت والعمل. يأتون الينا للشراء في السوبرماركت أو لأكل البيتزا، وهذا جيد. لكننا لا نتجرأ على الذهاب إلى جبل المكبر أو رأس العمود أو العيسوية».
المكاتب التي يعمل فيها امير مديرا لشركة سكوبس للتسويق والانتاج توجد في جبل المشارف. وهو منطقة اخرى من مناطق الاحتكاك بالقرب من العيسوية. «بعض العاملين عندنا يصلون من هناك ومعظمهم يعارضون العنف». قال. «أحدهم قال لي إنه سافر مع عائلته في منطقة جبل الزيتون وألقوا عليهم زجاجة حارقة لأنهم اعتقدوا انهم يهود.
يصعب ايجاد راحة في اجواء كهذه. أنت لا تعرف من أين يأتي الامر. أرسلت لي زوجتي صورة ابننا في الحديقة بجانب البيت بالقرب من صور باهر، وبدلا من الابتسام من اللحظة حذرتها أن تفتح اعينها. الخوف مما قد يحدث صعب جدا، لكن نحاول بكل قوتنا الاستمرار. الجنون الذي يحدث هنا برز في العناوين في الاسابيع الاخيرة فقط، لكن لا يمكن القول إن العام الماضي كان هادئا.
أنا لا أنوي ترك القدس لأن هذه المدينة غالية علي، لكن في المقابل لا يمكن انكار حقيقة أن القدس مقسمة فعليا. لا يوجد لنا ما نبحث عنه في القرى العربية، لا يضعون جدارا بيننا وبينهم لاسباب سياسية، من اجل القول إنها ما زالت موحدة. ونأمل أن لا نضطر إلى دفع الثمن.
يديعوت 12/10/2015
جلعاد تسفيك ونوعم بركات