دوما (ريف دمشق) – أحمد ظاظا : مازال علاء ابن العشرة أعوام، يحسب أن قدماً جديدة ستنمو مكان قدمه المبتورة. إدراكه الطفولي يأبى القبول بواقع قاس فرضته ظروف الحرب. إذ أن انفجار قنبلة عنقودية تعثر بها في أحد أحياء مدينة دوما غير حياته في لحظات. تلاشى حلمه في أن يصبح لاعباً محترفاً لكرة القدم في المستقبل القريب. إلا أن حبه للحياة رغم الحصار والقصف الحاصل على المدينة، زاده إصراراً على اللعب بقدم واحدة وعكازين، كما يقول والده.
يؤكد الوالد المكلوم، أن الحادثة «حصلت منذ شهرين تقريباً، ونقل علاء على إثرها إلى المشفى الميداني، وأخبرني الأطباء بضرورة بتر قدمه اليمنى»، ويضيف، بشيء من الانكسار، «لم نستطع لاحقاً تركيب أطراف صناعية له، لذا قمت باقتناء عكازين له، وصار يقضي أغلب أوقاته باللعب بكرة صنعتها خصيصاً له من المخلفات، لم يكن ذنب الولد إلا أنه كان يلعب حين حصل الانفجار».
حكاية علاء واحدة من عشرات الحكايات التي تعكس معاناة الأهالي في مدينة دوما، في ظل قصفهم بصواريخ وقنابل تتأخر في تفجيرها، لتحصد أضعافاً مضاعفة من القتلى كما يؤكد البعض منهم. أبو محمد، (37 عاماً)، أحد مهندسي المدينة العسكريين، يشير إلى أن قوات النظام السوري والروسي، يستخدمان أسلحة تفاعلية، لا تنفجر بمجرد اصطدامها بالأرض، بل تحتاج مزيداً من الوقت حتى تؤدي المهمة المنشودة منها، يتابع: «نعاني أكثر هنا من القنابل العنقودية المعرضة للانفجار بمجرد لمسها أو تحريكها، ناهيك عن الصواريخ التي تتأخر في انفجارها والتي تم قصفنا بها مراراً، مما سبب الأذى للعديد من أهالي المدينة والأطفال على وجه الخصوص».
وتجنباً لشر هذه القنابل والصواريخ، شرع بعض شباب المدينة في نشر ملصقات وإعلانات تملأ الشوارع، وذلك في خطوة هامة لتوعية الأهالي والأطفال بشكل خاص، بعد أن لاحقت أضرارها البالغة قسماً كبيراً منهم في الآونة الاخيرة، وتسببت بإعاقاتهم الدائمة، كما يؤكد خالد، أحد الشباب المشاركين في المبادرة.
ويعدّ تدخل الروس في الحرب السورية، تغييراً جذرياً في مجريات الأحداث، كما يوضح أحمد، (35عاماً)، وهو أحد خبراء المدينة العسكريين، فإضافةً إلى استخدامهم شتى أنواع الأسلحة المحرمة دولياً في قصفهم على المدنيين، قاموا بإدخال آليات جديدة على طرق انفجار القنابل، وأصبحت لها آليات تحرير أمان، فبعد ارتطامها بالأرض، تصبح جاهزة للتفجير بمجرد تحريكها، وقد تبقى ساعات أو أسابيع بانتظار الضحية، أي أنها بمعنى آخر تتحول إلى لغم أرضي، يتابع: «أضيف لهذه القنابل أيضاً آليات تحريك ميكانيكية، تنفجر بعد مدة زمنية معدة مسبقاً، قد تكون ساعة أو أسبوع، ولاشك أنها الأخطر بما أنها تسقط بأعداد كبيرة وتغطي مساحات واسعة، وتتحول إلى قنابل موقوتة تسبب الأضرار لمن حولها».
صراع أهالي المدينة للبقاء على قيد الحياة، بات يهدده خطر جديد، أبو عمر،(35 عاماً)، أحد رجال المدينة، تعرض لانفجار قنبلة عنقودية منذ حوالي الأسبوعين، فقد على إثرها ابنه الوحيد الذي لم يتجاوز العاشرة بعد، وأصيب بكلتا قدميه وعينه اليسرى، مشاهد مأساوية أبت إلا أن تستقر في ذاكرته المليئة بالموت والرعب كما يقول: «إحدى المرات كنت ذاهباً إلى عملي في محل النجارة، برفقة عمر، خلال الطريق صادفت قنبلة و اعتقدت أنها شظية، أوشكت على حملها، ولم تمض ثوانٍ حتى انفجرت، كل ما أذكره كان صراخ عمر الذي انقطع فجأة، ثم غبت عن الوعي ووجدت نفسي في المشفى، لقد شاهدت ولدي يقتل أمام عيني، ولم أستطع عمل شيء، وهاأنذا والد مفجوع لاحول له ولاقوة» .
حتى هذه اللحظة، لم يشف أبو عمر من الإصابات التي تعرض لها، وترك مقتل صغيره، جرحاً عميقاً في نفسه إلى حد لا شفاء منه، «ليتني استشهدت برفقة ولدي» عبارة دائماً ما تتكرر على لسانه كلما روى قصته لأحد.
أما أمجد، ابن التسع سنوات، فبينما كان يمارس لعبته المفضلة في جمع فوارغ الطلقات النارية بين ركام المنازل، فقد ذراعه اليمنى نتيجة انفجار إحدى القنابل منذ عدة أشهر، «كل ما أريده هو الحفاظ على ذراعي الأخرى وعدم الإحساس بأي ألم، لذا قررت عدم اللعب خارج المنزل بعد الآن»، يقول أمجد بحسرة، وقد مضت أربعة أشهرعلى مكوثه في قبو لا يرى النور، خوفاً من قصف الطيران الحربي.