لا يمكن أن يصدر الشاعر عن فراغ، هو صنيعة سياقه الإنساني، وظروفه الاقتصادية والاجتماعية. ومهما تعالت موهبته، فإنها تضطر للسقوط بين أحضان الحياة كي تتنفس معطياتها ومفرداتها، وتنهل منها المادة اللازمة للتخيل والتمثل والمقايسة. وهذا لا يعني أن الشاعر ينقل لنا واقعه ومعطيات محيطه، ويسجل لنا خيباته وشطحاته ونجاحاته كما هو، وينسخ لنا ما يراه وشد انتباهه، بل على العكس من ذلك، لا تشكل هاته المعطيات، وهاته المفردات سوى محفزات وحوامل دلالية تشحن بأحاسيس الإنسان، وتحشى بمادة الخيال التي يبرع الشاعر في هندستها وإنتاجها، لتكون عسل القصيدة ونسغ المتعة فيها.
ذاك هو ما يحصل مع الشاعر الطائر، كما يسمى وسط أصدقائه ومحبيه، محمد بلقس، وهو ينتج نصوصه الشعرية؛ معلقا في حياة بينية غامضة، في غرفة ضيقة، يشبح من خلال أفقها الصغير في ملكوت السماء، ممتطيا جواد خياله الجامح، وأحاسيسه المفعمة بقيم الجمال والنبل والصفاء في رحلة سيزيفية بين الأرض والسماء، حاملا معه أشواقه، ولواعجه وذاكرته الشعرية.
الشاعر محمد بلقس لا يوثق سفرياته الجوية بين المطارات والمحطات، ولا يدون مشاهداته شعرا، بل ينقل إلينا، وفي لحظات متفاوتة وعصية على القبض أحيانا، أحاسيسه ومشاعره، وينقل إلينا من خلالهما، مشاعر وأحاسيس الركاب المرافقين له، والمسافرين الذين يتخذون منه قائدا لرحلته ومؤتمنا على سلامتهم.
فالمدن التي يعبرها بطائرته، وبمشاعره الطافحة، ليست أبدا متشابهة، بل إن المدينة نفسها لا تشبه صورتها المتخيلة في المرحلة السابقة والسفرية المنصرمة، ما يعني أن الأمكنة محايدة تماما، على الأقل في التجربة الشعرية، وأن الشاعر- الإنسان هو من يسكب فيها معانيه وتجلياته ومشاعره طبقا لما يختلج في سريرته من أمزجة. يقول الشاعر عن مدينة الدار البيضاء، متذمرا مما آلت إليه صورتها في خياله، تلك البيضاء التي يربطه بها اليوم، ويشده إليها منطق الحياة: «ذهب عطرك يا بيضاء/ أتعبني فضاؤك/ أيتها المدينة الواسعة/ الضيقة/ خلوت من الأغنيات/ فلا امتداد فيك لرصيف/ لا وقت لديك للسفر/ دعيني أغادرك قليلا/ تذكرني ملامحك/ كل صباح بالمساء/ تحت سورك القديم/ خلف كل الأسواق/ والدروب/ خلف كل الأبواب/ أرسل عشقي لك مواويل/ عناقا/ وتراتيل/ لأطفال لم تقم لهم صلاة/ ولا زفت لهم زغاريد الانتماء».
ولأهمية البيضاء بوصفها فضاء لصيقا بالذات، فقد خصّها الشّاعر بقصيدتين: «جميل عطرك أيّتها البيضاء» و«حزيران البيضاء»، فهي الأقرب إلى الذات والقلب والوجدان!
بقدر ما تبدو علاقة الشاعر- الإنسان بالمدن مترنحة ومتوترة، وأحيانا عابرة، فهو يتبرم من فضاءاتها في كثير من اللحظات، ويضيق بها ذرعا، ويسعى للهروب من جحيمها لائذا بسفرياته، وبراقه الشعري، ولغته الحالمة، وأفقه التخييلي! فالشاعر ينظر إلى المكان من وجهة نظر جمالية، فكلما غاب البهاء عن المدينة، ضاق أفقها الجغرافي بالشاعر، فيطلق صرخته الشعرية مستنجدا، داعيا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يقول الشاعر: «أصاب بالدوار/ بالهذيان/ أغلق النافذة/ أخشى أن يراني الشارع/ الصفحات البيضاء/ وحدها تمتد باتساع البحر/ تخرجني من ضيق المكان/ تعود بي من غربتي/ تحررني من ذاتي/ من نفسي/ أمتطي صهوة قلم/ رابض جنب الأريكة/ فوق الصفحات/ رميت بدرع صمتي/ مثخن كغيري/ بجراح الكلمات/ لا رمحا حملت/ ولا سيفا/ قلمي رمى بي/ لدى أزمنة/ رأيت المبهم فيها/ ألفا وياء/ قلمي رمى بي/ في ساحة علمتني/ لعبة الأبجديات».
ولئن كان الفضاء مهما اتّسعت جغرافيته وامتدّت حدوده لن يُشبع نهم الشّاعر المتطلّع لآفاق رحيبة، فإنّ الخيال يكون جديرا بذلك، ويخلق منفرجات في عزّ الضيق، ويخرج روح الشّاعر من عنق الزّجاجة مهما انحسر به المكان، وخانته الجغرافيا، لذلك، فهو انطلاقا من أفقه الضيق في قمرة الطائرة، وعبوره السريع للمحطات، والأماكن والفنادق والاستراحات، يكشف لنا أسرار اتساع نظرته إلى العالم من حوله، ويعرض علينا ما يتراءى له من صور ومشاعر وأحاسيس لا تنجلي للآخرين الذين يرافقونه في السفر، لأنه يشغل مخيلته، ويفتح ذاكرة الحواس الباطنة لتتلقف ما ينتثر في العالم حوله من قبح وجمال في آن.
وبحكم المهنة الّتي يشغُلها مُحمّد بلقسّ كطيّار يتنقّل دوما، بين العواصم والمُدن، فإنه يورد في مجموعته الشعرية قصائد حول أمكنة زارها، ويزورها باستمرار، فعلقت صورها بمخيلته، وأبت إلّا أن تترك صداها شعرا، حيث تترد مدن البيضاء، مونتريال، بيروت، نيويورك، باريس، موسكو، دكار، لومي، سبتة، وتمعروفت (الأصل والمنبت)… ولكل مكان طعمه في الذاكرة، كما الأطعمة والأشربة، ولكل مدينة عبقها وعطرها ومزاجها… تلك الأشياء التي لا تخطئها ذائقة الشاعر أبدا، فيذكر الجميل بجماله، ويصف القبيح بقبحه، متكئا على استعاراته، ومجازاته، ولغته الرشيقة والمرنة التي تقدم نفسها للمتلقي.
وفي غمرة الالتزامات التي تجعل من الشّاعر بعيدا عن قيعان المجتمع المُحتشدة بالناس، والملتبسة الصور والعلاقات، تصير الأمكنة صديقة، عشيقةً، أُمّةً من الكائنات الهلامية التي تبدع وتتحدث وتنصت وتتبادل المشاعر تماما، مثل كائنات آدمية، أو هكذا يخيل للشاعر الطائر، وهو يحلق بـــين المدن والسماء وأرض تصغر بين عينيه على امتدادها الجغرافي! يقول محمد بلقس عن بيروت: «بيروت/ تكتب كلّ يوم قصيدة/ بيروت/ لحن جميل/ بيروت قصيدة/ أمشي أزقتها/ لا أخشى الحرس/ ولا طلقات الرصاص/ وحدها ترافقني/ ابتسامات الأمهات». ويقول عن موسكو: «لا أثر للفوضى هنا/ فالمدينة تنظرنا/ تراقبنا/ تبتسم في صمت/ لمن يريد أن يقرأ/ في عيونها شيئا/ وتجعله ينصرف/ دون عناء».
وبالجملة، يبدو أن الشاعر مسكون بالمكان، مدنا ومحطات عبور، مهووسا بعطر الأفضية، وما تثيره في نفس المسافر، دقيقا في التقاط التفاصيل: النظرات، العبرات، الأشواق، الأمزجة، اللمسات، العناقات، القبلات، الحركات السريعة، مشاعر الانتظار، آلام الفراق، لذة اللقاء وغيرها… ولأن الشاعر ابن بيئته كما قيل في التراث العربي، فإن الشاعر تفوق في بصم خصوصيته الشعرية، وصوت تميزه من مشاكسة هاته التفاصيل المتشعبة في الإنسان المسافر، العابر، وهو يمضي إلى حيث يمضي غير متأكد من إمكانية أوبته أو معاودته تجربة ملامسة ذاك الفضاء مرة ثانية.
٭ ناقد وروائي مغربي
إبراهيم الحجري