إذا كانت قطر «قضية صغيرة جدا جدا جدا» بمنظور ولي العهد السعودي، بحسب ما جاء في تصريحه الأخير لرويترز، فإن المنطق يفترض أن هناك بالمقابل أيضا قضية أو قضايا أخرى «كبيرة جدا جدا جدا» تشغل بال الملك السعودي المقبل، وتستحوذ على وقته وتفكيره، وتشغله عن الاهتمام بالحريق المشتعل منذ الصيف الماضي في بيته الخليجي.
لكن كيف يقيس الأمير السعودي الفارق بين الصغير والكبير وبين البسيط والمعقد؟ وبأي معيار يصنف الأزمة الخليجية الحالية على أنها قضية صغيرة، ويقول عن غيرها إنها أزمات أكبر وأهم حجما وشأنا؟ لنقرأ جيدا ما قاله وزير خارجيته في اليوم نفسه، أي يوم تصريحه لرويترز. لقد قال عادل الجبير في مؤتمر نظمه معهد «تشاتهام هاوس» في لندن، ان «المشكلة مع قطر صغيرة للغاية، فنحن نتعاطى اليوم مع قضايا ضخمة، مثل تطوير البلاد ومواجهة تحدي إيران والتطرف العنيف والإرهاب ومعالجة الأزمة السورية واليمن ودعم العراق، وإعادة استقرار ليبيا. كل هذه القضايا اهم من قطر». قبل ان يكرر مجددا و بالحرف بأن «الأزمة مع الدوحة صغيرة جدا».
وسوف يكون من العبث أن نجادل السعوديين في حقهم في ترتيب أولوياتهم، أو في تحديد ما يرونه الأجدى باهتمامهم، أو أن نسألهم أو نطلب منهم مثلا بأن يكون تحرير فلسطين ونجدة الروهينجا والكف عن التدخل في العراق وسوريا وليبيا واليمن، والقضاء بدلا منه على الكوليرا التي تنتشر على اطراف المملكة، والفقر والجوع الموجودان داخلها وفتح السجون والمعتقلات ووقف كل أشكال الجور والظلم، في صدارة أولوياتهم، أو حتى من ضمنها. لكن أليس من حق المليار ونصف المليار مسلم أن يعرفوا بالمقابل ما الذي يجري الان في بلاد الحرمين، التي ترفع راية التوحيد، ولا تزال تعلن ألا دستور لها غير القرآن، ويطلعوا على ما يخطط له القادة السعوديون لمستقبل مكة والحرمين؟
ربما كانت كلمات رجل المال والاعمال الياباني ماسا يوشي سون في المؤتمر الاستثماري الاخير بالرياض مليئة بالمعاني والدلالات الرمزية، ولكن الرجل لم يكن يجدف أو يهذي حين قال إن «السعودية لديها مكة العظيمة وسنصنع مكتين إضافيتين». لقد كشف ماسا يومها من حيث يدري أو لا يدري بعضا مما يجول بخاطر الملك السعودي المقبل، واستطاع بذلك التصريح الغريب والمستفز الذي اثار دهشة وضحك الحاضرين، ان يفتك من مضيفه تفسيرا جاهزا للفكرة حين قاطعه بسلاسة ليقول «سأشرح الأمر ماسا. مكة اصبحت مثالا لنقاط الجذب. وماسا يوشي يقصد نقاط جذب جديدة. فمصطلح مكة يطلق على نقاط الجذب». ولكن الذي لم يقله ولي العهد هو متى صارت مكة الاصلية التي يعرفها الجميع نقطة جذب؟ هل حصل ذلك قبل قرون طويلة؟ أم فقط في عهده السعيد مثلا؟ ثم ما الذي جعلها بالفعل كذلك؟ هل هي العمارات وناطحات السحاب التي تطوق الحرم المكي من كل جانب، واسواقها ومحالها ومشاريعها التجارية العملاقة؟ أم اشياء اخرى لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعالم البذخ والاسراف والبزنس؟ ثم ما هي الحاجة التي اقتضت ارفادها الان بنسخة أو بنسخ غير أصلية؟
إن كل ما تحدث عنه بالمقابل هو مكة أو مكات جديدة ستبنى من الصفر وعلى مساحات شاسعة تمتد وراء حدود مصر والاردن، فيما بات يعرف بمشروع القرن. والسؤال الاهم هنا هو كيف ستعيش مكة الاصلية جنبا الى جنب مع مكة المستحدثة، وهل إنه إذا كان ممكنا للشخص الواحد أن يحمل في جيبه هاتفين مختلفين واحدا تقليديا والآخر ذكيا، مثلما فعل ولي العهد السعودي في المؤتمر الاستثماري، وهو يشرح المشروع، فهل إنه بإمكان السعودية ان تكون بلدا واحدا داخل بلدين اثنين مختلفين ومتباعدين واحد أصولي والآخر حداثي؟ ألن تكون النتيجة بالنهاية مسخا غريبا يفقدها وجهها الطبيعي من دون أن تحصل بالمقابل على وجه جديد أكثر آدمية ونضارة؟ ألن تتكرر بطريقة اكثر مأساوية قصة الغراب الذي اراد ان يتعلم مشية الطاووس فعجز عنها ولم يستعد مشيته القديمة؟ ربما اعطى مشهد الإعلان عن حصول الروبوت «صوفيا» على أول جنسية وجواز سفر في العالم كثيرا أو قليلا من ذلك الانطباع.
ولكن ما وعد به الامير بن سلمان هو أن ترجع السعودية إلى «الاسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع الأديان» وألا تضيع الثلاثين سنة المقبلة في التعامل مع ما وصفها ببقايا التطرف التي ستزال على حد تأكيده في القريب. وكل ذلك الكلام الانشائي جيد وممتاز. غير ان المشكل يظل في التفصيل. فإذا لم يكن إسلام المملكة الحالي والسابق معتدلا ووسطيا ومنفتحا على الاديان، كما أقر الحاكم الفعلي للسعودية بنفسه، فكيف سيكون إسلامها المقبل؟ لن يستطيع الأمير ان يتنكر لميراث أجداده ولا يمكنه أيضا ان يمحو بكبسة زر أو بجرة قلم عادات وممارسات سياسية واجتماعية رسخت على مدى أكثر من ثمانين عاما من عمر المملكة، ولكن ما سيفعله على الأرجح هو انه سيدفع السعودية لتبنى اسلامين مختلفين تستمر فيهما مكة الاصلية بالعيش باسلامها المظهري المتشدد، وتعيش فيه مكة أو مكات اخرى اسلاما مغايرا خاليا من كل الضوابط والقيود المعروفة. إنه لن يقدم على ذلك لأنه رجل إصلاحي يحمل رؤية أو قراءة مقاصدية واجتهادية للاسلام، بل لأنه يريد ببساطة ان يمهد الطريق لاستقرار حكمه في المستقبل، بإظهار قدرته على التخلص من الرباط الذي قامت عليه المملكة، بين عائلة تحكم ومؤسسة دينية تبارك وتدعم، حتى لا يصبح للنظام أي شريك أو منافس محتمل على السلطة، ولو كان رمزيا وضعيفا وبلا أدنى صلاحية. وما سيحاول فعله هو أن يثبت أنه باستطاعته ان يدير الظهر لطاقم العلماء والشيوخ الذي ظل يهلل ويطبل لقرارات اسلافه وأن يستبدله بفريق عصري من الروبوتات الحديثة، التي لا تعرف شيئا عدا السمع والطاعة ولغة الحسابات والأرقام.
لكن هل سيكون ذلك مثمرا ومفيدا في حل ما يراه السعوديون مشاكلهم وقضاياهم الكبرى؟ هل سيضمن لهم ذلك تحقيق التحديث بالشكل الذي يرغبون، أي بتجميل المظهر الخارجي من دون المساس بالجوهر واللب؟ وهل سيسهم في تقويتهم أمام عدوهم الايراني، وسيجعلهم يحققون النصر في معاركهم في اليمن ومشاريعهم في العراق وسوريا وليبيا؟ إن المحدد الاساسي لذلك هو قدرة جبهتهم الداخلية على التماسك واستيعاب التغيرات المرتقبة، ثم نجاح السلطات في السيطرة في المهد على اي اختراقات قد تسمح لسبب أو لآخر بظهور موجة احتجاجات جارفة ومفاجئة. وهنا قد تكون المشاكل والأزمات التي يصفها المسؤولون السعوديون بالصغيرة والبسيطة «جدا جدا» من قبيل الأزمة الخليجية الأخيرة، أو وضع الحقوق والحريات هي القشة التي ستقصم ظهر نظامهم، في حال ما إذا تمادى في استسهالها وتجاهلها والتركيز فقط على ما يتصورها أزمات كبيرة «جدا جدا»!
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية