القعود على قمة الخلود

حجم الخط
5

أراد أحد الناقرين أن ينتقم لكافور الإخشيدي فأطلق على المتنبي بذيء الصفات، لائذا بما كتبه المرحوم طه حسين في الموضوع ذاته. وإذا كان طه حسين يعرف شروط الكتابة، فإن هذا النقار لا يعرف كيف يرسم الكلمات ولا يعرف معانيها. وإليك مفتتح مقالته التي نشرها، قبل أسابيع قليلة، في مجلة: (….)
(لربما أنّ ما أكتبه هنا، سوف يثير حفيضة المعجبين بالشاعر أبو الطيب المتنبي الذي لا يعرف هو أبوه ولا مَن خلفوه، لأن شعره يطغي معارضا للحداثة. هذا إذا كان حديثنا عن الشعر العمودي الغير متعدد ومتقطع القوافي). فكم غلطة وقع فيها هذا الناقر في هذه الجملة القصيرة فحسب؟ عدّوا على أصابع اليدين:
1 ـ الجمع الخطأ بين ربما، التي تفيد، غالبا، التقليل والاحتمال، وإنّ، التي تفيد التوكيد. وفتحها الكاتب خطأ. فهو يستهل جملته بالقول: لربما، أي: إن ما بعدها يحتمل الشيء ونقيضه، فقد يستنكره المعنيون، وقد يستسيغونه. ولكنه سرعان ما ينقلب على التقليل والاحتمال ليؤكد الكلام باستعمال إنّ.
ويمكن أن أقرّب لك الموضوع بمثال آخر. أنت ترى أوضاع العالم العربي متردية وتراها قد تكون مؤذنة بالمزيد من التردي، فلك أن تقول: ربّما ستؤدي هذه الأوضاع إلى انهيار أكثر خطورة. فإن أردت شيئا من التأكيد بضمن أسلوب (ربما) فلك أن تضع الماضي بدل المضارع: ربّما أدّت هذه الأوضاع إلى انهيار أكثر خطورة. وهذا الأسلوب لا يرتضي التوكيد بإنّ.
2 ـ قوله: بالشاعر أبو الطيب. ألم يكن الأصوب أن يقول: بالشاعر أبي الطيب، ويتجنب الرفع على الحكاية؟ هذا إذا كان يعرف إعراب الأسماء الستة وموضوع الحكاية ومواردها.
3 ـ قوله: لأن شعره يطغي معارضا للحداثة. من الضعف والتهافت بما لا يحسد عليهما.
4 ـ قوله: لا يعرف هو أبوه ولا مَن خلفوه. لا ضرورة للضمير هو، وأبوه خطا، وصوابه أباه. والعبارة أولا وأخيرا صدى لما قرره طه حسين.
– 5 قوله: حفيضة، خطأ وصحيحها بالظاء، حفيظة. والحفيظة: الغضب. ورأيتها بالضاد في بعض الصحف ودعايات الفضائيات. وهذه تطورات ثقافة الإعلام العربي ولا أرى إمكان تغييرها.
– 6 قال: تطغي، بالياء، وهذه لفظة لا أصل لها في اللغة، بل هي تطغى، من الفعل طغى يطغَى، بالألف المقصورة لا الياء المنقوصة. وفي التنزيل العزيز: (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى). وكذلك (كَلا إِنَّ الانسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَّآهُ اسْتَغْنَى).
7 ـ قوله: الغير متعدد ومتقطع القوافي. لا علاقة له بما قبله، إضافة إلى أنه خطأ فاحش، ولا معنى للجملة كلها. والصواب، على فرض صحة المعنى، أن يقول: غير المتعدّد، لأن الألف واللام لا تدخل على غير. والأمثلة كثيرة في التنزيل العزيز وكلام العرب.
8 ـ ومن جانب آخر فإن قوله: متعدد ومتقطع القوافي، اجتمع فيه مضافان إلى مضاف إليه واحد. وما ورد في التراث (بين ذراعي وجبهة الأسد) هو ضرورة شعر. والفصيح العالي بين ذراعي الأسد وجبهته. فصواب عبارته: متعدد القوافي ومتقطعها.
ثم ما معنى متقطع القوافي؟ لأننا ندري أن القصيدة إما أن تكون على قافية واحدة، وإما أن تنتقل إلى الموشح أو المخمّس، أو إلى غير ذلك من فنون العروض. وليس فيها ما يوصف بأنه متقطع القوافي. ولم يكتف بذلك، بل وصف أهل الحداثة، في آخر مقالته بأنهم جلسوا على قمة الخلود، فهل كان من الضروري أن يسيء إلى المتنبي ليصل بهم إلى الجلوس على تلك القمة؟
فهنيئا له ولهم ذلك الجلوس. ورحم الله المتنبي الذي كان يقرأ سفر الأيام حين قال:
رماني الدهرُ بالحساد حتى
فؤادي في غشاء من نبالِ/
فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ
تكسّرت النصالُ على النصالِ
ولله في خلقه شؤون.

٭ باحث وجامعي عراقي ـ لندن

القعود على قمة الخلود

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية