من الجدارة أن نكتب عن دراسة نقدية جادة ورصينة بقصد التنويه عنها والإشادة بها كمطلب نقدي ووظائفية لا يمارسها سوى من امتلك مؤهلات التشخيص والرصد بوصفهما فعلين نقديين ينطويان على القصد الواعي في التلقي والاستجابة للنصوص النقدية والتمكن من فحصها وتحليلها.
ولكي لا تكون الممارسة لهذين الفعلين أعني التشخيص والرصد، جزافية أو مجانية لا بد من سلسلة آليات تتخلل الإجراءات بما يجعل عملية الفحص النقدي موضوعية وعلمية.
أقول هذا وأنا بصدد المقدمة التي كتبها الروائي علي بدر لكتاب الأستاذ الدكتور شجاع العاني الموسوم «قراءات في الأدب والنقد» ولا خلاف أن المغامرة النقدية المتمثلة في تقديم كاتب ميدان اشتغاله التخييل، لناقد مسيرته مغمسة بحصافة النظر وعلمية الطرح ودقة التنظير وبراعة الإجراء ليست بالأمر اليسير، لا من ناحية لا مألوفية هذا النوع من التقديم؛ وإنما من زاوية ما اعترى هذه المقدمة من قفزات تنتقل من هنا إلى هناك، محتفية تارة وهدفها المؤلف الدكتور شجاع العاني وقد تكون القفزة تارة ثانية توجيهية هدفها قارئ الكتاب وثالثة تكون القفزة تعضيدية هدفها النص النقدي وتارة رابعة تكون استعراضية هدفها كاتب المقدمة نفسه.
وهذا ما يجعل المغامرة محفوفة بالمخاطر لأنها تموضع نفسها في شرك الاسقاطية التي هي أشرس أعداء النقد المتحري للعلمية والموضوعية لما في هذا الشرك من مطبات وهفوات ودهاليز ومزالق ومتاهات تواجه من يعتلي منصة النقد بجزاف ومغامرة.
وإذ تقف الفقرتان الافتتاحية والختامية للمقدمة عند الناقد د. شجاع العاني وتشيد بعطائه ومسيرته الجليلة وتجربته الفريدة والمميزة في عالم النقدية العراقية فإن المتبقي من تلك المقدمة سيتخذ مسارا يبحث في تاريخ النقد العراقي أولا ليقفز منه إلى الثقافة العربية ولينط منها اخرا إلى المشروع الغربي.
وكان حريا بالمقدمة أن تعطي لمؤلف الكتاب مساحة أوسع تختزل عبرها قدرات الناقد الباهرة وما انمازت به من الحدية والجاذبية والعلموية والحيادية ليكون واحدا ممن أسسوا للنقدية العراقية المعاصرة وبنوا دعائمها بصدق وإخلاص حقيقيين.
ولو تركنا مسألة الإشادة بالناقد التي هي أبين من أن تستعرضها مقدمة بصفحتين، وأنصع من أن يسلّط عليها نظر نقدي بسبب ما فيها من عطاء علمي غزير، فإننا سنتجه صوب الطرح الذي تضمنته سطور الصفحتين اللتين حوتهما المقدمة وقد بدا بعض من هذا الطرح اسقاطيا يتمنطق تارة ويتخندق أخرى بقفزات سياقية وثقافية، وكالآتي :
ما أدعاه المقدم من أن وعي د. شجاع المسبق في التأسيس للبنيوية والمزج بين مختلف المناهج ينم عن يوتوبية للاقتراب من روح النص. ومعلوم أن اليوتوبية تعني رسم صورة دنكشوتية للمثال الذي لن يتحقق والمفترض الحلمي الذي لن يتاح له أبدا التجسد على أرض الواقع إلا تخييلا. وهو ما لا تقبله المقايسة مع عطاء د. شجاع وما دشنه في نقوده التطبيقية من طروحات صارت في أغلبها بمثابة نصوص مؤسسة وريادية، ومؤلفاته تشير إلى حقيقة واحدة دامغة وهي أن العمل على إيجاد مقاربات منهجية وتنويعات نقدية أمر لم يغب عن بال الناقد، بل ظل حاضرا لديه بقصد جمالي ووازع واع وحصيف.
القفز من مجال التمثيل الذي موضوعه الناقد إلى المسيرة النقدية العراقية برمتها وعلى مدى قرن كامل لتبدو هذه المسيرة بحسب المقدم نتاج مشروع رومانطيقي سحري يوتوبي وهنا نتساءل هل كان النقد العراقي طيلة قرن يراوح في مكانه لتكون «النزعة الرومانطيقية حاضرة دون حدود»؟
القفز نحو النقد النصي وكيف جابه نوعا من الارتياب حتى كان «صيغة وحيدة ومطلقة في النقد العراقي الراهن ووصل النقد الذي جابهها إلى نتائج صادمة وفاضحة» ص6 وهنا نقول أليس من الطبيعي أن يواجه الجديد المنهجي صدا من ناقد وانبهارا عند آخر ليكون التجريب مفضيا في النهاية إلى التقعيد أو القاعدية؟ ألا يكون في الارتياب والمجابهة والصدم والفضح إصرار وقصدية تكون نتيجتها صيغة ليست فيها البنيوية هي المنهج النهائي سيما ان النقد الراهن ـ بالمفهوم الزمني الذي قصده المقدم ـ تجاوز البنيوية إلى منهجيات ما بعد نصية؟
قفزة اعتراضية تنسف ما تقدم ضاربة بالنقد النصي العراقي عرض الحائط قائلة: «لقد وقف النقد العراقي التقليدي أواسط الثمانينيات مندهشا أمام الموجة التي تجاوزته بما لا يقاس موجة النقد الجديد القادمة من بلدان المغرب العربي في شتى المجالات».
قفزة تنتقل من النقاد العراقيين إلى النخبة العراقية المثقفة لتبدو هذه النخبة في موضع الانجذاب والاستغراب ليس في العقد الذي تتناوله المقدمة وهو الثمانينيات وإنما ترتد بطفرة مارثونية لتصل إلى الربع الأول من القرن العشرين فيغدو المثقف العراقي متجذرا بالمضامين فهل هذا التحصيل مبني على وقوف بانورامي مؤرشف لدائرة التأليفات كلها أم انه مجرد إسقاط؟
قفزة تبحث في أسباب تأخر الثقافة العراقية في تبنيها للمقاربات الحديثة واعتبار ذلك استجابة لعوائق ابستمولوجية تخص نشأة هذه الثقافة أصلا. فهل هذا يعني أن تأسيسنا الثقافي كان باطلا بسبب معيقات معرفية اعترته؟ وكيف لم تقدر الانتلجينيسيا العراقية على مواجهته؟
القفز نحو الثقافة العربية هذه المرة بما يرسم صورة مركزية لها لكنها بالمقابل تُهمش للأسف الثقافة العراقية لنقرأ «في الواقع لم تكن بغداد يوما من الأيام واحدة من هذه المراكز المولدة للثقافة العربية إنما كانت تستقبل الثقافة القادمة من المراكز الثقافية العربية وتعيد إنتاجها بشكل ممتاز وهذه المراكز كانت على التعاقب القاهرة بيروت الرباط» ص8. القفز الفنتازي الذي يعلمنا أن النقد المصري ترك مركزيته للنقد اللبناني بسبب صعود الفكر القومي العربي ولهذا «وجد المثقفون أنفسهم في موقف مأزقي» ص9. ثم يتبع هذا الموقف بفضيحة عصر الأنوار التي تسبق عنده فلسفة عصر الأنوار، كيف؟ لا ندري.
القفزة إلى الثقافة المغربية وأن النقد المغربي هو الذي» أنعش بعض آليات النقد الانغلوسكسوني داخل الأكاديميات العراقية وبذر البذور الأولى لنشأة النقد البنيوي «ص9 ولو كان الأمر هكذا فلماذا إذن عدت كتب النقاد العراقيين في ميدان النقد البنيوي والسوسيونصية مراجع تدرّس في جامعات الجزائر والمغرب ككتب الأستاذ فاضل ثامر والدكتور شجاع العاني؟
إن هذا النسف لم يكن القصد منه تصوير حالة الاحتراز التي رافقت دخول البنيوية إلى المشهد النقدي فحسب بل التوسع به إلى المشهد الثقافي العراقي بدءا من مطلع القرن العشرين إلى ثمانينياته ليكون مربط الفرس وبيت القصيد هو أن مصر ولبنان والمغرب هي المراكز المولدة للثقافة التي منها أخذ النقد العراقي حركيته وعليها عول في تطوره. وكأن الناقد العراقي كان جالسا في الظل واضعا ساقا على ساق ومسندا راحة يده على خده، منتظرا من يجود عليه بنقد أدبي استوعب النقد الغربي وغربله وفلتره كفلسفات ونظريات ومنهجيات، ليتناوله هو لقمة سائغة على شاكلة المثل الشعبي (تنبل أبو رطبة).
لا غرو ما في هذا الطرح من شطب لتاريخ النقد العراقي من خلال تصويره كهامش ينتظر من المركز أن ينقل الثقافة إليه، وهنا نتساءل ألم يطور الناقد العراقي خطابه السوسيوثقافي فترجم وألف وحاز على منح وبعثات معيدا إنتاج ثقافة الآخر؟
وهل يعقل أن ناقدنا لم يصارع من أجل التأسيس للتنوير بقوة وإخلاص وأنه لم يدخل معتركات ممارسا التجريب في حقول نقدية تمظهر خلالها متفردا متطلعا إلى غايات جمالية؟
نحن لا نريد من المتصدي لتاريخ النقد العراقي الحديث أن يكون محتفيا أو ناسفا ولا أن يكون متحاملا أو متصاديا إلا بالحقائق الدامغة التي ليس بلوغها بالأمر اليسير لأنه لا بد أن يبنى على ببلوغرافيا شاملة لمجمل النتاج النقدي من نهايات القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا.
وهذا بالتأكيد عمل جمعي مهم ينبغي أن تستنفر له الطاقات البحثية العراقية وهو ما كنت قد طرحته كمشروع لأرشفة النقد العراقي وتحليله نقد نقديا في أكثر من مناسبة.
وليس عيبا أن يتأثر نقدنا بالآخر لكن المعيب هو القصور في تشخيص هذا التأثر الذي قد يوصلنا إلى تحصيل ادعاءات غير دقيقة من قبيل أن الثقافة العراقية ما كان لها مشروعها لأنها كانت تنتظر ما يترحل إليها من الثقافة الغربية بعد أن تفلتره الثقافة العربية والنتيجة أن» النقد في العراق برمته متأثر بهذا المشروع التحديثي» ص8.
وما هذا الشطب أو النسف إلا واهمية تتناسى أن نازك الملائكة من أوائل النقاد العرب الواعين للتحديث الشعري والنقدي وما كتابها» قضايا الشعر المعاصر» إلا محاولة أولى ريادية على درب البنيوية.
وإذا كانت القفزة الأولى قد انطلقت من الارتياب بالنقد العراقي والمثقفين العراقيين الذين كانوا «يتعرضون لإغراء اليوتوبيا والأسطورة الرومانطيقية التي ورثوها جيلا بعد جيل» ص10 فان آخر قفزة ستكون عند حقبة التسعينيات التي أنهت معاناة النقد البنيوي حسب علي بدر.
وكأن مشهدنا النقدي في هذه الحقبة وما قبلها لم يتجاوز البنيوية إلى المناهج ما بعد النصية ليكون سباقا في تبني التفكيكية والسيميائية والنقد الثقافي والتلقي ونظريات القراءة وغيرها.
وعود على بدء، فإن معاينة تجربة ناقد من نقادنا ينبغي أن تخضع لرؤية منهجية تجعل التقديم وحتى الإعداد والتحرير أفعالا نقدية متحصنة من الشطحات والإسقاطات والتهيؤات والخيالات، مع ابتغاء النظام والبعد عن الفوضى والمجانية. لأن ذلك هو الطريق للإلمام بكل شاردة وواردة عن تاريخ النقدية العراقية التي تضعنا أمام صورة مؤرشفة حازمة ودقيقة لها لا تنفذ إليها الانطباعات والمماحكات ولا تتسلل نحوها الاطلاقات والتعميمات الناسفة والمشوهة والمصادرة في عصر أهم سماته انه انفتاحي متعدد ومتنوع يفتت المتربوليات ويتعالى عليها في مختلف ميادين المعرفة الإنسانية.
٭ كاتبة من العراق
د. نادية هناوي