القفص

حجم الخط
2

لا يعرف كم لبث متجمدا فوق مقعده.. يوما أو بعض يوم. كان منهكا. الهواء قليل والقاعة داكنة. لون جدرانها يكاد يكون أسود بالكامل.. أزرق غامق، لكنه استحال إلى ظلام قاتم.
الصمت عميق وكثيف. لا شيء يتحرك. الرجال القاعدون من حوله مثل أصنام باردة. لا تتنفس. لا تتكلم. لم يسمع عبداوي صوتا، ولا آهة، ولا أنينا. الأفواه مغلقة، تبدو كأنها محشوة بالتراب. القاعة تعطي الإحساس بالاختناق. استغرب أن تكون ضيقة مثل قفص، بنوافذ مسيجة بالحديد تطل على حديقة قاحلة تحدها جدران أشبه ما تكون بجدران سجن قديم. تأملها في خوف وبلع ريقه وحرك شفتيه برفق. كان على يساره كهل عابس، رفع رأسه بسرعة ونظر إليه نظرة عتاب وتحذير وشهق.
ندم عبداوي على ما فعل، وخشي أن يخونه لسانه ويتلعثم أمام الضابط فيضجر منه ولا يسمع شكواه، وقد أمضى وقتا طويلا في انتظاره، لذا دون متاعبه باقتضاب في ورقة خال أنها ستنال رضاه وصمت. بعد دقائق تناهى إليه وقع حذاء يدنو من القاعة بإيقاع منتظم محسوب. تغير لونه، وسعل سعلة جافة وارتعش. وضع يده على صدره ليتحسس نبضات قلبه، ألفها مرتفعة، متسارعة، فانتفض من فرط الهلع وجعل يحدق يمينا وشمالا كأنه يستغيث بالرجال القاعدين حوله.
لم يبال به أحد.. كانوا غارقين في الصمت، لا يتنفسون كأنهم تحت الماء. ارتفع وقع الحذاء، ظل يرتفع شيئا فشيئا حتى غمر الممر المتجه نحو القاعة، فجأة انتصب الضابط أمامه فملأ قوامه الباب كاملا.. أسمر، متجعد الوجه، بشارب كث متدل، ونظارة سوداء تحجب عينيه، ومعطف فاتح اللون طويل يغطي ساقيه، خلع النظارة وعلقها فوق جبهته. جال ببصره على الرجال القاعدين واحدا واحدا. اصفروا ويبست شفاههم ولم يبق في وجوههم قطرة دم، تفرس فيهم وقد صاروا مثل زواحف محنطة، ثم التفت نحو عبداوي وأومأ له بأن يقف. انتفض بقوة حتى مالت القبعة فوق رأسه وهوت، التقطها بخفة متناهية قبل أن تقع على الأرض وجمع قدميه، تعرق ولم يمد يده إلى وجهه كي يجفف عرقه. سأله عما به فسحب من جيبه الورقة المكتوبة بخط أزرق أنيق ومدها إليه، تسلمها الضابط بحركة بطيئة وجعل يقرأها من دون أن يحرك شفتيه.
بعد ثوان هز رأسه وقال له باستخفاف:
□ كل هذا يا رجل، سبحان الله، أخذوا فاكهة حقلك وتركوا أرضك عارية حتى غزتها الأفاعي والعقارب؟
فرد عليه بثبات:
□ أجل سيدي، إنهم أربعة، أشداء، قساة، أنا رأيتهم يغادرون الحقل بسلالهم وقد تركوا الأشجار عارية. هكذا يفعلون دائما، ينتظرون في بيوتهم وأنا أعمل طول النهار، حتى إذا ما أتمرت الأشجار جاؤوا خفية مثل ذئاب متوحشة، وأخذوا بدون رحمة كل ما لدي من غلة واختفوا، من دون أن يتركوا أثرا.
□ ماذا كنت تفعل حينما تراهم؟
□ أنا لم أفعل شيئا، لم أشتم أحدا ولم أهجر حقلي.. أنا هنا، وسأبقى.. أزعجوني لكنني لن أترك الحقل أبدا.
□ ماذا تريد مني أن أفعل الآن؟
□ أن تنهاهم أو تعاقبهم، إفعل سيدي ولا تستحي من الحق.. تخيل معي..
نهره الضابط فتوقف، لم يفهم لماذا قاطعه، ومكث ينظر إليه مذهولا، رآه يفتح الورقة من جديد ويستغرق في قراءتها بتأن. القاعة صامتة، باردة، وعبداوي يبدو مثلما لو أنه ولد هنا وشاخ. كان منزعجا يراقب الضابط بارتياب، قد يغضب فيركل الحائط بقدمه ويصهل في وجهه، ثم يدعوه دونما حياء إلى أن ينهض حالا ويعد له فنجان قهوة، أو يجفف أرض القاعة حتى تصير لامعة. لاح على وجهه إحساس بالفزع، لكنه كتم أنفاسه وسكن تماما حتى غدا كأنه بدون روح. بعد لحظات رفع الضابط عينيه وقوس حاجبيه كما لو أنه أدرك سرا غريبا، وتأمل وجه عبداوي طويلا. ضئيل وعيناه تغشاهما كآبة عميقة. كان مرهقا، لكنه لا يتهاون في أن يبدو متماسكا.
ثم وضع يده على كتفه وقال:
□ لا تقلق، سأعالج هذا الأمر قريبا..
سطع نور مباغت في عيني عبداوي، لكنه سرعان ما تلاشى وعادت إليه الكآبة التي اعتادها وهو يرد بصوت مهموس:
□ كما ترى سيدي.
أمال الضابط رأسه وسأله:
□ ما علينا، هل ستكون مرتاحا إذا أنا ألقيت عليهم القبض، وأدخلتهم السجن، هؤلاء الأربعة الذين أفسدوا حقلك وراحتك؟ أظن أن ذلك سيرضيك.
□ آه.. كن على يقين أنني سأكون راضيا إذا هم لم يقطفوا الفاكهة بعد اليوم، لكنني بكل تأكيد لن أنسى ما حدث.
رفع الضابط بصره كأنما سمع تهديدا يأتيه من السماء، مكث منقبضا لثوان، ثم نظر إلى عبداوي وتساءل عما خطر بباله، وفي الحين أفشى عبداوي سره، فأخبره بعفوية أن أشجار الحقل كانت تتعرى عاما بعد عام، يأتيها اللصوص ليلا ويلوون أغصانها، وهو لم ييأس أو يبتعد عنها، بل ظل قريبا، لا يفارقها، يلهج باسمها كل ساعة، يبثها شكواه، ويناجيها سرا وعلنا كما يناجي العشاق نجوم السماء، ولم يهجرها حتى حينما صارت سقيمة وقلت ثمارها.. وتنهد. كان صوته هادئا ناعما على نحو أثار استغراب الضابط فبرقت عيناه وسأله:
□ هل بالفعل لن تنسى ما حدث يا رجل؟
أجابه بلا تردد:
□ أمثالي لا يمزحون.
عض على شفتيه وقال بنبرة قاسية:
□ لسانك ذميم وحارق، لذلك فإنك تستحق العقاب.
ثم أضاف آمرا:
□ الزم مكانك، وعندما أدعوك أحضر بسرعة ولا تتأخر ثانية واحدة.
نظر إلى جاره نظرة لاح معها كما لو أنه يسأله عما أعد له الضابط، قبرا في الخلاء لا يعرفه أحد، أم رصاصة تنقله في صمت إلى دار البقاء. كان أشبه ما يكون بطائر مقيد. تراجع الضابط خطوات ووقف يتأمله بازدراء، ثم هز كتفيه واستدار نحو مكتبه والورقة بين أصابعه. سمعه يزفر فلعنه، وتوعده بيوم أسود يقطع فيه لسانه حتى لا يسمع صوته أحد، ثم تابع سيره إلى مكتبه، ولما قعد ألقى على الورقة نظرة أخيرة ونفخ في الهواء بامتعاض، ثم ضغط على زر صندوق آلي كان قرب قدميه، ففتح الصندوق فمه وابتلع الورقة كما تبتلع النار الحطب.

قاص من المغرب

محمد غرناط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية