القلمون و«التنابز بالباصات» بين الجهاديين

حجم الخط
6

«نحن الجهاديون لم ولن تجمعنا إلا السجون»، إحدى العبارات التي يرددها بعض ابناء الحركة الجهادية الذين عركتهم النزاعات والصدامات الداخلية بين تنظيماتهم، قبل أن تفضي في كل مرة لاقتتالهم وانكسارهم جميعا.
وقد عاد أحدهم لذكر هذه العبارة مجددا، تعليقا على النهاية التي آلت إليها تجربة ثلاث سنوات من النزاع المسلح بين «النصرة» وتنظيم «الدولة» في أعالي جرود القلمون، رغم أنهما محاصران من عدو مشترك هو «حزب الله» وقوات النظام السوري، وبعد أن أنفق التنظيمان جهدهما لعدة أشهر في معارك خسروا جراءها العشرات من مقاتليهم المحدودي العدد أصلا بالجبال المحاصرة. وبعد أن انشق عن كل جماعة عدد من شرعييها وانضم للأخرى وعاد ليهاجم جماعته كالشرعي ابو الوليد المقدسي، بعد كل هذا، «جنحوا للسلم»،  لكن ليس بين فصيليهما، بل مع حزب الله والنظام السوري، في مفارقة كثيرا ما تتكرر بين الفصائل السنية، وكثيرا ما يستحضر المراقبون بشأنها الآية الكريمة «بأسهم بينهم شديد»، خصوصا بعد انسحاب تنظيم «الدولة» من القلمون بـ»الباصات البيض» بعد تفاوض مع حزب الله، وتسوية لطالما رفض التنظيم الأصولي اللجوء إليها، وسخر وهاجم وشنع على شقيقه اللدود «النصرة» عندما انسحب قبله بايام بـ»الباصات الخضر» بالطريقة نفسها لكن نحو إدلب.
خلاصة القول، إن العداء بين التنظيمات الجهادية، بل بين من كانوا يوما عناصر في تنظيم واحد، بلغ كما في كل مرة، مستوى العداء الذي لا رجعة عنه، ودفع كل جماعة منهم لتكفير وإقصاء الآخر، والسعي لتخطئة ممارسات المنافسين في عيون الجمهور، رغبة في المماحكة والتشويه باستخدام المرجعية الدينية والنصوص الشرعية، وزجها في مسائل التنازع الحزبي العصبوي، بهدف شرعنة موقفهم، بينما كل منهم كان ينتقي من النصوص  والأحكام ما يناسب هواه ويهمل غيرها، ويستنبط بقياس الحاضر وإطلاقه على ما كان مقيدا بظرف وسياق الماضي، وهكذا  فعل تنظيم «الدولة»، الذي كان ينتقد باستمرار عمليات التفاوض التي تلجأ لها «النصرة» لإخراج مقاتليها من مواقع تم حصارهم فيها كالزبداني وريف دمشق، مقابل إخراج من استخدمهم النصرة كرهائن، وهم شيعة كفريا والفوعة، والحصول على تهدئة وتخفيف للاعمال العسكرية على إدلب، وهي تسوية نظر لها الكثير من المراقبين بانها ناجعة، وعندما واجه التنظيم واقعا عسكريا مشابها اضطر اخيرا لتسويات كهذه، رغم أنه سبق أن لجأ لمفاوضات كهذه، ولكن بشكل محدود وسري ومن دون اعلان، عندما انسحب مقاتلوه من منبج بممرر آمن من القوى الكردية المسلحة.
وبلا شك أن الواقع العسكري المتراجع لتنظيم «الدولة»، يجعل هذه التسوية اكثر مناسبة لمصالحه، من خلال إنقاذ مئات المقاتلين من مصير محتوم ومعركة خاسرة وجلبهم لجبهة دير الزور، التي ما زالت إمكانيات المواجهة فيها قائمة، رغم مآلها المشابه وإن بعد حين، وكذلك إنقاذ عائلاتهم من مواجهة القصف والجوع والتشريد، كما حصل في كل المعارك السابقة، وكما يسعى حاليا لإخراج العائلات من بلدة عقيربات الصحراوية شرق حماة، ولكن الاسئلة الصعبة والانتقادات اللاذعة من السكان السنة في المناطق المنكوبة ستلاحق التنظيم بلا هوادة، فلماذا منع مدنيي الموصل مثلا من الخروج، وسمح لعائلات مناطق اخرى بالنزوح؟ وكيف كان هذا القرار بالموصل موافق لـ»شرع الله» وكان نقيضه كذلك بالقلمون موافقا لشرع الله، وعبر التفاوض مع حزب الله؟ 
ستعيد هذه الأحداث والمفارقات، طرح تساؤلات وانتقادات حادة بوجه الفصائل الحزبية الاسلاموية عن كيفية توظيفها واستخدامها  للمقدس الديني في تبرير دوافعها السياسية غير المقدسة. وطبعا ظهر هناك من يعيد اسطوانة ارتباط «داعش» بالنظام وبحزب الله، كما يردد بعض جمهور المعارضة المسلحة، وبالتحالف الدولي كما يردد انصار النظام وحزب الله، وهي مقولات سرعان ما تنتشر بين الجمهور المغرم كالعادة بالمؤامرات، من دون وضع كل حدث في سياقه الطبيعي، واللافت أن معظم الرأي العام اللبناني كان ايضا شديد الغضب والامتعاض من هذه التسوية، باعتبارها اطلقت أعداء خطيرين من دون القضاء عليهم، وكأن هؤلاء اللبنانيون لا يعرفون شيئا عن تسويات ومفاوضات القوى المسلحة بالحرب الاهلية اللبنانية، كمثال على التسويات في نزاعات كهذه، أو كأنهم يعتقدون أن الهدف الاساسي للعمل العسكري هو الثأر والانتقام اكثر من السيطرة على الارض كهدف رئيسي، ولعل العامل المشترك في تعليقات انصار الاطراف المختلفة، هو عدم ادراك طبائع وفصول النزاع العسكري، وسنن الحروب، فهذه التسويات والمفاوضات كثيرا ما تحدث في إحدى مراحل المواجهة العسكرية، وهي بالنهاية تترجم موازين القوى على الارض، التي ستؤول اليها عاجلا او اجلا، مآلات المواجهة سواء بالحسم العسكري، او بالتفاوض الذي يقطف في النهاية، ثمار الجهد العسكري وان قبل العملية الحاسمة.  
وبلا شك ان تحقيق هدف السيطرة على الارض من دون خسائر من قبل القوة المهاجمة هو مكسب كبير، لذلك لم يفوت حزب الله والنظام السوري تحقيق هذا المكسب مع عدو عنيد سيقاتل حتى الموت، إذا لم ينسحب ويكبد القوات المهاجمة الكثير من الضحايا، خاصة أن وجود رهائن كجثث الجنود اللبنانيين الذين اخفاهم التنظيم، لوقت كهذا، كان ورقة قوة بيده، ارغمت حتى النظام السوري على قبول هذه التسوية لدرجة ان نصر الله اضطر كما قال للقاء الاسد شخصيا لاقناعه بإتمام التسوية. 
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

القلمون و«التنابز بالباصات» بين الجهاديين

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية