كان انعقاد القمة العربية في البحر الميت غربي عمان مناسبة لتذكر رواية كتبها الروائي الأردني المعروف مؤنس الرزاز «أحياء في البحر الميت»، وتعتبر من الأعمال الريادية في الرواية العربية وعلمت مرحلة مهمة من حياة الكاتب الذي رحل سريعا عام 2002. وتتحدث في مجملها عن شخصية بطل غائب عن الوعي يستجدي القارئ الانتباه إلى تجربته السياسية الفاشلة. ولا أعتقد أن أيا من الملوك والرؤساء قرأ رواية الرزاز أو عرف بها، مع أنني لا أقطع بهذا إلا أن أيا منهم لم يطلب منا فهم طبيعة الفشل العربي والمأساة التي تعم العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. وقد كان لافتا اجتماع الزعماء العرب في أدنى نقطة على وجه الأرض وتحدثوا عن «الوفاق» وتفعيل المبادرة العربية للسلام في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعلن عن مراحل جديدة من الاستيطان في غور الأردن.
وفاق وخلاف
وبعيدا عن الرواية، شهودها وشواهدها وأبطالها. فقد تميزت قمة العرب في الأردن بحضور لافت للزعماء العرب وممثلي الهيئات الدولية. وبدأت أعمالها يوم الأربعاء 29 آذار(مارس) 2017 كما انتهت بعد يوم بخطابات وبيان ختامي جاء على كل القضايا التي تعيشها المنطقة العربية من التأكيد على حل الدولتين ومقايضة الأرض بالتطبيع الشامل مع إسرائيل إلى سوريا والعراق واليمن حيث شجب الزعماء العرب التدخل التركي في شمال العراق وطالبوا أنقرة بسحب قواتها من هناك وكذا شجبوا التدخل الإيراني في شؤون الدول العربية، سوريا واليمن والعراق وأكدوا على حل المسألة اليمنية ضمن ما طرحته المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني. ورغم الجو الوفاقي إلا أن القمة لم تخل من مشاهد أثارت انتباه المراقب العربي وذكرته أن القادة العرب لا يتوافقون بالكامل، وتذكروا الخلافات والمماحكات العربية عندما خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والوفد المرافق له من قاعة المؤتمر أثناء إلقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني كلمته. وفي زمن غاب فيه «سيرك» القذافي عن القمم العربية تبوأت مواقع التواصل الاجتماعي المكانة حيث راقبت حركات وسكنات المشاركين في الجلسات. والتقطت الكاميرا صورا لزعماء كانوا متعبين فناموا أثناء القاء كلمات زملائهم. ومنهم الرئيس الفلسطيني والجيبوتي واليمني وأمير دولة الكويت. ولاحظ موقع «بازفيد» أن عادة النوم في القمة العربية قديمة وحاضرة في كل القمم السابقة.
شبح ترامب
وتحظى القمة العربية الأخيرة بأهمية خاصة إذ أنها جاءت في ظل تغير الإدارة الأمريكية ووصول الرئيس دونالد ترامب الذي قلب في 15 شباط (فبراير) معادلة الشرق الأوسط عندما أكد أنه لم يعد يهتم لا بحل الدولتين، الدولة الواحدة أو لا حل، فهو مع ما يتوافق عليه الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في تخل واضح عن مواقف الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه والتزموا بهذه الصيغة مع أن أفعالهم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن ظلت داعمة لإسرائيل. ولا أظهر من تغير المزاج في واشنطن لصالح إسرائيل وجذل اليمين المتطرف فيها من تصريحات نيكي هايلي، مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة التي تحدثت أمام أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة (إيباك) أنها جاهزة لضرب نقاد إسرائيل بكعبها العالي. ورغم تأكيد البيان النهائي على حل الدولتين والقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية في رد على تعهد ترامب أثناء حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إلا أن البيان الختامي لن يغير من واقع الأمر شيئا، فرغم تراجع الحديث عن نقل السفارة أثناء زيارة نتنياهو في شباط (فبراير) إلا أن مصادقة الكونغرس على تعيين ديفيد فريدمان، محامي قضايا الإفلاس والمؤيد المتحمس للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ستحيي الآمال بتفعيل الملف من جديد. وفي تصريحات لمايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية- الإسرائيلية «أيباك» قال فيها إن بلاده تدرس «بجدية» نقل السفارة إلى القدس. وعليه فتأكيدات القادة العرب شيء وتأثيرهم على القرار الأمريكي شيء آخر. وعلق مراسل صحيفة «واشنطن بوست»(29/3/2017) قائلا: «يأتي اجتماع الجامعة العربية في ظل حالة إحباط في كل أنحاء العالم العربي من عجز القادة الذين قسمتهم السياسة والجغرافيا والطائفة عن حل النزاعات الدموية وتحقيق الاستقرار للاقتصاديات المترنحة وتخفيض نسب البطالة بين الشباب. وتنقسم الدول العربية حول الطريقة لحل ملفات اليمن وسوريا وليبيا. ولخص أيمن الصفدي، وزير الخارجية الأردني الحال بالقول «إنه واقع صعب نعيش فيه» و «هناك تحديات عدة تواجهنا، استمرار الاحتلال والأزمة في سوريا وليبيا واليمن والتي أدت لتراجع ثقة الشعوب بقادتهم». ومع كل هذا تقول الصحيفة «من غير المحتمل أن تظهر مبادرة جدية لإنهاء أكثر النزاعات الدموية في المنطقة – الحرب الأهلية السورية. خاصة في ظل انقسام القادة العرب حول بقاء أو خروج بشار الأسد. وقد سمح الإنقسام العربي لكل من روسيا وتركيا وإيران للعب دور كبير في النزاع». وجاء الموقف الأمريكي الأخير على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض الذي دعا إلى القبول «بواقع» وجود الأسد. وجاءت تصريحاته بعد هايلي مندوبة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة وبهذا توضح الموقف الأمريكي ويتسق بالضرورة مع تأكيدات ترامب منذ وصوله للحكم وأن أولوية إدارته هي «سحق» تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا. لكل هذا شاهدنا التصعيد في كل من الموصل والرقة وزيادة أعداد القتلى من المدنيين وكذا في اليمن التي شهدت حملات جوية خلال الشهر الماضي، 41 غارة تعدل ما قامت به إدارة باراك أوباما في كل العام الماضي.
غير مرتب
ومع أن القمة العربية شهدت لقاء «غير مرتب» بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس السيسي إلا ان الخلافات بين البلدين في الملفين الرئيسين: سوريا واليمن ستظل عائقا أمام تقدم حقيقي في ظل تباين مصري- سعودي فيهما. ففي الوقت الذي تدعم فيه السعودية جهود المعارضة السورية للإطاحة بنظام الأسد تبنت مصر موقفا أقرب للنظام وسط تقارير عن وجود قوات وأسلحة مصرية في سوريا. أما في الملف اليمني فالسعودية غير راضية عن المشاركة المصرية في الحملة التي تقودها الرياض ضد المتمردين الحوثيين. وعلى العموم نجحت القمة في تأكيد مفهوم «الوفاق» رغم غياب العاهل المغربي محمد السادس وولي العهد الإماراتي الشيخ محمد بن زايد. وغابت عن القمة سوريا المعلقة عضويتها منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. وستبدأ هذا الشهر رحلة الحج إلى واشنطن حيث سيجتمع كل من السيسي والملك عبدالله الثاني ومحمود عباس مع الرئيس ترامب. وكان العاهل الأردني قابل ترامب في الشهر الماضي قبل زيارة نتنياهو وستكون فرصة لهؤلاء الزعماء لنقل وجهات النظر التي دارت في القمة إلى الرئيس الأمريكي الذي بدأت ملامح سياسته الخارجية تظهر من خلال ما يقول محللون دعم الحلفاء التقليديين لمواجهة الخطر الإيراني. ويشيرون لليمن وسماحه ببيع السلاح مقاتلات أف-16 للبحرين رغم معارضة منظمات حقوق الإنسان. وفي مقال كتبه أنتوني كوردسمان من معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية حدد فيه ملامح الخطر الإيراني «توسيع النفوذ في العراق وسوريا واليمن والتأثير على الشيعة في دول الخليج واليمن وتسعى لتهديد الملاحة الدولية في باب المندب وتطوير قدراتها الصاروخية» ومن هنا فاحتواء التأثير الإيراني يحتاج كما يقول كوردسمان إلى استراتيجية طويلة الأمد خاصة أن تحديات الولايات المتحدة لا تنبع فقط من إيران وحدها بل وروسيا.
المبادرة العربية لتفعيل السلام
والمهم في القمة أنها لم تتخل عن مسار القمم الأخرى من ناحية تأكيد الالتزام بالقضية الفلسطينية أيا كانت طبيعته وشكله. ومن هنا جاء طرح المبادرة العربية كرد كما يقول غسان الخطيب المحاضر في العلوم السياسية في جامعة بيرزيت على دعوة نتنياهو من أن السلام مع الفلسطينيين يتطلب مبادرة إقليمية أوسع. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عنه قوله إن نتنياهو «يعتقد أن إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المعتدلة ستجعل من تحقيق السلام مع الفلسطينيين أسهل». وقال إن تأكيد الدول العربية التزامها بالسلام هي رسالة موجهة لترامب أيضا الذي تحدث عن توسيع دائرة المشاركين في العملية السلمية، خاصة الدول العربية مثل السعودية ومصر. ويرى إفرايم إنبار، من مركز بيغن- السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان في تصريحات لـ «واشنطن بوست» ان «الدول العربية مستعدة لمناقشة الخطة فهناك شيء يمكن الحديث حوله». مضيفا «حتى هذا الوقت ظلت المبادرة السعودية أمرا تقبله أو ترفضه، ولم تكن إسرائيل مستعدة لنقاشها» و «نتنياهو مستعد لنقاشها حال عبر السعوديون عن الجلوس على الطاولة». ومشكلة العرب مع القضية الفلسطينية وعندما يكونون محاورين مع الأمريكيين تظل متعلقة بالمصداقية والمشاكل الداخلية التي تعاني كل دولة منها. ففي مواجهة السياسة الأمريكية يضطر الطرف العربي أيا كان لحماية مصالحه المهددة عوضا عن البحث عن وسائل للدفاع عن القضية الفلسطينية. وعبر المؤرخ الفلسطيني رشيد الخالدي في كتابه «عرابو الخداع» عن هذه المسألة وكيف توقفت الإدارات الأمريكية منذ هاري ترومان عن التعامل مع «وديعة» أيزنهاور والتي كانت ثمرة لقائه مع الملك عبد العزيز بن سعود. وطلب الأخير من محاوره الأمريكي أن يكون للعرب رأي فيما يجري للعرب الفلسطينيين وقضيتهم. إلا أن ترومان تجاوز العهد لأسباب تتعلق بالسياسة المحلية وتأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل واشكاليات الشرعية التي يعاني منها الحكام العرب وضعف مواقفهم عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية علاوة عن خلافاتهم المستمرة.
ومن هنا ورغم الجو التوافقي الذي تم قياسه بعدد الحاضرين فالقمة الـ28 للجامعة العربية لم تختلف في رمزيتها ونبرتها عن القمم الأخرى. فالخلافات العربية- العربية لا تزال قائمة وفقد الشارع العربي الأمل بقدرة زعمائهم على «رأب» الصدع و«التعاون» وتحقيق «الحل العادل» للفلسطينيين. وهي كلمات فقدت معناها وسط حمام الدم الدائر في سوريا واليمن والعراق وليبيا وتغول الجرافة الإسرائيلية التي تأكل يوميا أراضي دولة الفلسطينيين. ولا يبقى إلا البحر الميت الذي لا تحتمل ملوحته الأسماك ولا يغرق فيه أحد إلا نادرا.
إبراهيم درويش