ناقش الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان خلال مباحثاتهما في 29 ايلول/سبتمبر الماضي مناطق تخفيف التصعيد في سوريا. وأعلن أردوغان حينها ان قوات بلاده ستدخل قريبا إلى محافظة إدلب، وان تلك الوحدات تقف في حالة تأهب على الحدود بين البلدين، وستتحرك وفقا للخطة التي ناقشها مع رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين في 29 ايلول/سبتمبر.
وفقا للخطة التي جاءت تفاصيلها على لسان الرئيس التركي، فقد تم تحديد مناطق تخفيف التصعيد حيث سيجري نشر المراقبين. وسترابط القوات التركية داخل إدلب، وتكون القوات الروسية خارجها. وكان الرئيس أردوغان قد كشف عن ذلك للصحافيين الذين رافقوه في الطائرة التي عادت به من إيران بعد زيارة عمل.
وقال رئيس وزراء تركيا بن علي يلدرم ان بلاده تنسق تحركاتها في محافظة إدلب مع روسيا الاتحادية، وأضاف «نحن نوفر الأمن في إدلب» مؤكدا ان تركيا تعمل مع روسيا الاتحادية في هذه القضية. ونعيد إلى الذاكرة ان الناطق الصحافي باسم الرئيس التركي ابراهيم كالين، لم يستبعد في تصريح له في حزيران/يونيو الماضي نشر الوحدات العسكرية الروسية والتركية في إدلب. وأعلن كالين في بداية تشرين الأول/اكتوبر الجاري ان تركيا تجري مع الجانبين الروسي والإيراني مباحثات مكثقة بشأن إدلب. ويشارك في المباحثات ممثلو وزارة الخارجية وهيئة الأركان وأجهزة المخابرات، وانها تركز على كيفية تطبيق اتفاقية خفض التصعيد في إدلب. وجدد تأكيد الرئيس أردوغان على ان القوات التركية سترابط داخل حدود منطقة خفض التصعيد والقوات الروسية خارج المنطقة.
ووفقا للمصادر الروسية فان مقاتلي «جبهة تحرير الشام» جبهة «النصرة» سابقا، يسيطرون على جزء كبير من محافظة إدلب، بيد انه لم تجر أعمال قتالية حتى وقت قريب، لأن المقاتلين المتشددين وفقا للتفسيرات الروسية وبمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها تمكنوا من الاختباء وراء ظهر «المعارضة السورية» المعتدلة، ومع ذلك تم تشكيل منطقة تخفيف التصعيد. لكن مقاتلي تحرير الشام حاولوا القيام بالهجوم في جنوب منطقة تخفيف التصعيد في إدلب باتجاه حماة. وتكلل الهجوم في الساعات، الأولى بالنجاح حيث اعتمدوا المباغتة وقطعوا الطريق على قوات النظام السوري، بيد ان القوة الجوية الروسية تدخلت وتمكنت من تصفية قدرات المهاجمين، وهيأت لقوات النظام إحباط الهجوم والعودة إلى مواقعها السابقة. وعلى خلفية ذلك بدأت القوات التركية في الثامن من الشهر الجاري العملية الرامية للسيطرة على إدلب.
تناقض التقييمات
وتباينت قراءات مراكز التحليل الإخباري في موسكو حول مضامين وآفاق العملية التركية في إدلب المدعومة روسيا، بين متفائل ومتشائم. وضمن هذا السياق قال مدير معهد الدراسات الاستراتيجية دمتري يغورتشينكو في حديث مع «الوكالة الفدرالية للأنباء» ان العملية التركية الخاصة جاءت ضمن أُطر الاتفاق الثلاثي الذي تم التوصل له في أستانا الكازاخستانية خلال الجولة الأخيرة للمفاوضات بين ممثلي النظام والمعارضة السورية برعاية الثلاثي روسيا وتركيا وإيران، التي اتفقت على ان تأخذ على عاتقها ضمان أمن سوريا.
وأوضح يغورتشينكو، ان الكلام دار في أستانا عن ان القوات التركية ستتحرك على الأرض، بتغطية من القوة الجوية الروسية. وفي رأيه ان هذه العملية تتيح حل القضية المتعلقة بتواجد من وصفها بالمنظمات الإرهابية في إدلب. وفي حديثه عن اختلاط الأوراق في محافظة إدلب أشار إلى «ان تركيا بالطبع تدعم المعارضة السورية، والجيش السوري الحر» وان هذا الدعم ما زال قائما بصورة جزئية. ومن ناحية ثانية فان عددا كبيرا من مقاتلي تحرير الشام احتشدوا في إدلب، فضلا عن بقاء مقاتلي الدولة الإسلامية هناك» لذلك «فإن على طرف ما شن الحرب ضد هذه الفصائل». وكان الرئيس التركي أردوغان قد أشار عشية العملية العسكرية، ان تركيا تتعاون مع المعارضة «جيش سوريا الحر» من أجل إقامة ظروف آمنة في إدلب على أساس الاتفاقية التي تم التوصل لها مع روسيا وإيران.
ويرصد محللون عسكريون ان تركيا ستصر على ان تكون لها أفضليات في ما بعد تسوية النزاع في سوريا، باعتبارها بلدا شارك في هزيمة الإرهابيين.
وعلى حد قراءة رئيس الملف السياسي في «مركز دراسة تركيا المعاصرة» يوري مافاشيف، فإن الخطة التركية الروسية بفرض السيطرة على إدلب لن يكتب لها الدخول إلى حيز التنفيذ. وتسائل خبير الشؤون التركية في حديث صحافي «ما سيترتب في الواقع الفعلي؟ انه سؤال كبير. وما العمل مع 28 ألف مقائل مدججين بالسلاح؟ فضلا عن ان هناك عددا غفيرا من السكان المدنيين. ولو لم يتواجدوا هناك لكان في الإمكان الانتهاء من تواجد المقاتلين إلى الأبد».
وذهب مافاشيف إلى ان العملية العسكرية التي من المحتمل ان توقع الضحايا والإصابات بين المدنيين ستثير من دون شك ردود فعل سلبية صاخبة من قبل الغرب ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. موضحا ان تركيا لا تمتلك نفوذا هناك. وحتى روسيا مضطرة للذهاب إلى أبعد الحدود مشيرا إلى تصريح وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف الذي قال ان بلاده مستعدة لدعم قوى المسلحين وحتى المقاتلين الذين يقفون ضد هيئة تحرير الشام. وعلى تعبير مافاشيف «أننا مع الأتراك من هذه الناحية في قارب واحد».
ووفقا لقراءة «معهد الشرق الأوسط» في موسكو فإن سبب قيام تركيا بعملية الدخول إلى إدلب يعود إلى خشيتها من ان الأكراد سيتقدمون من عفرين إلى إدلب وفي المحصلة إلى البحر المتوسط. نظرا لأن مثل هذا التطور سيوفر ليس فقد لأكراد سوريا وانما العراق أيضا، منفذا إلى البحر. فبخلاف ذلك ستبقى كردستان السورية والعراقية حتى في حال ان صارتا دولتان مستقلتان، تتبعان إلى الجيران (تركيا وإيران). لذلك فإن منع حصول الأكراد على منذ إلى البحر يدخل ضمن أولويات أنقرة حيث ان القضية تتعلق بأمن تركيا الوطني.
ويشير التحليل نفسه إلى ان تركيا تريد دخول إدلب من أجل زيادة مساهمتها في مكافحة الإرهاب، وفي الدرجة الأولى ضد «جبهة النصرة» التي تقول انها موالية لإحدى دول المنطقة، وكذلك من أجل تعزيز موقع أنقرة في سوريا بعد تسوية النزاع وبكل ما يجر ذلك خلفه من آثار. إلى ذلك فإن أنقرة تسعى إلى تقوية مواقع المعارضة السورية وفي الدرجة الأولى الموالية لها. كذلك تريد استكمال بناء «سد الصداقة» الذي بدأت سوريا وتركيا في إقامته على نهر العاصي، وباشرت في بنائه في شباط/فبراير 2011 أي قبل شهر من اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد. كذلك تضع من بين أهدافها بالدخول إلى إدلب حماية التركمان السوريين الذين دعوا في نيسان/أبريل الماضي، إلى إقامة منطقة آمنة في إدلب ذات الأهمية الاستراتيجية. وتخطط تركيا لأن تبقى إدلب بعد تسوية النزاع في سوريا تحت سيطرة جيش سوريا الحر أو التركمان. إضافة إلى ذلك فإن أردوغان وحزب العدالة والتنمية في حاجة إلى تحقيق نصر عسكري صغير لتحسين صورته السياسية. وحسب التحليل فان أردوغان في حاجة ماسة الآن إلى مثل هذا النصر لأن إجراء الاستفتاء في كردستان انعكس سلبا على صورة الرئيس التركي داخل البلاد نظرا لأنه في المحصلة لم يتمكن من منع إجرائه.
فالح الحمراني