القوة كرافعة للحل

حجم الخط
0

في الوقت الذي ألغى فيه ترامب الاتفاق النووي مع إيران واستأنف العقوبات ضدها، بدأت الجماهير الإيرانية تهيج وتهدد بقاء نظام آيات الله. كما أن الأمريكيين نسقوا زيادة إنتاج النفط، ولا سيما في السعودية، لعلمهم أن هبوط أسعار النفط سيضر بالاقتصاد الإيراني، وأن الشعب الإيراني الذي يعاني سيضغط على النظام.
رغم ذلك، لم تسمع في الولايات المتحدة «احتجاجات إنسانية» ضد الخطوات، وكذلك على عدم الأخلاقية الممثلة بالعقاب الجماعي لدولة الإرهاب الشيعية. هذا أمر التاريخ: الشعب الذي انتخب الطغاة هو الذي يسقطهم. هذه الاستراتيجية القديمة تنجح تمامًا، فالمتظاهرون في «إيران المحاصرة» يطالبون بإعادة المال من غزة ومن لبنان إلى فقراء إيران. وحالياً، لا تسمع في عالمنا المزدوج الأخلاق أصواتًا «إنسانية» تجاه إيران ومواطنيها المساكين، مثل أصوات العبث التي تنطلق في مطارحنا في ضوء «الحصار» على المواطنين الذين انتخبوا حماس في غزة بنمط «إذا كان ثمة خير للشعب في غزة، فسيتوقف الإرهاب»، ثم تعالوا نوفر لهم الكهرباء، والإسمنت، والميناء، والطيبات، والعمل في إسرائيل، والغذاء «من فوق رأس الحماسيين»، مع العلم أنهم يستغلون هذه السخافة لغرض تعزيز القوة والتسلح.
الله وحده يعرف من أين يستمد من يتخذون هذه الحجة السخيفة منطقهم؛ فعمليًا لا احتلال ولا حصار، شاحنات بالآلاف تدخل إلى القطاع محملة بالخيرات التي يمكن أن تجعله سنغافورة مزدهرة. عمليًا، أصبح «الاحتلال» بالذات رافعة تعزيز لجلادين، وحقول إسرائيل المحروقة وحياة سكانها المقصوفين هي نتاج أوهام «الحوار، والتسوية والتعايش».
مثلما لم تسمع أصوات كبح جماح إنسانية حين قصف الأمريكيون مدن المانيا على سكانها (درزدن مثلا) لأجل وقف آلة الحرب الألمانية في الحرب العالمية الثانية، لم تسمع أصوات كهذه عندما قصف داعش والقاعدة على أيدي الحلفاء بلا رحمة. ولا في الحالة الإيرانية أيضًا. وببساطة، لأن القوة والألم والدمار والضغط، هي الروافع الوحيدة لتغيير السياسة وإخضاع منظمات الإرهاب ووحوش الشمولية (الاستبداد) كالمانيا، إيران وغزة.
إن تصريحات الضائقة التي يطلقها النظام الإيراني وتهديدات مسؤوليه (الجنرال قاسم سليماني) ـ القائل: «إذا لم نسوق نحن النفط، فلن تسوقه أي دولة أخرى» ـ تشهد على الضغط المتزايد، وعلى أن هذه هي الطريقة المجربة لإحداث التغيير وتقليص قدرة التمويل لدى النظام الإيراني لمساعديه في اليمن، وسوريا، والعراق، ولبنان، وفي باقي أرجاء العالم.
ليس في الإدارة الأمريكية ظل تردد لتحقيق الإنفاذ، في ضوء هذه التهديدات؛ وباستثناء الأوروبيين، الذين تبقوا في عنادهم لاعتباراتهم الداخلية، الاقتصادية والسياسية المزدوجة الاخلاق ـ كتناقض كيدي للسياسة الأمريكية. فهم يتخذون خطوات هزيلة لتعويض الشركات التي ستلتزم بالاتفاق النووي وستواصل عقد الصفقات مع الإيرانيين. يقول المثل العربي: «أهل مكة أدرى بشعابها»، ليس صدفة أن أبو مازن الذي يعرف الغزيين جيدًا، يفرض عقوبات على غزة، ففي ضوء الأفكار الهاذية في مطارحنا، يفهم الرئيس بأن استمرار حكم حماس هو نهاية فكرة الدولة الفلسطينية المستقبلية، ولهذا فهو مصمم على إسقاط حماس بطريقة تاريخية مجربة: حصار حقيقي يؤدي إلى عصيان مدني وإلى إسقاطها.
رغم الأثمان التي تدفعها إسرائيل، فإن حكم حماس هو ميزة لها، لأنه عائق في وجه نشوء مخاطر جسيمة أكثر بأضعاف. إذا كان هذا هو هو الوضع، فيجب أن نختار الوقت، طرق الإيلام والأهداف لضرباتنا، التي ستترك حماس على حالها، مستضعفة ومردوعة. حتى متى ستأكل الحراب؟ فليسأل الفلسطينيون أنفسهم هذا السؤال. أما نحن فلنا نفس طويل، ولا معنى لأن نزود العدو ببالونات الأكسجين.

معاريف 10/7/2018م

القوة كرافعة للحل
مثلما يضعضع الضغط إيران ونظامها هكذا يفعل التضييق الاقتصادي على غزة
روبين باركو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية