القوى المتنازعة تكرسِّ تقسيم «ناعم» لسوريا يخدم الأطراف الدولية لا المحلية والهدنة تترك مسألة رحيل الأسد دون حل وواشنطن وموسكو تتعاونان في مجال الإرهاب

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: في كل مرة يتم فيها الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وروسيا تبدأ الأطراف المتصارعة في التحضير للجولة المقبلة من الحرب بعد انهياره. وهو تماماً ما حدث مع اتفاق وقف العمليات العدائية في شباط/فبراير الماضي وانتهى بالمعركة على حلب التي صارت الباروميتر للثورة السورية المشتعلة منذ أكثر من خمسة أعوام.
وصارت السيطرة عليها علامة على انهيار طرف وانتصار الآخر. ومن هنا كان المزاج العام بين المقاتلين في المدينة متشككاً من إمكانية تطبيق بنود الاتفاق الذي أعلن عنه وزيرا الخارجية الأمريكي جون كيري والروسي سيرغي لافروف بعد محادثات ماراثونية وأحاطها تفاؤل كبير.
ورصد مراسل صحيفة «أوبزيرفر» مواقف المقاتلين الذين رحبوا باحتمال وقف القصف من الطيران الروسي ونظام بشار الأسد إلا أنهم عبروا عن عدم ثقة بمطالب فك الإرتباط مع العناصر المتطرفة، وتحديداً جبهة فتح الشام أو جبهة النصرة سابقاً.
وقال داوود محمودي، أحد قادة المعارضة في حلب الشرقية «جبهة فتح الشام بيننا، هذا صحيح» و«هم هنا عندما لم يكن أحد آخر موجوداً، وأبقوا على المدينة مفتوحة وفتحوها عندما كانت محاصرة، أين كان الروس والأمريكيون، أقول لك، الأمريكيون لم يشاهدوا في أي مكان والروس كانوا يقصفون مواقعنا».
ولوحظ الموقف نفسه في إدلب التي تتمتع فيها جبهة فتح الشام بوجود قوي حيث ينظر للجبهة كحامية للناس.
ويقول أبو توفيق من بلدة سراقب، وانضم ثلاثة من أولاده للقتال مع الجماعة الجهادية «إنهم من هنا وهم نحن» و«لم يكونوا الأقوى لو جاء الدعم في البداية».

لا ثقة

ويعلق شولوف قائلاً إن الثقة بين المتصارعين على سوريا في حالة متدنية أكثر من السابق. ولا توجد إشارات عن إمكانية تطبيق الإتفاق في منطقة دمشق التي لا تزال معقلاً قوياً لنظام بشار الأسد.
وعلى مستوى الدول الراعية للإتفاق فهي نفسها غير متأكدة من إمكانية نجاح الهدنة الأخيرة ذلك أن نجاحها يعتمد على قدرة روسيا السيطرة على نظام الأسد وبالتحديد إقناع المسؤولين في دمشق فتح المعابر والممرات لوصول المواد الإنسانية للمحاصرين، الهدف الذي تسعى له الهدنة بالإضافة لوقف القصف الجوي على مناطق المدنيين. واستخدم المسؤولون السوريون سياسة «الجوع أو الركوع» كسلاح طوال الحرب الأهلية رغم احتجاج الأمم المتحدة والحكومات الغربية.
ونجحت السياسة في مناطق مثل حمص وأخيراً في بلدة داريا القريبة من دمشق. ويظل تخفيف الكارثة الإنسانية هو الهدف وراء الهدنة الأخيرة إلا أن نقاد الإتفاق يقولون إنه لا يمنح خطة أو طريقاً للحل السياسي حيث لا تزال مواقف الأطراف الداخلية والخارجية متناقضة وكل واحد يعمل لتحقيق أجندة خاصة.
ولو استمرت الهدنة التي تتزامن مع احتفالات عيد الأضحى اليوم الإثنين فستعمل كل من أمريكا وروسيا من خلال غرفة تحكم مشتركة تمنع الطيران السوري من ضرب المعارضة. وتبقى «جبهة النصرة» أو «فتح الشام» وهو اسمها الجديد في مركز رفض مقاتلين لشروط الهدنة. فلم تقتنع الولايات المتحدة بالتحول الجديد في رؤية الجبهة وفك ارتباطها بتنظيم القاعدة. ولهذا ابقتها على قائمة الجماعات الداعمة للإرهاب.
وتعتقد واشنطن أن الجبهة وغيرها من الجماعات الإرهابية تستغل الفوضى في سوريا لتنفيذ عمليات ضد المصالح الغربية.
ويتساءل محمودي عن مصداقية الطرف الآخر وسماحه بدخول المواد الغذائية، مشيراً إلى أن النصرة وأحرار الشام هما اللتان فكتا الحصار وفتحتا الطـريق الذي أغلـقه النظـام.
وعلق قائلاً إن «القصف العشوائي علينا وبدون خوف من العقاب هو ما جعل هذه الجماعات قوية. يشير شولوف إلى استراتيجية الروس منذ دخولهم الحرب لدعم نظام الأسد وهي ضرب المناطق المدنية بذريعة استهداف الجماعات المتطرفة.
وهي استراتيجية انتقدتها الولايات المتحدة مشيرة إلى عدم اهتمام الروس بضرب مواقع الجهاديين في الرقة. واستهدف الطيران الروسي المستشفيات والمراكز الطبية.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقد تم ضرب 59 مركزاً طبياً منذ التدخل الروسي في 30 إيلول/سبتمبر 2015.
وترى بسمة قضماني، من الهيئة السورية العليا للمفاوضات أن الهدنة يمكن أن تنجح لو فرضت وأن الروس هم الضامن الوحيد لها من خلال منع طيران النظام قصف مناطق المعارضة في الشمال.
ورغم عدم ارتياحه من التعامل مع الروس إلا أن مسؤولاً أمريكياً علق قائلاً إن هناك الكثير مما ستجنيه موسكو حالة ساعدت في وقف الحرب. وقال «لقد ضربوا المكان لتركيعه في الوقت الذي حرفنا فيه النظر».
وأضاف «لقد جلبوا الموت والدمار، ويقولون الآن إننا سنرد الحياة لكم، وهم راغبون في نجاحه (الهدنة) وسنرى». وفي المقابل عبرت جماعات معارضة أخرى عن شكها من نجاح الإتفاق. ويقول لبيب نحاس عضو المكتب السياسي في أحرار الشام «لدينا شكوك حول إمكانية نجاح الإتفاق في شكله الحالي وفي ضوء سجل الروس والنظام».
وقال «لدينا تحفظاتنا حول عدد من النقاط ونريد توضيحات. فتوقيت وشكل الهدنة متحيزة للمصالح الروسية. ولا نثق في روسيا. كما أن عدم توقف طيران الأسد من اليوم الأول هو إشارة سلبية» في إشارة لواحد من بنود الإتفاق وهو وقف الطيران السوري من التحليق فوق مناطق المعارضة بالشمال مقابل تعاون الغرب مع روسيا في ضرب الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة وتنظيم «الدولة».
ويرى باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في «الغارديان» إن الاتفاق هو الأمل الوحيد لوقف الضربات الجوية واستئناف المحادثات الدبلوماسية في جنيف.
ويطلب الاتفاق من روسيا الضغط على الأسد وقف القصف على جماعات المعارضة التي يعتبرها إرهابية أما أمريكا فهي مطالبة بالضغط على حلفائها في المعارضة فك ارتباطهم بجماعات إرهابية ومتطرفة. ويشير وينتور إلى شكوك وزارة الدفاع بقدرة موسكو على كبح جماح طيران الأسد.
ويرى المعهد السوري في واشنطن أن الإتفاق وإن تحدث عن إجراءات ومسؤوليات إلا أن العنصر الغائب فيه هو التطبيق والإلتزام اللذان أسهما في فشل اتفاقيات سابقة.
وفي الوقت الذي أكد فيه لافروف على أنه حصل على موافقة الأسد فهناك مشكلة أخرى تتعلق باستعداد المعارضة للتخلي عن «جبهة النصرة» والجماعات الآخرى.
وأشار في هذا السياق لما كتبه شارلي ليستر، من معهد الشرق الأوسط «بعد حديثي في الأسابيع الماضية مع عدد كمن القيادات الذين يمثلون فصائل مختلفة أقول إن واحداً منهم لم يبد استعدادا للإنسحاب من خطوط القتال التي تقاتل عليها جبهة فتح الشام. وهذا يعني لهم التخلي وبشكل دائم عن المناطق للنظام». ولكنه أضاف أن المعارضة السورية تواجه اليوم «أكبر لحظة» منذ أن قررت حمل السلاح ضد النظام عام 2011.
ولن يغير أي سيناريو تعاون أو انسحاب لـ «جبهة النصرة» من واقع الحرب السورية المتغيرة والمتشكلة في كل يوم حسب صحيفة «نيويورك تايمز»، مشيرة إلى المواقف المتشككة التي استقبلت فيها الدبلوماسية الإتفاق الأمريكي- الروسي. وتقول «لقد تم نسيان واقع الحرب السورية في الوقت الذي انحرفت فيه أنظار العالم نحو الانتخابات (الأمريكية) وأزمة اللاجئين».
ولم تتباطأ وتيرة الحرب في ذلك البلد بل تزداد اشتعالاً وكثافة، ويدخل إليها كل يوم لاعبون جدد بمصالح وأجندات متناقضة. وتقول إن الكثير من اللاعبين يحاولون البحث عن خيارات في وقت بدأت فيه عقارب الساعة تدق لرحيل باراك أوباما.
ويخشى نظام الأسد وحلفاؤه من الروس والإيرانيين وحزب الله من تغير في السياسة الأمريكية من الابتعاد الذي بدا في سياسة أوباما للانخراط في ظل الإدارة الجديدة.

حقائق على الأرض

وتضيف أن تغير الحقائق على الأرض التي يحققها كل طرف تقوم بتشكيل سوريا المستقبل وتعقد بالضرورة عمل الدبلوماسية كما هو حال الاتفاق الأخير.
ومقابل هذا تشير الصحيفة لما يجري على الأرض مثل الخطط التركية لبناء أسلاك كهربائية على الحدود وتقوية القرى التي سيطرت عليها كخطوة أولى لإنشاء «منطقة عازلة» التي طالبت بها منذ وقت طويل.
وفي الوقت نفسه أعلن أكراد سوريا عن خطط لإعلان الدستور بعد إفشال الأتراك خططهم توحيد مناطقهم في شرق الفرات مع تلك الواقعة غربه. وعلى صعيد الحكومة تواصل تطبيق سياسة التركيع ونقل المقاتلين في مناطق دمشق إلى مناطق المعارضة فيما يراه المقاتلون عملية تطهير عرقي.
خاصة أن موافقة المقاتلين على الاستسلام جاءت بعد حصار وقصف جوي بالبراميل المتفجرة وغاز الكلور. وفي حلب الشرقية واصل المقاتلون قصف الجزء الواقع تحت سيطرة الحكومة. ويواصل الطيران الروسي عملياته ضد المعارضة ورفضت موسكو وقف العمليات إلا بعد فرض الحصار من جديد على المنطقة.
وهناك تكهنات حول اتفاق بين روسيا والأتراك يقضي بسيطرة النظام على حلب مقابل وضع تركيا حد للطموحات الكردية. ويعمل كل طرف من الأطراف باتجاه تقسيم ناعم لسوريا وبناء منطقة تأثيره. فهناك جيب للمعارضة بدعم تركي في الشمال.
فيما ينحصر أكراد سوريا في شمال شرق البلاد أما النظام وبدعم روسي وإيراني فيحكم دمشق والمناطق الساحلية وتظل المناطق الحدودية مع لبنان تحت سيطرة حزب الله. ورغم رفض النظام والمعارضة تقسيم سوريا إلا أن الداعمين الخارجيين للأطراف المتصارعة ربما أصروا على تقسيم قائم وفعلي لها.
فاللاعبون المحليون لم يعد لهم دور في تشكيل البلد. وتنقل عن جهاد يازجي، الاقتصادي السوري قوله إن تقسيم سوريا ربما كان الحل الأمثل لإعادة توحيدها من جديد.

لماذا يتعاون؟

وتعاملت صحيفة «واشنطن بوست» مع الإتفاق الأمريكي- الروسي من زاوية أخرى حيث قالت إنه يحمل الكثير من التناقضات والإشكاليات التي طبعت الاتفاقيات السابقة وهي: لماذا يتعاون الأسد في تطبيق هدنة ستقود لرحيله؟
وهل الروس فعلاً مستعدون للتعاون في هذا الهدف؟ كما لم يقدم الاتفاق توضيحاً حول سبب تعاون الجماعات المعارضة في اتفاق سيؤدي لتدميرها. وتشير إلى أن الهدنة الجديدة تجمد خطوط القتال وتؤكد استمرار الحصار على حلب الشرقية، وبالضرورة منحه شرعية دولية كما يقول عبد الكافي الحمدو أحد سكان المنطقة المحاصرة.
وقال «انتظروا حتى حاصر الأسد والروس حلب وبعدها توصلوا لاتفاق وقف إطلاق الناس» و»يشعر الناس بالقرف». ويرى محللون أن مطالب الهدنة من المعارضة المعتدلة التخلي عن الجماعات المتشددة سيؤدي لتعقيد تنفيذ الهدنة.
وبحسب فيصل عيتاني من المجلس الأطلنطي، فالتخلي عن فتح الشام «يعني الدخول في مواجهة لا يمكنها الفوز بها أو التعرض لخطر القصف الجوي الأمريكي أو الروسي» وأضاف «في نهاية اليوم وفي غياب آلية فرض فأي شيء يضعف المعارضة سيؤدي إلى تقوية النظام».
ورغم الشكوك التي تحوم حول الإتفاق وتاريخ الإتفاقيات التي انهارت طوال الأزمة السورية إلا أن صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تتحدث عن إمكانية تحالف أمريكي ـ روسي يركز على تنظيم الدولة والجماعات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة وهو تعاون لم يفكر به أحد وسط التوتر الحاصل بين البلدين على حد تعبير الصحيفة.
وهو اتفاق سيريح المواطنين السوريين خاصة في المناطق المحاصرة ويسمح بوصول المساعدات الماسة.
وتقول إن الإتفاق لم يضع جدولاً زمنياً لرحيل الأسد مما يثير أسئلة كثيرة حول طرق تحقيق التسوية السياسية الشاملة. ونقلت عن روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سوريا والزميل الباحث حالياً في معهد الشرق الأوسط «بدون آلية رقابة فمن الصعب على الروس والولايات المتحدة الإتفاق على من قام بخرق الإتفاق. وكانت هذه مشكلة اتفاق شباط/فبراير وفي آذار/مارس ونيسان/إبريل)» وأضاف «حتى يتوصل المقاتلون وقادتهم لقرار من أن هناك ما يمكن جنيه من السلام أكثر من القتال فلا يمكن الحفاظ عليها» الهدنة.
وفي النهاية يخدم الإتفاق استراتيجية موسكو في الشرق الأوسط حسب «صنداي تايمز» وقال مسؤول غربي «تريد واشنطن تخفيض العنف لدرجة يسمح لها بالقول: إننا نقوم باتخاذ خطوات للتعاون العسكري مع الولايات المتحدة». وقال بالنسبة لروسيا هذا لا يتعلق بوقف اطلاق النار بقدر ما هو خطوة للقبول الدولي. ويرى فواز جرجس من مدرسة لندن للإقتصاد أن «هدف روسيا هو التعاون الإستراتيجي مع الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة» و«جبهة النصرة» وشرعنة نظام الأسد. ورغم أنها حصلت على ما تريد على الورق إلا أن هذا يعتمد على نجاح وفعالية وقف إطلاق النار».
وبعيدا عن الساحة السورية هناك ساحات اخرى يتصارع عليها اللاعبون الخارجيون سواء كانت العراق واليمن ولبنان، إلا أن هناك ساحة جديدة للتنافس بين إيران وتركيا وإسرائيل وهي أفريقيا.

صراع على أفريقيا

وكتب في هذا السياق مراسل صحيفة «أوبزيرفر» للشؤون الأفريقية جيسون بيرك قائلاً إن قوى الشرق الأوسط الإقليمية تتنافس فيما بينها لتحسين علاقاتها مع إثيوبيا والسودان وكينيا. فبالإضافة للمصاعب اليومية التي عانى منها سكان نيروبي هذا الصيف من توقف القطارات والتظاهرات التي أغلقت الشوارع حل ضيوف كبار زادوا من مصاعب الحركة. وبالنسبة للبعض فوصول الزوار الكبار علامة على الأهمية.
ويقول الصحافي والناشر تشارلس أونيانغو أوبو «طبعاً يشعر الناس بالضيق.. ولكن البعض يرحب به لأنه علامة على عودتنا لمركز الاهتمام». وفي الماضي كان معظم الزوار من الولايات المتحدة والصين الذين يلعبون دوراً في المنطقة إلا أن الفترة الأخيرة شهدت زواراً من الشرق الأوسط.
وتعبر زياراتهم عن تحول في اللعبة القديمة التي تتنافس فيها القوى على التجارة والمصادر والدعم العسكري في هذه المنطقة الحساسة من العالم. واستقبلت نيروبي على مدى خمسة أسابيع من حزيران/يونيو إلى تموز/يوليو وزراء إيرانيين ووفد من دول الخليج وقادة تركيا وإسرائيل.
وشهدت دول أخرى في شرق أفريقيا الاهتمام نفسه من القادة الكبار. ويقول بيرك إن المحللين يحاولون فهم الأثر الذي ستتركه هذه الموجة الجديدة من اهتمام دول الشرق الأوسط على المنطقة. ومن الواضح أنها ستؤثر على السياسة والدبلوماسية المحلية بقدر تأثيرها على حركة السير في نيروبي.
وتقوم بإعادة تشكيل التحالفات وبناء أشكال جديدة منها محددة بالتنافس الجيوسياسي والنزاعات التي تجري في مناطق بعيدة. ولدى هذه التحالفات إمكانية للتأثير على أجندة الدول الغربية. ونقل الكاتب عن أحمد سليمان، الباحث في شؤون القرن الأفريقي بتشاتام هاوس، لندن قوله «هناك ملمح هام من الإنخراط».
ويرى الكاتب أن التحول نحو أفريقيا ناتج من عوامل عدة، منها مرحلة ما بعد الربيع العربي والنزاع في اليمن اللذان دفعا الدول العربية للبحث عن طرق للتعاون من خلال التجارة والثقافة أبعد من التحالف في جوارها الطبيعي.
كما أسهم النزاع السني ـ الشيعي والضغوط الإقتصادية على بعض الدول وظهور قيادات راغبة بترك ميراث وأثر على توجهات هذه الدول نحو مناطق جديدة مثل أفريقيا.
وتستفيد هذه الدول من حذر الصين التي سيطرت على المجال الأفريقي وانشغالات الولايات المتحدة وعدم قدرة الأمم المتحدة على تغطية أفريقيا بالإضافة لضعف الاتحاد الأوروبي. وفتح هذا الوضع المجال أمام استثمار الدول المقبلة لأفريقيا في مجالات من مزارع البطيخ إلى تطوير الموانئ.
وحسب الكسندر روندوس، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في القرن الأفريقي «لانها واجهت نزاعاتها الخاصة، فقد قررت تأمين مصالحها في القرن الأفريقي».
ويشير بيرك إلى أن تركيا تعتبر لاعباً رئيسياً في هذه الجهود التي يقودها شخصياً الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وركز على الصومال التي زارها ثلاث مرات. وحصلت تركيا على منافع من خلال إقامة علاقات مع المسؤولين الصوماليين وعقود لشركاتها وتعاون في إغلاق المؤسسات التابعة لرجل الدين فتح الله غولن المتهم بتنفيذ إنقلاب 15 تموز/يوليو الفاشل.
ويرى سنان أولغين من مركز كارنيجي في اوروبا أن أهداف تركيا عظيمة في الصومال «فهي تريد الظهور بمظهر المدافع عن المسلمين المضطهدين. وهي عن تحسين القوة الناعمة والصورة. وأصبحت تركيا واحدة من أكبر الدول المساهمة في الإغاثة الإنسانية في العالم، وهو عمل جيد، وما تم تحقيقه في الصومال لا يبقى داخل حدودها».
وهناك تنافس كما يقول بيرك حيث تقوم الإمارات بمحاولة التأثير في شرق أفريقيا. ففي الوقت الذي تدعم فيه تركيا تحالفا من الحزب الحاكم في انتخابات الصومال المقبلة تفضل الإمارات دعم المعارضة.
ويعلق مراقب غربي للشؤون الصومالية في نيروبي «ما لا يعرفه أحد هو أن الدول الشرق أوسطية ستكون الأكثر تأثيراً على الانتخابات الصومالية، لا الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا».
وفي تطور آخر تقوم الإمارات ببناء قاعدة عسكرية في ارتريا. وهو ما قد يؤدي إلى دمج النظام القمعي في أسمرة مع المجتمع الدولي. وهناك السعودية في ظل قيادة الملك سلمان والتي تحاول الحصول على تعاون مع عدد من الدول الأفريقية لدعم حملتها ضد الحوثيين في اليمن والمدعومين من إيران.
وتخلت كل من الصومال والسودان عن تحالفهما مع إيران مقابل علاقات قوية مع السعودية. وبعد أقل من ساعات من تخليها عن إيران حظيت الصومال على مساعدات بقيمة 50 مليون دولار.
وبالقدر نفسه ربما حصل السودان على دعم بالمليارات لقاء تعاونه وهي أموال مهمة في ظل الحصار المفروض عليه. ويقول سليمان «ما نراه هو تحول في أولويات الدول الخليجية. وهناك سياق تاريخي للعلاقة، وينظر للمنطقة على أنها جزء منهم «خارج قريب» ومجال مهم للتأثير».
ويلعب رجال الأعمال السعوديون دوراً مهماً في التعاون التجاري مع إثيوبيا، القوة الإقتصادية في أفريقيا فيما زاد عدد الطلاب الأثيوبيين في السعودية بالسنوات الأخيرة. وهناك تعاون ديني وبناء مساجد ومدارس.
وينقل عن روندوس قوله « قامت السعودية ودول الخليج بتطوير علاقات قوية مع السودان والصومال وارتريا وهو ما أدى لردة فعل من القوى الإقليمية مثل أثيوبيا وكينيا التي ترى فيه تحولاً نحو الخليج وخسارة لتأثيرهما النسبي وزيادة في التهديد الوهابي في المنطقة». وأخيرا إسرائيل التي تعتبر من أهم اللاعبين الجدد. وزار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدداً من الدول الأفريقية.
وترى إسرائيل في هذه الدول مصدراً للدعم في الأمم المتحدة. وذكرت صحيفة «هآرتس» ان إسرائيل تقوم بمحاولات لإقناع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بتحسين علاقاتها مع السودان بعد تخليها عن التحالف مع إيران.

القوى المتنازعة تكرسِّ تقسيم «ناعم» لسوريا يخدم الأطراف الدولية لا المحلية والهدنة تترك مسألة رحيل الأسد دون حل وواشنطن وموسكو تتعاونان في مجال الإرهاب

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية