القيم الليبرالية كسلاح واقٍ لليهود

حجم الخط
0

منذ حررت الثورة الفرنسية اليهود وحتى الآن، فإن مصيرهم متعلق بمصير القيم الليبرالية. فقد كان اليهود ينتمون دائما إلى النضال من اجل العدالة وحقوق الانسان وضد الاستغلال: احزاب اليسار في اوروبا وحتى مصانع الحياكة في منهاتن كان النشطاء اليهود فيها مثابة العمود الفقري للمحاربين من اجل العدالة والمساواة. إن ضعف الديمقراطية الليبرالية في مواجهة القومية الراديكالية، القبلية والعنصرية في اوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تسبب بالكارثة اليهودية.
إن الفشل وغياب الأمل في اوروبا عملا على ايجاد الصهيونية والهرب إلى الولايات المتحدة. وفي البلاد تسبب الصراع القومي على اعتبار اليهود للمباديء الإنسانية الدولية هي سلاح الضعفاء، وليست قيمة بحد ذاتها. وعندما امتلكت الحاضرة القوة وتبين أن العرب لا يُسلمون بالهجرة الكثيفة، أصبح هذا الموقف هو الاساس السياسي القومي. وهكذا بعد مرور خمسين سنة على حرب الايام الستة فإن القيم الثقافية والاخلاقية للديمقراطية الليبرالية تعتبر عدو القومية اليهودية، وتشكل خطرا وجوديا لمستقبلها.
بهذا المعنى انتقل يهود إسرائيل في اغلبيتهم إلى الطرف الثاني من المتراس. وعندما قال آباء الصهيونية «يجب علينا أن نكون مثل باقي الشعوب»، قصدوا السيادة والسلطة الذاتية والسيطرة على المصير، كي لا يكونوا مادة تاريخية. وبدل ذلك نحن أخذنا من «الشعوب» الاشياء الاكثر سوءا: القومية التي تشبه الدم والارض وتقديس القوة والدولة ومنع الآخرين من الحصول على الحقوق التي نطلبها لأنفسنا. إسرائيل أصبحت جسما غريبا في العالم الليبرالي الديمقراطي، وهي تبتعد أكثر فأكثر عن اغلبية يهود أمريكا، باستثناء الحريديين.
من الخطأ الاستنتاج من الانتخابات الأمريكية ومن خروج بريطانيا ومن صعود الجبهة القومية في فرنسا ومما يحدث في روسيا وتركيا وبولندة وهنغاريا، أن العالم يتقرب منا. مع اصدقاء مثل القوميين البيض لدونالد ترامب وديكتاتوريين مثل فلادمير بوتين وطيب رجب اردوغان والقوميين المتطرفين المسيحيين في اوروبا الشرقية، نحن لسنا بحاجة إلى الأعداء.
لكن الفرح في معسكر اليمين سابق لأوانه: مشكوك فيه أن يقوم ترامب بضرب جذوره. والشباب الذين لم يصوتوا لهيلاري كلينتون لن يكرروا الخطأ.
وايضا البريطانيون الذين اعتبروا الاستفتاء الشعبي غير هام وغريب للارث السياسي البريطاني. في فرنسا سيكون تجنيد عام، وحتى لو عاد اليمين المحافظ الكاثوليكي إلى الحكم، وليس الاشتراكيين، فهو لا يحب كثيرا المستوطنة والاحتلال. وكل ذلك رغم حقيقة أن اللاساميين الذين يحبون إسرائيل ويكرهون العرب كانوا دائما فاعلين هناك منذ حرب الجزائر.
ما الذي سيحدث الآن، حيث إنه يتوقع أن يعيد اليهود في الولايات المتحدة تنظيم أنفسهم للدفاع عن القيم الليبرالية وحقوق الانسان ـ أي الدفاع عن مستقبلهم ـ ويشاهدون إسرائيل وهي تزيل قناع الضحية المتباكية إلى الأبد، ومسلحة من أخمص القدم إلى الرأس، ليس فقط للدفاع عن نفسها في مواجهة الخطر الإيراني، بل من اجل تخليد الاحتلال.
إن اليهود الجدد في إسرائيل مصنوعون من مادة تختلف عن تلك التي صُنع منها قاضي محكمة العدل العليا لويس براندايس وليئون بلوم الاشتراكي ورئيس حكومة الجبهة الشعبية التي كبحت اليمين في فرنسا في العام 1936: هؤلاء هم القضاة الذين يسارعون لخدمة حزب «البيت اليهودي» في مهمة القضاء على محكمة العدل العليا على اعتبار أنها حجر الزاوية في النظام الدستوري، وحاجز أخير في وجه الطوفان المعادي لليبرالية. إن اتجاه إسرائيل في هذه الايام هو الزعرنة والاستيطان، وبنيامين نتنياهو الجبان يختبيء وراء ظهرانيهم، مثلما اختبأ على الشرفة في ميدان صهيون. فهناك قاموا بإعداد المبرر الآيديولوجي لقتل إسحق رابين: جميعهم يدفنون قيم الليبرالية ويشعرون بأنهم يحملون رسالة من السماء.

هآرتس /12/2016

القيم الليبرالية كسلاح واقٍ لليهود
نتعرض الآن للتحدي والأخطار في وجه اتساع التطرف الديني في العالم وفي إسرائيل
زئيف شترنهل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية