القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من منى حسن: يرى الشاعر والكاتب المسرحي المصري «محمد سيد عمار» أن الكاتب الذي يسير مع التيار ويركب كل موجةٍ قد يجني الكثير من المكاسب الوقتية، ولكن فنه وأدبه لن يعيش كثيراً، بل لن يتخطى حياته. ومحمد سيد عمار شاعر وكاتب مسرحي، حائز البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، ويعمل محاضراً مركزياً في هيئة قصور الثقافة المصرية، نال في مسيرته الأدبية عدة جوائز أبرزها: جائزة أفضل مسرحية من المجلس الأعلى للثقافة عام 2003، جائزة الشارقة للإبداع العربي المسرحي عام 2003، جائزة أفضل مسرحية من مسابقة محمد تيمور المسرحية من هيئة الكتاب عام 2004، ومُثلت العديد من أعماله المسرحية على مسارح الدولة. صدرت له: مسرحية «ثنائية الحلم والسقوط»، «ملك العرب»، «قبل أن يموت الملك»، و«هكذا يقول الرب»، وله تحت الطبع ديوان: «آخر كلمات المغني». كما شارك في العديد من المؤتمرات الشعرية والفنية داخل جمهورية مصر العربية وخارجها، وقام بكتابة العديد من الأعمال الدرامية التلفزيونية والسينمائية. حول تجربته في الكتابة المسرحية، ودور المسرح العربي جاء هذا الحوار..
■ ما تقييمك لدور المسرح في الوطن العربي؟ وهل هي أزمة مسرح أم أزمة جمهور؟
□ ليس من الممكن تقييم دور المسرح في الوطن العربي بمعزل عن المناخ السياسي الذي يعيشه ذلك الوطن، فدور المسرح يقل كثيرا عن المرجو منه في ظل القمع والتضييق وضبابية الرؤى والاختلاف والانقسام الذي يسود المناخ السياسي العربي، ما يؤثر سلباً على المبدع العربي. إنه يتحسس إبداعه وسط ألغام السياسة التي تحصي عليه كلماته وتحسب عليه اتجاهاته مع أو ضد مؤيد أو معارض. إن أزمة المسرح العربي لم تكن أبداً أزمة نص أو مسرح أو جمهور، فالمبدعون العرب تجاوزوا أزمة النصوص سواء بالمؤلَف عربياً أو بالمترجم عن اللغات الأخرى، وكذلك تجاوزوا أزمة الخشبات حتى وصلوا إلى مسرح الشارع، الذي ينتج بلا تكلفة أو بأقل تكلفة، أما الجمهور العربي فيتواجد بكثرة حيثما يتواجد الفن الجيد. إن الأزمة الحقيقية للمسرح العربي هي أزمة أنظمة أزمة منع ومنح وأزمة حرية فكر وحرية حياة.
■ كيف ترى المسرح المصري الآن مع ما يمتلكه من تاريخ طويل؟
□ في الوقت الحالي هناك أزمة كبيرة في المسرح المصري، وهي بالتأكيد ليست أزمة نصوص فهناك الكثير من الكتاب الجيدين في مصر، ولكن الأزمة تكمن في إنتاج تلك النصوص، فلقد توقف إنتاج القطاع الخاص في مصر توقفا شبه تام، واتجه معظم المنتجين والممثلين المسرحيين إلى السينما والتلفزيون لمكاسبها الكبيرة والسريعة، ولم يعد ثمة إنتاج إلا إنتاج الدولة، بما يحمله في طياته من رقابة لا تستطيع معها أن تنتقدهم بشكل مباشر وهم يمولونك، ما جعل الكثير من النصوص الجادة تضيع في زحمة العروض الرديئة، التي أصبحت مصر لا تجني من ورائها أي مكاسب أو جوائز في المحافل والمهرجانات الدولية والعربية.
■ تنوعت مؤلفاتك ما بين الشعر والمونودراما، فكيف تنظر إلى كتابك الأول اليوم؟
□ المتابع لمسرحياتي منذ بدايتها في «ملك العرب» وحتى نصي الأخير «المماليك»، مروراً بنصوص «قبل أن يموت الملك» و«ثنائية الحلم والسقوط» و«أبناء الحبلى» و«خريف الجنرال» فـ«مونودراما استجواب» الفائزة هذا العام بجائزة الترجمة والنشر في مهرجان الفجيرة للمونودراما، والكثير من الأعمال الدرامية الأخرى ـ سيجد أن هذه الأعمال غير منفصلة، فجميعها تحمل هماً واحداً وأملاً واحداً فأبطال هذه الأعمال دائماً ما يحاربون القهر والخيانة والعمالة والظلم الذي يسود مجتمعاتنا، يحدوهم أمل العدل والحرية والتوحد والاتفاق. أما عن نظرتي لكتابي الأول، فمازلت أتذكر تلك الفرحة البكر التي ملأت نفسي عند صدور مسرحية «ملك العرب»، رغم ما تحمله من سلبيات البدايات واندفاع الشباب وقلة الخبرة، إلا أنها كانت اللبنة الأولى في مشروعي المسرحي، وكانت كالابن البكر الذي جربنا معه أول مشاعر وأجمل أحاسيس فترك في نفوسنا أحلى وأبقى الذكريات.
■ تراجع المسرح الغنائي المائل للذوق العربي مقابل الدرامي المائل للذوق الأوروبي منذ أمد بعيد، هل كان في مصلحة المسرح العربي عامة والمصري خاصة، أم ماذا؟
□ لا أتفق مع هذا التصنيف بين الغنائي العربي والدرامي الأوروبي، فالمسرح بكل أشكاله فن أوروبي. وقد عرفت مصر المسرح الغنائي مبكراً جداً في بداية القرن العشرين على يد سيد درويش ومنيرة المهدية وزكريا أحمد وأبو العلا محمد وغيرهم، ثم حدث تراجع للمسرح الغنائي، ليس في مصر وحدها، بل في العالم كله، وذلك لظهور فن السينما وظهور الفيلم الغنائي، فنجد في مصر على سبيل المثال ظهرت أفلام محمد عبد الوهاب الغنائية، تلتها أفلام أم كلثوم ففريد الأطرش وأسمهان وعبد الحليم حافظ، مروراً بأسماء كثيرة مثل محمد فوزي وصباح وشادية ونجاة وعشرات الأسماء الكبيرة، التي صنعت الفيلم الغنائي العربي الذي تراجع بعد ذلك في بداية التسعينيات، أمام مد الفضائيات وظهور الفيديو كليب. ولعل هذا كان تطوراً طبيعيا لتشبع الناس بما تبثه الفضائيات من كليبات، ما جعل المسرح الغنائي يتراجع كثيراً ويصبح نوعاً من المغامرة الإنتاجية في ظل مئات القنوات التي تبث آلاف الساعات من الغناء القديم والحديث كل يوم.
■ على أيهما تركز وأنت تكتب، القارئ أم المشاهد؟
□ عندما يكتب الكاتب المسرحي أحد نصوصه يرى شخوصه ويرى نصه مجسداً على المسرح، لذلك فأنا لا أفكر في القارئ أو المشاهد عند كتابة أحد نصوصي، أنا أكتب ما يدور في فكري وخيالي وما يمثل قناعاتي، بدون النظر إلى رد فعل قرائي أو جمهوري ممن سيشاهدون العرض لأنه ببساطة لن يستطيع كاتب أن يُرضي كل الناس مهما فعل، فمن الأفضل له أن يكون نفسه ولا يتعارض ذلك مع استفادته من آراء القراء أو المشاهدين، وأن يضع الجيد منها في اعتباره، خصوصاً إذا كانت ستؤدي إلى تطوره الفني.
■ ماذا عن النصوص والعروض الأجنبية ومقارنتها مع الحركة المسرحية العربية عامة، والمصرية خاصة؟
□ المسرح الغربي والفن الغربي عموماً يميل كثيراً إلى القضايا الذهنية والفلسفية والسيكودراما، وتقديري أن الرفاهية التي وصلت إليها المجتمعات الغربية لم تجعل للقضايا الاجتماعية أو قضايا مثل الحرية والديمقراطية، وهي قضايا ملحة، لذلك تقدمت عليها القضايا التي ذكرناها سلفاً، أما في عالمنا العربي فتظهر جلية القضايا الاجتماعية والسياسية، ما يعني أن الفن وفي القلب منه المسرح هو مرآة المجتمع، كما قيل فهو يعبر عن القضايا الملحة لمجتمعه، ومن الفروق الجوهرية أيضاً بين الفنين الغربي والعربي، هو أن الفن الغربي لا تحكمه تابوهات من دين أو سياسة أو جنس فهم يبدعون في مناخ من الحرية المطلقة، بعكس المبدع العربي الذي تكبله القيود والمحاذير.
■ ككاتب مسرحي، هل على الكاتب توظيف قلمه لخدمة قضايا معينة في مرحلة ما؟ أم يكتفي بإنتاج نفسه بدون محاولة ارتجال من أجل المواكبة؟
□ أن تكون كاتباً عظيماً هو أن تكتب ما تعتقد، ولكن من الحتمي أن يكون ما تعتقده يتواءم مع كل ما هو إنساني من خيرٍ وحقٍ وجمالٍ. إن الكاتب الذي يسير مع التيار ويركب كل موجةٍ قد يجني الكثير من المكاسب الوقتية، ولكن فنه وأدبه لن يعيش كثيراً، بل لن يتخطى حياته، فالكتابة المبدعة المدهشة هي نوع من التمرد وكسر المألوف، ومن المواجهة والتصدي لكل ما هو شر أو قبح لكل ما يحط من قيمة الإنسان أو كرامته أو ينتهك أدميته.
■ هل ترى أن المهرجانات العربية، تكرس فعلا للفعل الثقافي؟
□ الإجابة على هذا السؤال تكمن في السؤال نفسه، فبالفعل تخضع المؤتمرات الفنية والأدبية في العالم العربي إلى احتكار أسماء بعينها لحضور تلك الفعاليات وللأسف أصبح الشخص الأكثر قدرة على المجاملة ولا أبالغ إذا قلت النفاق للمؤسسات الثقافية العربية هو الشخص الأكثر حضوراً أو الأكثر لمعانا وبريقاً في أجواء المؤتمرات والفعاليات ومع ذلك فإنني أرى أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى إلا الفن الجيد الذي يعطي للحياة سبباً لتبقى متشبثة بإنسانيتها.