■ ترتبط مفاهيم من قبيل: رجل الدين، والداعية، والكاتب، والمثقف، بشكل وثيق بالتاريخ الاجتماعي والثقافي للدول العربية الإسلامية، ويظهر ذلك من خلال العلاقة التي جمعت، عبر التاريخ، أجهزة الفقهاء وكتّاب الديوان بالسلطة. وقد اعترى هذه العلاقة العديد من المنعرجات والمنعطفات التي أدت إلى إنتاج أوضاع جديدة، إثر تغير الظروف السياسية وتغير الدول في سياقنا المعاصر.
ما الموقع الذي كانت تشغله الأجهزة الفقهية في الدولة السلطانية؟ ما هي طبيعة العلاقة التي كانت تجمع الكتاب بالسلطة الحاكمة؟ ما هي أهم التغيرات التي وسمت هذه العلاقة على امتداد الحقب المتأخرة من التاريخ العربي الإسلامي؟ كيف تبلور مفهوم المثقف ضمن البيئة العربية الإسلامية؟
أسئلة يحاول الباحث اللبناني خالد زيادة، الإجابة عنها في مصنفه المعنون بـ«الكاتب والسلطان، من الفقيه إلى المثقف» وذلك بسعيه من جهة إلى تتبع مجموع التغيرات والانعطافات والتقلبات التي شهدتها علاقة الأجهزة الفقهية بالسلطة الحاكمة خلال فترات متأخرة من التاريخ الإسلامي، معتمدا في ذلك على مجموعة من المؤلفات التاريخية المعروفة، وكذا مصادر غير شائعة كالسجلات الشرعية وتراجم الأعيان. وبسعيه من جهة أخرى اقتفاء مسار انبجاس مفهوم المثقف ضمن البيئة العربية، بعيدا عن تكرار التجارب الشائعة التي درجت على تناول الموضوع باستعادة «التجربة الفرنسية من إميل زولا وصولا إلى جان بول سارتر أو بالعودة إلى الأدبيات الماركسية، خصوصا لدى الإيطالي أنطونيو غرامشي. هكذا دراسات كان لها أن توضح لنا مسار المثقف اللاتيني، أكثر من التعرف على شخصية المثقف العربي. فضلا عن كونها قدمت صورة يظهر فيها المثقف مستقلا ومعارضا للسلطة، مسترجعا فكر الأنوار في القرن الثامن عشر المعادي للاستبداد والكنيسة. والواقع أن التجربة الفرنسية لا تختصر لنا تنوع شخصية المثقف في التجربة الأوروبية، يكفي أن نعود للتجربة الألمانية منذ نهاية القرن الثامن عشر والدور الذي لعبه المفكرون في بلورة الهوية الوطنية وبناء الدولة».
يستحضر خالد زيادة رسالة الجاحظ: «ذم أخلاق الكتّاب» ليستدل على تبعية الكتّاب للسلطة، حيث شكك الجاحظ في أصل صنعة الكتّاب قائلا: «ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامة منكم، ولا بموجودة في العوام، فأغزرهم علما أمهنهم وأقربهم من الخليفة أهونهم». الأمر الذي دفع زيادة إلى صياغة الاستنتاج التالي: «الحذر يحيط بصنعة الكاتب كما يحيط بعلاقته بالسلطان أو الحاكم، والخطاب الذي يمليه لا يمثله بالضرورة، والقراءة الخلفية لهذا الخطاب تكشف عن الدور غير المباشر والحاسم الذي لعبه، ليس بصفته ناصحا للسلطان وحسب، ولكن من خلال مشاركته في مشروع السلطة، أو من خلال صياغته لهذا المشروع».
اشتهر الديوان بخاصية طبعته لعقود، وهي دمجه لكتّاب غير عرب، ما جعل الديوان يظفر بخطاب فني متخصص يختلف جملة وتفصيلا عن الخطاب الديني، وفي هذا المستوى من التحليل يستحضر المؤلف مقتبسا من رسالة عبد الحميد، ضمن كتاب «الوزراء والكتاب» للجهشياري ، حيث ورد ما يلي: «حفظكم الله يا أهل الصناعة، بكم ينتظم الملك وتستقيم للملوك أمورهم، وبتدبيركم وسياستكم يصلح الله سلطانهم ويجتمع فيئهم وتعمر بلادهم. لا يستغني عنكم منهم أحد، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم منهم موقع أسماعهم التي بها يسمعون». وقوله أيضا: «تفقهوا في الدين وابدأوا بعلم كتاب الله عز وجل، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها، ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه قوام كتاب الخراج». تفرض هذه الرسالة على الكاتب امتلاك معرفة واسعة ومتنوعة، حيث كشف الواقع عن تفاقم الحاجة إلى الكتّاب، نظرا لخبرتهم ارتباطا بتوسع شبكات الملك، الأمر الذي أحدث انشطارا بين الأجهزة الشرعية الممثلة بالعلماء من فقهاء ومحدثين من جهة، والأجهزة الديوانية الممثلة بالكتّاب من جهة ثانية، إذ أصبحنا أمام «جهازين: أحدهما إداري يضم الكتّاب، وشرعي يضم العلماء، كما يتعلق بنظامين معرفيين. وقد استشرى الصراع بينهما، كما نلحظ في رسالة الجاحظ، الذي لم يكن فقيها أو محدثا، إلا أنه انتهى بحق إلى الدراسات الأدبية واللغوية العربية. وهو ينهى على الكتاب كونهم تابعين، وجهلهم بالقرآن والتفسير والسنن وتفضيلهم معرفة أخبار ملوك الفرس على معرفة الشريعة.
يضعنا نقد الجاحظ في خضم الحجج المتباينة التي يستند إليها كل من الكتّاب والعلماء، فهو يضع نقدا لتكوّن هذه الطبقة يعاكس فيه ما نجده عند عبد الحميد، أو ما نجده لدى الجهشياري في كتاب «الوزراء والكتّاب» أو لدى الصابي في رسائله». يدور متن هذا المصنف حول أطروحة أساسية، مفادها أن انبجاس مفهوم المثقف ضمن البيئة العربية عرف سياقا مغايرا وخاصا، نتيجة ارتباطه بتجربة التحديث في عصر النهضة، بالإضافة إلى تشديد المؤلف على أن استنطاق وظيفة المثقف ضمن البيئة العربية تفرض علينا وجوبا العودة إلى الوظائف التي شغلها من قبل الفقهاء وكتاب الدواوين. مع استحضار ضرورة التمييز بين الوظيفة التي يضطلع بها الفرد أو المؤسسة والدور الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يلحقه التغير تبعا لتبدل الظروف وتغير الأسئلة من حقبة إلى أخرى.
من المعلوم أن أدوار رجل الدين والداعية وكاتب الديوان قد لحقتها عدة تغيرات، نتيجة تأثرها المباشر بتوترات السلطة، ويضرب لنا التاريخ العديد من الأمثلة في هذا الباب، بدءا بالتجارب العربية في مصر وبلاد الشام، مرورا بحقبة السيطرة العثمانية، وصولا إلى المراحل التي خضعت فيها الولايات العربية لتسلط حكام العسكر في القرن الثامن عشر، إلى حين «المرحلة التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر والتي شهدت محاولات التحديث وفق النمط الأوروبي، مع ما رافق ذلك من تراجع دور المؤسسة الدينية وتفكك وظيفة كاتب الديوان» التي «ستشهد بروز شخصية المتنور النهضوي، الذي ورث مهنة الكاتب وانتزع أجزاء من وظيفة الفقيه (التعليم/القضاء) في الوقت نفسه الذي أراد فيه أن يكون رائدا في بلورة مفهوم الدولة والوطن». ويدعو زيادة القارئ إلى تجنب سوء فهم قد يسقط فيه نتيجة حضور بعض الشبهات التي قد توحي بأن المؤلف يشدد على تحدر المثقف من الأوساط المتفككة للكتّاب، وأن المتعلم المتخرج من المعاهد الحديثة قد حل محل الكاتب الديواني. فالمثقف على الرغم من الشبهات التي يمكن إحصاؤها، ليس بالضرورة استمرارا لكاتب الديوان أو وريثه، وإن اشتركا في خدمة الدولة. فالدولة التي تستخدم الكاتب في دواوينها، ليست تلك التي تهيئ الشروط للمتعلمين في مدارسها ومعاهدها. وبشكل خاص، فإن الكاتب الذي يكف عن أن يكون نفسه حين يخرج من العمل الديواني، يعاكس وضعية المثقف الذي يكف عن أن يكون نفسه حين يندرج في أجهزة الدولة ودواوينها.»
٭ كاتب من المغرب
المهدي مستقيم