مع الإعلان عن تدمير الإعصار هارفي آلاف البيوت والمزارع وتشريد آلاف المواطنين في ولاية تكساس، الذين كانوا ضحية الإعصار وموجات الفيضانات المصاحبة له، تنطلق في عالمنا العربي والإسلامي موجة غريبة من ردود الفعل مصاحبة لهذا النوع من الكوارث عادة، موجة هي خليط من تشف ومحاولة إضفاء لمسة دينية تعزي ما حصل الى غضب إلهي يقترب من انتقام أو نوع من أخذ الثأر من «المستبدين الامريكان»، الذين يعيثون فسادا في بلاد المسلمين.
ولا يخطر ببال من يشارك في مثل هذه الحملات البعيدة عن التعقل أن كوارث الطبيعة تصيب كل البشر وبضمنهم الجالية المسلمة في المناطق المنكوبة بالضرر نفسه، إذن ما ذنبهم وهم مسلمون أبرياء، بل إن السؤال الأنكى هو، وماذا عن بلاد الاسلام التي تضربها الكوارث الطبيعية من فيضانات وزلزال وجفاف ومجاعات؟ ألم تضرب الزلازل المدمرة قلب العالم الاسلامي عدة مرات، كما حدث في ايران وتركيا ومصر والجزائر؟ وهنا ينبري العقل التبريري ليخبرك بأن هذا ابتلاء إلهي للمؤمنين لاختبار مدى صبرهم وقوة إيمانهم، إذن نحن ازاء وجهان لعملة واحدة يقلبها العقل التبريري بين أصابعه.
إن مسألة الربط بين الكارثة الطبيعية والقوى العليا أو الميتافيزيقية ليس أمرا جديدا، بل هو أمر موغل في تاريخ البشرية، ويعتقد دارسو الأديان أن هذا الأمر كان بمثابة محرك أساسي لنشوء المنظومات الدينية في الفكر الإنساني، فالإنسان البدائي الذي عاش ظروفا بدائية كان يربط كل ظواهر الطبيعة أو يعزيها لقوى خارجية غير مرئية، ولم يلبث أن خلق لها رموزا وعبدها، فعرف المجتمع الانساني تعدد الآلهة المرتبطة بشكل كبير بقوى الطبيعة وانعكاسها على حياة الإنسان، فأوجد آلهة باسم السماء والبحر والقمر والشمس والمطر والرياح والزلازل، وعادة ما تربع كبير الآلهة في مكانة أرفع كرب لكل هؤلاء الأرباب لينظم عملهم. ومع تطور مسار الفكر الديني في التاريخ البشري وتحوله من التعددية الى الوحدانية، خصوصا في المنظومة الابراهيمية (اليهودية – المسيحية – الاسلام)، نجد ان العديد من الالهة القديمة تركت بصماتها وتأثيرها في الاديان الوليدة، كميثولوجيا دينية تجلت إما بشكل طقوس أو عبادات او معتقدات، ومن اهم تلك البقايا، ظاهرة ربط الكارثة بغضب إلهي، وهذا الامر كان غالبا ما يظهر بوجهين في الكتب المقدسة للاديان الابراهيمية، الاول غضب إلهي يسلطه الرب على مجتمع عاص تطبق بحقه عقوبة جماعية، غالبا ما تتمثل بتدمير المدن العاصية. والثاني يتمثل في كون الكارثة نوعا من الاختبار لمجموعة من البشر الاخيار، لمعرفة مدى قوة إيمانهم، واذا أردنا الاشارة فإن الامثلة كثيرة، ويقف في مقدمتها عقوبة الطوفان، التي سلطها الرب على قوم النبي نوح، وعقوبة الأمطار الكبريتية والنار التي دمرت مدينتي سدوم وعمورة، التي سكنها النبي لوط، وتسليط غضب الرب على المصريين، أعداء النبي موسى بشتى الوسائل، كانتشار الذباب والضفادع والأمراض المختلفة. وقد كان إله العهد القديم بشكل خاص نموذجا للإله القومي المنتقم المتعنت، الذي أنزل عقوبات جماعية عديدة بأعداء بني اسرائيل، وهذا ما يمكن ان نطلع عليه بالتفصيل في أسفار العهد القديم.
خطورة الإشكالية ربما تكمن في الانعكاس السياسي والاجتماعي لهذه المنظومة من التفكير، وهنا لابد من ان نشير الى أن الأمم عندما تمر بمراحل ضعف وهوان، كثيرا ما تشيع لديها منظومات فكرية تربط ما يحصل من كوارث طبيعية، لها قوانينها الخاصة، بغضب إلهي، فإذا أصابتها الكارثة فان ذلك نتيجة قصور في الالتزام الديني. أما إذا أصابت الآخر فانها انتصار على من يريدون شرا بالمنظومة الدينية وحماية ونصرة الدين الحق. ويمكننا ان نلاحظ ذلك تأريخيا في اشارة حسام عيتاني في كتابه «الفتوحات العربية في روايات المغلوبين» حيث ينقل ما ذكره كتاب الحوليات من الرهبان والقساوسة في العراق والشام إبان بدء الفتوحات العربية قائلا «بشبه اجماع، اعتبرت الشعوب المغلوبة الفتوحات العربية عقابا من الله على ذنوب سابقة، يعود بعضها إلى الخلافات الداخلية المتعلقة بالإيمان والصراعات بين الكنائس المختلفة، ما أغضب إلها لم يعتد الشقاق بين ابنائه، وسئم من سوء أخلاقهم ومن آثامهم الممتدة من الخروج على سلطة الكنيسة الى موبقات يرتكبونها في حياتهم اليومية، وقد جاءت في أكثر من مصدر قديم، اخبار عن سيوف من الشهب ظهرت في سماء سوريا وبلاد ما بين النهرين قبل أعوام أو أشهر من بداية الفتوحات».
وما زال الوضع يحظى بتفسيرات متقاربة في الأديان الابراهيمية الثلاثة، مثال ذلك سلوك القس الامريكي اليميني بات روبرتسون، وهو شخصية شعبوية تحظى بجماهيرية كبيرة في الولايات المتحدة، وقد تقلب بين الدين والسياسة والاعلام بخطوات كان طابعها العام القرب من السياسات الاسرائيلية بشكل واضح، وقد عُرف روبرتسون بأنه صاحب تصريحات مثيرة للجدل، مثال ذلك بعد أن ضرب الزلزال جزيرة هاييتي، صرح بأن ذلك عقاب إلهي لهذا الشعب الذي باع نفسه للشيطان. وفي 2006 عبر عن اعتقاده بأن الجلطة الدماغية التي تعرض لها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون هي عقاب من الله له على مساعيه لإعطاء مزيد من الأراضي للفلسطينيين، هذا الربط بين إرادة إلهية مختفية تصرح عن نفسها فقط لمثل هؤلاء الاشخاص، هي خطر محدق نتيجة توجيه الرأي العام للعبة الارادة الالهية. لقد أجرى أحد المواقع الالكترونية واسعة الانتشار، استقصاء صحافيا حول علاقة الكوارث الطبيعة بالغضب الإلهي، حيث توجه الصحافي فيه بالسؤال عن الموضوع لأكاديميين وعلماء دين بارزين مثل الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور زغلول النجار، والدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس السابق لجامعة الأزهر، والدكتورة إلهام محمد شاهين الأستاذة بجامعة الأزهر، والدكتور محمد المهدي استشاري الطب النفسي، والدكتور حسني حمدان أستاذ الجيولوجيا بجامعة المنصورة، اللافت في الامر ان النتائج كانت شبه مجمعة على ربط الامرين ببعض، فقد اكد هؤلاء الاكاديميون على ان «الزلازل جند من جنود الله.. الزلزال غضب إلهي.. رسالة للعالمين.. صلاح النفس هو الوقاية من الزلازل». واضافوا «أن أكبر ما يدل على ذلك، حدوث موجة (تسونامي) التي ضربت جنوب شرق آسيا في المناطق السياحية التي تشتهر بالسياحة الجنسية، خاصة التجارة الجنسية بالأطفال، كما أن الضحايا كانوا من مختلف الجنسيات ليكون الأمر رسالة واضحة على عقاب الله للعاصين». بينما رفض قلة الربط بين الكوارث الطبيعية والغضب الالهي، مثال ذلك ما صرح به الدكتور عبد الصبور شاهين الأستاذ بكلية دار العلوم، الذي اعتبر الحديث عن المعاصي والزلازل في إطار واحد أمرا غريبا لا يمكن الاعتراف به، واصفا الزلزال بأنه مجرد ظاهرة كونية، تخضع للمقاييس العلمية البحتة، وقد فند شاهين بعقلانية، الأدلة التي أصر عليها العديد من الاكاديميين وعلماء الدين، الذين اعتمدوا في تفسيرهم للعلاقة بين الكارثة والغضب الالهي على نصوص دينية، حيث يشير شاهين في تفسيره لوقوع الكوارث والزلازل للأقوام السابقين كنوع من العقاب، إلى أن ما وقع لقوم عاد أو ثمود أو شعيب أو لوط من أهوال، كان في إطار محدود، وفي وقت دعوتهم إلى التوحيد، في فجر الحضارة الإنسانية، عندما رفضوا الدعوة الإيمانية، وظلوا على كفرهم وعنادهم، وأبوا الاعتراف بالمرسلين لإعلاء كلمة الحق.. وقتها وقعت لهم أحداث جسام عقابا لهم على كفرهم وإنكارهم التوحيد وعصيانهم للأنبياء المرسلين. أما الآن، بعد أن صار الإسلام دينا شاملا في كافة أنحاء المعمورة ويؤمن به ما يقرب من مليارين من البشر.. فليس هناك مجال للمقارنة.
واللافت في منظومة التفسير والربط التي نحن بصددها انها تقدم نوعا من الحلول التخديرية، فالرب المنتقم سوف يأخذ حقنا من الامم الاقوى بتدميرها، بدون ان نبذل جهدا لنطور انفسنا ونصبح على قدر المسؤولية التي نواجه بها تحديات العالم المتسارعة، أما اذا وقع علينا ما يقع على الآخر الكافر، فإن التبرير الجاهز اننا مقصرين في واجباتنا الدينية، ما يجعلنا ندخل في دوامة دروشة مجتمعية تقودنا دائرة مغلقة من اللاعقلانية.
كاتب عراقي
صادق الطائي