الكتابةُ دليلُ الروحِ إلى ما وراءَ العتباتِ

للكتابة دروبها الخاصة بها، التي لا تختلف في شيء عن دروب الحياة، عدا أنها دروب محتجبة قليلا خلف غلالة سديمية، يستدعي اختراقها حضور رؤية مغرقة في انحيازها للإنسان، وتلك هي بعض من أبعادها الأسطورية، التي لا تحفل عين الواقع بالنظر إليها، لأن هذه العين وفي تنقلاتها الدائمة لا تكون معنية بالاستفادة من خريطة طريق تكون دليلها إلى وجهة ما معلومة سلفا، أو مجهولة، مادامت العبرة تكمن أساسا في الوصول، تبعا لإرادة الدروب، وليس لإرادة الغاية، هكذا إذن، وفي قلب هذه المفارقة الوجودية تتجسد الكتابة كضرورة، كي تخفف نسبيا من ضراوةِ انفصال الغايات عن دروبها، التي تتقاطع أو تتوازى باتجاه الحافة، أو باتجاه الجدار، من خلال تصعيد حركيةٍ مسكونةٍ بنبض ذلك الإيقاع اليقظ، والخبير بمَدِّ جسوره اللامرئية بين الهاوية والهاوية، وبين ما اختفى من مسالكها، أو تلك التي طالَها الخراب.
ولعلنا نشير في هذا السياق إلى دلالة ذلك التقلب القاسي الذي يعيشه الكائن بين الرغبات والأحوال، بين الرؤى والمواقف، اضطراريا، أو اختياريا، التي تجد ترجمتها الرمزية في استحالة استِنْفادها، واستنزافها التام لحركية الشيء في ذاته. فكل من المبادرات العقلانية والبراغماتية، بما فيها تلك الممسوسة بحظوة الحداثة، تتفادى تداعيات الاستنفاد، انطلاقا من عملية تركيبية، يُتَوخَّى فيها الحرص على التفاعل مع الموضوعات والظواهر المتميزة بطابعها التركيبي، أي تلك التي تتشكل من عدة عناصر منتمية، إلى مواضيع متباينة ومختلفة في مكوناتها وبنياتها، وفي الوقت نفسه قابلة للتحاور فيما بينها، من خلال دمجها لاختلافاتها وتناقضاتها، وتكثيفها في قلب مسارات مشتركة نموذجية، تعفي الكائن من محنة التيه في براري التشظي ومجاهله التي تتعدد فيها الأشكال والأنواع، حيث يدل تفاعلك مع مسار معين، على تفاعلك الضمني والحتمي، مع ما لا يحصى من المسارات المحايثة والمجاورة. وهاجس تطويقِ المتعدِّدِ، في أفق الارتقاء به إلى مكون نموذجي، يحيلنا مجازيا على فكرة العتبة، التي يمكن اعتبارها بؤرة مركبة، تحيل بدورها على ما يعتمِل داخلها من تنويعات واختلافات، ذلك أن العتبة الواحدة، يمكن أن تكون نقطة عبور إلى سلسلة طويلة من العوالم، ومن أصناف المعيشات والمكابدات. وتردد الكائن عليها، هو نوع من التعويض الرمزي على احتمال تورطه في ما يحتجب وراءها من تعقيدات لا طاقة له بها، لأن عتبة أي بناء/فضاء، هي بمثابة ترجمة نسبية، أنيقة ومكثفة لما يعتمل في داخله، كما أن الوقوف عليها، هو شكل من أشكال إيهام الذات بإنجاز واجب اقتحام باب، تعتبر في حد ذاتها المدخل الرئيسي للالتزامات اليومية، ولإكراهات الواجب، لعنف الضرورة، ولانتشاءات الرغبة. كما لو أن الوقوف على العتبة، يكفيك مؤونة الإقامة في الفضاءات التابعة لها. وبقليل من التأمل، يمكن ملاحظة اشتغال العالم قاطبة ضمن تقلبه الدائم على عتبات المداخل المؤجلة، بالنظر إلى استحالة تواجده الدائم في ما يتوارى خلف حجابها من فضاءات، والقولُ باستحالةِ الإيغال في تجاوز العتبات، هو التبرير الموضوعي للتوتر الدائم القائم بين الكائن وبينها، الذي يسمح للذات بممارسة حق الانفصال، عن سلطة غواية /ورطة ما، من أجل توفير فرصة الاستجابة لنداء غواية /ورطة مغايرة، تكون هي أيضا محدودة في المكان والزمان، أي مقننة بشرط ملازمة العتبة، التي تذكرنا عمليا بأن ما من مدخلٍ إلا وهو سعيد بفضاءاته وأروقته ودهاليزه، التي لا تنتهي، كما أن المدخل ذاتَه الذي هو بمعنى ما، مرادف للموضوع، يستمد ديمومته من تناسخه الدائم في أشباهه التي لا حدود لتكاثرها. وحينما نقول بالتكاثر فنحن نحيل على التشابه الخارجي للأشكال وللظواهر، وليس على جوهرها الذي يظل إلى حد ما، مشتركا وناظما لتنوع الكثرة، علما بأن ظاهر المدخل، يمتلك هو أيضا سلطته المركزية، التي تتيح له إمكانية تنويع أشكاله، كي يضمن من خلالها فرصة انتقاله وانتشاره في الأزمنة وفي الأمكنة. وهذا الانتقال/الانتشار محفوف بمزالقه، لأنه وفي سياق بحثه الدؤوب عن النموذج المتشكل من التنوعات المنتمية للنواة نفسها، قد يتورط في الانجذاب اللاإرادي نحو ما سيبدو غريبا تماما عن أي شبيه، وعن أي ظاهر له صلة ببلسم العتبة. لأن التنويع على الإيقاع الواحد، قد يؤدي لسبب أو لآخر إلى وضع الكائن في أتون عوالم قائمة الذات، يكاد يستقل بعضها كليا عن الآخر، على الرغم من بقائه على صلة بالنواة التي تنتظم في ظلها التشابهات والاختلافات، فالنواة تظل هي المرجع، وما يتمحور حولها من تنويعات، يستمد حقه في الاختلاف، بتأكيد علاقته العضوية بالنواة. وفي السياق ذاته، يصبح الانتماء إلى المرجع المركزي، ذريعة للمبالغة والغلو في اختلاق أشكال جديدة، قد تكون منافية تماما للأعراف والمواضعات التي يلزمك بها. وبالإمكان تفسير الأمر بحق الذات في التكييف، بمعنى أن الذات تشتغل بإيعاز من ديناميتها الخاصة بها، ومن قيمها وثقافاتها، فكل ذات تستند في مبادراتها على ما تمتلكه من إمكانيات شخصية. ربما بسبب ذلك، تتعدد أشكال الكؤوس منذ فجر الاحتساء إلى اليوم، احتساء الماء، اللبن، النبيذ، والسم، حيث لكلٍّ منا طريقته الخاصة في الاستمتاع بهذه الهبات، لذلك ليس من الضروري أن نشرب جميعا من ذات الكأس، علما بأننا نشرب جميعا من ذات الجوهر، ربما لأننا لا نملك معجما وافيا يسمح بتسمية كل كأس مختلفة ومغايرة على حدة.
هكذا وكالعادة يتسرب ظل اللغة إلى رقعة القول، كعامل أساسي من عوامل الفصل بين الظاهر والباطن، بين العتبة وما يليها، بين رعونة اللغو، وضوء الكتابة القادرة على الرغم من ذلك، على ضبط العلاقات المشتركة القائمة بين اللغات، التي لا تختلف في شيءعن تلك القائمة بين الأجساد، التي على الرغم من تنوعها، فإن مركز الثقل دائما يظل هو الجسد ذاته، المرئي بعين الطير، وعين النمل وعين الحجر.
وخارج متاهة الجسد ومتاهات اللغة، يعود بنا الحديث إلى الامتدادات اللانهائية للشيء، والشبيهة بالشوارع الخلفية للمدينة، التي سيضعنا الكشف عن تفاصيلها المحتجبة في قلب مدينة أخرى، لا علاقة لها بتلك المدركة والمستوعبة من خلال أيٍّ من رموزها الدالة عليها، حيث سيتأكد لنا وبالملموس، أن الرمز الذي اعتمدناه في الإشارة إلى المدينة، ليس سوى العتبة/الواجهة التي يتم تعميمها، باعتبارها الإطار العام الذي تقدم من خلاله هوية وخصوصية المدينة، وهو في جميع الأحوال إطار استيهامي يهدف إلى تكريس صورة مثالية لا علاقة لها بالواقع الذي يتعذر تسويقه من خلال تفاصيله. وبالنظر إلى الضرورة القصوى لفعل التسويق، فإننا نكتفي بتسويق العتبات، وهي الحقيقة التي يمكن تعميمها على علاقتنا بمختلف تجليات الظواهر، حيث ما من استعداد للتسكع في الشوارع الخلفية للفكرة، للخطاب للحدث، أو للجملة. والتسكع هنا يحيل على حركية الكتابة، بما هي تأمل دقيقٌ في آلية اشتغال التفاصيل المستترة خلف كل هوية معلنة.
واقعيا، لا يخلو الاطلاع الجزئي والنسبي على ما بعد العتبة من متعة، لكن شريطة عدم الاستسلام لغوايتها التي تهدد المتعة بانقلابها إلى نقيضها. إن خطورة التقصي المستمر للخيوط التشابه والاختلاف في النسيج، قد يوقع الذات في شراك الإحباط والسوداوية، كي تحُثَّ الخطى باتجاه الجُرْف، مستعجلة ظهور كارثة كانت مؤجلة إلى حين، لأن قوة استمرارية الحجاب جدُّ قصيرة، باعتبار قابلية ما وراءه للإعلان عن حضوره، علما بأن الحياة هي سفر دائم بين الحجب، وتنقل دائم بين العتبات، وتهرب دائم من الواقع الذي هو المقابل الموضوعي للقتل. وتلك هي مغامرة الكتابة الحريصة على تمزيق الحجاب، وعلى ردم العتبات، من أجل ممارسة تقلُّبٍ مغاير في قلب الأنواء الداخلية لما وراءها، أي لواقع النص، ولنص الواقع.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

الكتابةُ دليلُ الروحِ إلى ما وراءَ العتباتِ

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية