كثيرون ردّدوها قبلي، وسأقولها لكَ ثانيةً: أنا لستُ إرهابيّاً. أما السبب الذي يستدعيني الدفاع عن نفسي فسأوضحه تالياً.
بدعوة من خمس جامعات أمريكية معروفة، ومجلة أدبيّة واحدة، تقدّمت بطلب تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة يوم 12 يناير 2015. يوم 2 شباط، أعلمتني الموظفة التي قابلتني أن طلبي يحتاج «إجراءات إدارية» قد تأخذ عدّة أسابيع. الموقع الإلكتروني للسفارة الأمريكية يؤكد: تصدر التأشيرات عادة خلال 4 أيام، مرّ 365 يوماً على طلبي من دون جواب.
ربما يظهر اسمي على واحدةٍ من قوائمكم. أفترضُ هذا لأنه – خلال 24 ساعة من تسليمي للطلب- اتصل بي مسؤول في السفارة، وطلب مني أن أرسل –بالفاكس- قائمة مفصّلة بأسفاري خلال الـ15 عاماً الماضية، وهو ما قمت به. الموظفة التي قابلتني لاحقاً أعلمتني أن مثل هذا الإجراء «غير معتاد على الإطلاق». الغرض من زيارتي أدبيّ وبحثيّ وتعليميّ: استلام جائزة عن كتابي القصصي «أرى المعنى»؛ الحديث عن الكتابة العربية الجديدة؛ المساهمة في دورة خاصة متقدّمة عن الترجمة؛ وأيضاً (هل من ذلك مهرب؟) نقاش أوضاع منطقتي المأساويّة. الأدب العربي مهمّش تماماً في عالم النشر الأمريكي؛ 0.0013 بالمئة من الكتب المنشورة في الولايات المتحدة سنوياً هي ترجماتٌ عن اللغة العربية. أعتقد أن هذا الوضع يساهم في «سوء الفهم»، والفجوة الكبيرة التي تفصل بين العالم العربي والجمهور الأمريكي.
أنا كاتبٌ من العالم العربيّ، فنانٌ أدواته الكلمات والمخيّلة. أنا جزءٌ غير ذي أهمية من «أقليّة» لا يتجاوز تعدادها الـ0.0013 بالمئة، «أقليّة» يدخل في عداد تراثها التاريخيّ العريق اختراع الأبجديّة، ولغة يتحدّثها 300 مليون شخص يسكنون قلب العالم – الشرق الأوسط الذي تنخره الحروب والتدخّلات التي أدّت إلى هجرة ملايين من سكّانه إلى أرجاء العالم الأربعة.
لأطمئنك، سيادة الرئيس، سأقدّم لكَ بعضاً من معلوماتي الشخصية. أنا لا أعرف كيف أطلق النار من مسدّس، وبخلاف 43 بالمئة من المنازل الأمريكية (بحسب تقديرات معهد جالوب)، فإن منزلي لا يحتوي سلاحاً نارياً من أي نوع. وفوق ذلك، فأنا أشمئزُ من فعل القتل، لا قتل البشر فقط بل الحيوانات أيضاً. أنا نباتيٌّ لأسبابٍ فلسفيّة وأخلاقيّة متعلقة بالمعاملة القاسية التي يتلقّاها شركاؤنا في الحياة على هذا الكوكب، ويمكنك أن تجد إشارات متعلّقة بهذا الموقف في أدبي. معلوماتٌ شخصيّة أخرى أودُّ مشاركتها معك: أنا لم أقصف مُدناً آهلةً بالمدنيين مستخدماً أسلحة نووية مدمّرة (هيروشيما 1945)، ولم أُحرّك جيوشاً لغزو بلدان أخرى (فيتنام 1965) مخلّفاً ورائي الفوضى والحرب الأهليّة (العراق 2003). أنا لم أُشغّل سجوناً تُرتكب فيها خروقات فظيعة لحقوق الإنسان (أبو غريب 2003)، ولا تسبّبتُ في قتل الأبرياء مصنّفاً إياهم في خانة «الأضرار الجانبية» (ملجأ العامريّة 1991)، ولا أشرفتُ على رحلات سريّة وتعذيب واعتقال لأشخاص خارج الأطر القضائية (غوانتانامو، 2002). لم أقصف مستشفيات مُخلّفاً قتلى وجرحى من الأطباء والمرضى (قندز 2015). لم أُطلق النار على أناسٍ غير مسلّحين بسبب لونهم أو عرقهم (فيرجسون 2014).
لم أدعم انقلابات ضد أنظمة منتخبة ديمقراطيّاً (تشيلي 1973)، كما لم أكوّن علاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع نظام قمعيّ (المملكة العربية السعودية)، ولا عقدتُ اتفاقاً نووياً مع نظام قمعيّ آخر (إيران)، ولا رعيتُ إرهاب دولة استعمارٍ استيطانيّ (إسرائيل).
من موقعي كجزء غير ذي أهمية من هذا العالم، لستُ قادراً على التأثير على الأحداث بالطريقة التي تستطيعها حكومات تملك ترسانات سياسية واقتصادية وعسكرية. لكنني قمت بالاحتجاج على مثل تلك الممارسات والسياسات بقلمي. أقل ما يمكن أن يفعله شخص بحدّ أدنى من الأحساس بالعدالة وقناعة حقيقيّة بالحريّة والمساواة، هو أن يُجاهر برأيه فيما يراه مصلحة للإنسانية والعالم؛ أن يتحدّث في مواجهة أولئك الذين أعمتهم القوّة والأرباح وفقدوا إحساسهم بالمآسي، ويستنكر التعصّب وشيطنة «الآخرين» ـ «الآخرون» الذين يجب أن يكبّلوا ويدجّنوا، أو ـ خلاف ذلك ـ أن يُبادوا.
أنا لستُ مُتديّناً يا سيادة الرئيس؛ في الواقع لديّ موقفٌ نقديٌّ من الأديان: شخصٌ يمكن اعتباره تقدّميّاً ما زال يقاتل من أجل الحريّات السياسية والاجتماعية، ومن أجل نهاية للأنظمة القمعيّة؛ لذا دعني أسرُّ لك ببعض أمور: لا ينتجُ الإرهاب فقط عن الأفراد المتطرّفين والتنظيمات المتطرّفة؛ الإرهاب تُنتجه أيضاً الدول والقوى الدولية. الناس الذين تقصفهم وتغزوهم وتقتلهم جيوشٌ نظامية هم ضحايا إرهاب أيضاً. نتج الإرهاب عن سياسات حكومية مورست، بينما صعدت الولايات المتحدة لتصبح قوة مهيمنة دولياً. الإرهاب ناتج عن الاستعمار والإمبريالية – تلك المفاهيم القديمة التي ما تزال راهنة جداً اليوم. بواسطة الاستعمار، تم نهب جنوب العالم، وأُفقرت شعوبه، وشُوّهت مجتمعاته، وبعدها أورثت «دولاً» مُعوّقة، تقوم عليها أنظمة قمعية، فاسدة، خاضعة؛ ومن خلال الإمبريالية، تم الحفاظ على سياسات التدخّل والتبعية. وكأن كل هذا لم يكن كافياً، استمرّت التركة بتغذية متطرّفينا: فـ»مقاتلو الحريّة» في أفغانستان ممن واجهوا «امبراطورية الشر» السوفييتيّة، دُعموا ودُرّبوا ومُوّلوا من قبل الحكومة الأمريكية، وكانوا المقدّمة التي انبثق عنها الطالبان و»القاعدة»، والأخيرة وجدت بدورها أرضاً خصبة في العراق بعد الغزو الأمريكي ورعايته للسياسات الطائفية، وأفرزت في النهاية «الدولة الإسلامية». آخذاً بعين الاعتبار هذه المتتالية التاريخية، فأنا مندهشٌ تماماً من الصدمة الأوروبية والأمريكية المتعلقة بتراكم مشاكل اللاجئين، والإرهاب، والفوضى التي يبدو ألا نهاية لها.
منع الفنون، يا سيادة الرئيس، وقمع التحليل النقدي، وتكميم أفواه الأصوات العلمانيّة، يصبُّ الزيت على نار الحرب/الإرهاب. شيطنةُ مجتمعات بحالها يعزّز الصور المسبقة الصنع والتضليل، الأمر الذي سيضمن بدوره صمت شعبكم وجهله، والأهم من هذا وذاك: أرباح شركاتكم. وبينما يحظى القتلة الحقيقيون (المتنكرون على هيئة قادة دول، ومسؤولين حكوميين) باستقبالات احتفالية، وحصانة دبلوماسية، ومعاملة «VIP»، يوضع اسمي – أنا من قرّر الكتابة عن كلّ هذه الأمور- على قائمة ما، وتتم معاملتي باحتقار، وسيتم اختياري «عشوائياً» في مطاراتكم لتفتيش دقيق واستجواب، وقد أتعرّض للطعن أو إطلاق نار بجريمة كراهية في شوارعكم. أنا لا أستطيع قصف مدن أو نشر منظومات صواريخ أو الإطاحة بحكام، لكنني أحمل الصورة التي طبعها ماضيكم الاستعماري وحاضركم الإمبريالي على ظهري، وأُمنع من إظهار ذاتي الحقيقيّة: الجانب «الآخر» من القصة.
إن سياسات حكومتكم تولّد الكراهية، يا سيادة الرئيس، لكنني لن أقع في الفخ: سأحافظ على، وأقدّر، صداقاتي التي عقدتها مع مواطنين من بلدكم، وسأستمرّ بانتقاد ومعارضة السياسات التي تهدف إلى إبعادنا بعضنا عن بعض. في إبريل المقبل، سيُنشر في الولايات المتحدة عدد خاص من مجلة «ذي كومون» الأدبية الصادرة عن جامعة آمهيرست، أنا محرره الضيف، وهو مخصص للأدب العربي المترجم، يجتمع فيه 25 مؤلفاً عربياً، وخمسة فنانين، و19 مترجماً، يمثّلون التنوع الواسع للبلدان والأساليب والأجيال والجندر في منطقتي. بهذه الطريقة، نحاول مد أيدينا إلى الناس في الولايات المتحدة، لأنني أعرف أننا – «نحن الشعوب»، وفي أعماق أنفسنا- نتشارك الآمال ذاتها بالمساواة والحرية والكرامة.
الكتابة هي الطريقـــــة التي أستخدمها للتواصل، سيادة الرئيس، لا السلاح. ها أنا أُلقي بالمسدّس الذي تحاول أن تضعه في يدي، مرّة أخرى، إليك.
٭ كاتب أردني
هشام البستاني