لم ترتبط الكتابة بمفهوم واحد، أو بنظرية محددة؛ على الرغم من أن هذه الأخيرة تساهم بشكل كبير في تطوير مهارات الذات الكاتبة، لكن، الكتابة دائما موجودة في أعماق الذات على شاكلة عوالم نفسية مكبوتة، تتحرر من سلاسلها حين تصرخ.
سبق أن كتب الشاعر الكوري كيم سات جات، أن الكتابة هي عملية تحرر من الظلام الذي يستوطن الذات، خلال فترات الحزن والألم. ويضيف رامان سيلدن: «لقد دعمت الفلسفة الغربية التراتب للحفاظ على الحضور، ولكن هذا التراتب يمكن نقضه بسهولة وقلبه رأسا على عقب، إذ نبدأ هنا في إدراك أن كلا من الكلام والكتابة يشتركان في ملامح كتابية، فهما معا عمليتان دالتان تفتقران إلى الحضور، ويكتمل نقض هذا التراتب عندما نضيف الآن أن الكلام نوع من أنواع الكتابة». حسب سيلدان يجب التفريق بين الكتابة والكلام، رغم اشتراكهما في بعض الملامح، هذا ما يؤكده جاك دريدا قائلا: «إن الكتابة الأصلية بوصفها حركة للإرجاء، وقضية مركبة أصلية، لا تقبل التبسيط، وهي تفتح في إمكانية واحدة، السبيل للتحديد الزمني والعلاقة مع الآخر ومع اللغة، كما لا يمكنها بوصفها شرطا لكل نظام لغوي أن تكون جزءا من النظام اللغوي نفسه، ولا يمكنها أن تصبح موضوعا يعالج داخل مجال هذا النظام (وهو لا يعني أن لها مكانا واقعيا في مجال آخر، أو موقعا آخر مخصصا لها)».
إشكال حقيقي
إن مفهوم الكتابة يطرح إشكالا حقيقيا دفع بالعديد من الباحثين والمنظرين إلى التطرق لمواصفاتها وماهيتها. فتقاطع فعل الكتابة مع اللغة والمؤلف، دفع بأمبرتو إيكو إلى التأكيد على أن النص مفتوحاً، في حدود أنه متولد عن التعامل مع ممكنات إنسانية. فالكتابة عند رواد الأدب الأفغاني المعاصر تجمع بين إشكالية اللغة والمؤلف، والغاية من السرد باعتباره أداة للتعبير عن الأزمة الوجودية، لكن، تختلف الكتابة عند الأدباء الأفغان، خاصة أنها تنبني على ثنائية الواقع المعاش والخيال المستمد من تجربة المنفى. فالأنا كذات كاتبة تعتبر مرجعا أساسيا لفهم جوانب من هذا الأدب الرمزي الذي يشيد نصوصه حول مفاهيم المتاهة وشاعرية اللغة والتداخل النصي. وإذا كان النقد الاجتماعي للأدب يؤكد على أن النص الأدبي هو تعبير عن وجود اجتماعي، أو مرآة للمجتمع، فالنصوص الأفغانية المعاصرة تتقاطع مع هذا التصور، حيث الواقع والخيال في حوار مستمر. تعتبر الرواية الأفغانية نتاجا للمجتمع ومرآة عاكسة لتغيراته. على غرار أن الكاتب الأفغاني يعيد تشكيل تاريخ بلاده العصيب، مدخلا القراء في متاهات مجتمع متناقض، فالفضاء السردي يتميز بتعدده، مشكلا بذلك نقطة تقاطع بين التاريخ والواقع من جهة، وتجربة المنفى والخيال من جهة أخرى. في هذا السياق يعيد ميشال فوكو طرح إشكالية ثنائية الخيال والواقع، محاولا الكشف لنا عن أن العلاقة بين الكلمات والأشياء تغيرت وأن اللغة أصبحت أداة معرفية.
علاقة ضيقة
إن علاقة اللغة بالأدب هي علاقة ضيقة بحيث إن تغيير اللغة في الكتابة يؤثر على علاقة الإنسان بالعالم. والهدف من الكتابة الأدبية هو خلق بنية تسهل عملية المرور من خارج النص السردي، من العالم الواقعي إلى الداخل، نحو بنيته اللسانية، إن لم نقل الانتقال من العالم الخارجي إلى هوية النص، فالواقع الذي يعيشه الفرد الأفغاني يدفع بالأديب إلى خلق نص سردي وفق هندسة المتاهة، حيث يجد الراوي ذاته في الحلم أو التيه بعيدا عن الواقع المزري الذي يطارده، لذلك فعلى سبيل المثال لا الحصر، الراوي في روايات عتيق رحيمي شبيه بالراوي في رواية مارسيل بروست، لا هو مستيقظ ولا هو نائم، أي أنه بين الحلم والواقع. وقد سبق أن كتب بروست أننا في حاجة إلى القليل من الجنون لكي نتحمل هذا العالم.
ويرى فولفغانغ أيزر، أنه لا يمكن للقارئ فهم علاقة الخيال بالواقع على المستوى الأنطولوجي، ولكن كعلاقة تواصل. فالخيال ليس نقيض الواقع، بل إنه يمكننا من فهم الواقع عن طريق تمرير بعض الرموز أو أشياء لها صلة مباشرة بالواقع. في التصورنفسه، يَعتبر لوسيان غولدمان، أن النص الأدبي هو فضاء تعيش فيه مجموعة من الأشخاص، مجموعة من الشخصيات ولا يعكس مجموعة من الوضعيات الاجتماعية، أي أنه يجب على النص الأدبي أن يتميز بالجانب المعرفي من خلال الإحاطة بالواقع الاجتماعي. فروايات عتيق رحيمي تعكس بقوة هذا التصور، لأنها تنطلق من المجتمع كأرضية وتجعل من أحداثها السردية فرصة لمعالجة مشاكله. وإذا كان شارل بودلير يعتبر المخيلة منبع الإبداع الأدبي، فالمخيلة عند عتيق رحيمي فضاء الخلق، حيث يعيد الكاتب بناء المجتمع على طريقته الخاصة، لذا يجب عدم فهم علاقة الخيال بالواقع على أنها علاقة تضاد أو علاقة اصطدام، بقدر ما يجب فهمها على أنها علاقة تقاطع وتكامل. فالهدف الأسمى من الخيال هو خلق إحساس عميق وخلق فضاء مواز للفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات. فالكاتب الأفغاني يستعين بالخيال لخلق عالم رمزي يتماشى مع الأسطورة واضطرابات الذات الممزقة الباحثة عن منفد من قبح العالم الذي عاشت فيه. ففرويد يُعرف النص الأدبي على أنه تحقيق لرغبة لا واعية، لأنه في غالب الأحيان غامض ويتضمن جزءا مبهماً، ولا يمكن للقارئ ولوجه إلا عن طريق مقاربة تأويلية. لذا، يجب اعتبار النص الأدبي كأنه صورة للحلم، تحقيق لرغبة تتأسس على خيال مبدع يساعد تحرر الذات من الكبت الذي تعانيه.
إن الرواية الأفغانية تشكل عائقا أمام القارئ الذي يجهل ثقافة وتاريخ أفغانستان. ففي رواية «ألف منزل للحلم والرعب»، يتشكل الفضاء السردي من مجموعة من الأشلاء لها علاقة بالأحلام والتجارب. فالراوي يدخل القارئ في متاهة رمزية يختلط فيه الواقع بعالم الحلم كنتاج لردة فعل لاواعية. فالخيال المتمثل أساسا في ثنائية الحلم والكابوس يلعب دورا مهما، من خلاله يحاول الكاتب إعادة تاريخ بلاده. فالكتابة عند عتيق رحيمي تنبني على العلاقة التي تجمع بين الحقيقة والوهم. فعند إعادة دراسة الرواية بطريقة فاحصة، يتضح أن الخيال مجرد واجهة، مجرد جدار يوجد خلفه واقع تراجيدي تفصح عنه الشخصيات من خلال تصرفاتها العبثية. لذا، يعتبر بيير لويس راي أن الواقع يأخذ وزنه من خلال الأحداث الخيالية التي تم خلقها، والتي تتضمن نوعا من الوهم. فالنص الأدبي الأفغاني المعاصر يتماشى مع هذا الطرح، لأنه في الأساس نتاج لمخيلة مبدعة، لذات مجروحة يتوغل فيها الألم. الكتابة انعكاس للاوعي وردة فعل واعية ضد الظلم والقهر والمعاناة. إنها تعبير عن المعاش، عن الذكريات الملطخة بالدماء، عن الحلم، عن الهوية المفقودة. الكتابة متاهة للقارئ ووطن للكاتب المنفي خارج أسوار وطنه. فالنص الأدبي الأفغاني المعاصر يتميز بوحدة مواضيعه ووحدة الفضاء السيميائي، لذا يعتبر مرآة لروح تعاني أزمة الحياة ولا مهرب لها إلا الموت أو الحلم كما هو الحال بالنسبة لشاعرات البشتون المقموعات.
الذات الكاتبة
إن الذات الكاتبة تبحث عن انعكاسها في النص، لذا فالخيال هو مكان الانفجار الداخلي، حيث تنتقل الذات من العالم الملموس إلى العالم المجرد الذي يستمد قوته من الواقع، حسب رولان بارت، فوظيفة النص، ليست إعادة تمثيل العالم، بل يجب عليه خلف فضاء غامض يصعب على القارئ فك شيفرته. فعتيق رحيمي يحاول سرد واقع عاشه، لذا نجد في النصوص أشلاء من حياته، كما هو الحال في رواية «ألف منزل للحلم والرعب»، و«ملعون دوستويفسكي» و«العودة الخيالية». يعد السياق التاريخي أحد مرجعيات الكتابة الأفغانية المعاصرة، فإدراج أسماء لشخصيات تاريخية، أو الإشارة إلى بعض التواريخ يضفي على النص صبغة الواقع ويخرجه من إطار الخيال. فجميع روايات عتيق رحيمي تعيد بناء ذاكرة مجتمع محطم، تتطرق إلى أهم الأزمات التي عاشها الشعب الأفغاني وأبرزها: الاحتلال السوفييتي، عنف حركة طالبان أو الحركات الظلامية، التوغل الأمريكي ضد القاعدة، الانقلابات الداخلية خاصة خلال فترات حكم حافظ الله أمين وسيد جمال الدين ومحمد طراقي. هذه السياقات التاريخية تشكل الإطار التاريخي والمرجعي للروايات الأفغانية بهدف خلق نص أدبي متسم بالواقعية بعيدا عن الخيال. فالمأساة الأفغانية خلال الثلاثة عقود الأخيرة كانت مصدر مجموعة من الروايات القوية التي تناولت موقف الكتاب من الحرب، والكشف عن حجم المعاناة التي يعيشها الأفغان. هذه الإنتاجات الأدبية تتركز على هدفين: أولا، الكاتب الأفغاني يبحث عن العالمية، من خلال نصوص تتضمن شهادات حية حول جرائم الحرب، كما الحال عند زرياب، خالد حسني، سيد بهاء الدين مجروح، محمد حسين محمدي، نادية انجومان وآخرين. ثانيا، الرواية الأفغانية يمكن تصنيفها ضمن الروايات الملتزمة لأنها تدافع عن قضية مجتمع غارق في كل الأزمات. من ناحية أخرى، الكتابة هي سؤال عن تجربة معاشة. واستخدام المؤشرات الزمنية يخرج النص من المتاهة الخيالية إلى متاهة واقعية تتشابك فيها الأحداث وتختلط الرؤى والروايات. فيصبح السرد، إذا جاز التعبير، شهادة، نوع من الاعتراف الذي ينظر فيه الروائي إلى كونه يتقن ويراقب من الداخل: إنه في الأساس تجربة للحياة. يحتفظ المؤلف بمسافة معينة بين الواقع والخيال من خلال هذه القرائن التي تحدد بطريقة أو بأخرى الحدود بين عالم معاش وعالم مصور.
فمن خلال نظرات شخصيات عتيق رحيمي، يكتشف القارئ كل أنواع العنف؛ وهي من التقنيات التي تمكن المتلقي من لمس المأساة الأفغانية والحفاظ في الوقت نفسه على مسافة معينة بين المؤلف وشخصياته. تشير النصوص الأفغانية إلى العالم الحقيقي. أما الخيال، فهو المساحة المخصصة للشخصيات الخيالية التي تستمد هوياتها من خلال السرد. وليس غريبا أن يركز رحيمي في أعماله، على تاريخ بلده، حيث يتقاطع الحاضر مع الماضي باستمرار ويطعم كل منهما الآخر في نوع من التكامل. فالأماكن المذكورة موجودة فعلا، والتواريخ وأسماء الشخصيات السياسية جزء من تاريخ أفغانستان.
الرواية الأفغانية، نص مفتوح يقبل جميع القراءات والتأويلات والمقاربات، لأنه شبيه بالمتاهة لا يمكن الوصول إلى مركزه بسهولة، خاصة أن الخيال والواقع يندمجان في نص سردي واحد، يجعل من عملية التلقي أمرا صعبا. ولعل هذه السمات أبرز ما يتميز به الأدب الأفغاني المعاصر على باقي الأنواع الأدبية المنتشرة عبر العالم. وهكذا فإن المتاهة التي يخلقها هذا الأدب، لا تنحصر فقط في تعدد الأماكن والأزمنة، بل تتشكل من خلال نظرات الشخصيات التائهة الباحثة عــــــن مخرج من العالم العبثي، فالمتلقي يتيه مع الشخصيات في رحلة بحثها عن مخرج من الكوابيس التي تطارده. هذه الكوابيس ليست سوى صورة درامية لواقع موحشٍ فقد كل صفات الجمال.
٭ كاتب وباحث مغربي
عثمان بوطسان