الكتابة الصحافية أزاحت الأكاديميين عن عرش النقد الأدبي

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي: لا شك في أن ما يظهر من استغراق الأكاديميين العرب في تعاليهم عن المُنجَز الأدبي والاكتفاء منه بقراءة نماذجه المٌكرسةِ من جهة، وحاجة المنابر الإعلامية الورقية والإلكترونية إلى متابعات نقدية لما يصدر من كتب إبداعية من جهة ثانية، أمران حفزا الكتابَ والإعلاميين إلى ملء هذا الفراغ بقراءات موسومة بـ»النقد الصحافي» ومثيرة لأسئلة عديدة ارتأينا أن نعرضها على مجموعة من النقاد والأكاديميين العرب لنستأنس بآرائهم فيها، ومنها: ما حجم أدبية تلك القراءات؟ وهل هي كافية للإلمام بكل دَلالات النص المقروء؟ وهل يمكن الاطمئنان إليها في تقريب الكتاب من القارئ؟ وهل يمكن لها أن تملأ الفراغ النقدي الذي سببه غياب الجامعيين عن المنابر الإعلامية؟ ولعل في الإجابات الموالية التي يعرضها هذا التحقيق ما قد يسلط الضوء على جوانب مهمة من أمر النقد الصحافي.

المُنقذ من الركود الثقافي

يذهب الروائي والجامعي المغربي الحبيب الدائم ربي إلى القول إنه «لما ظل النقد الأدبي الأكاديمي كعادته حبيس فئات قليلة منذورة للعزلة ووهم امتلاك المعرفة، فقد كان «النقد الصحافي هو الحل»، وفق منطوق الشعارات السياسوية المرفوعة هنا وهناك في راهن وطننا العربي. والواقع أن النقد الأدبي الصحافي، قد يكون هو الحل حين لا حل موجود. لاسيما أن كثيرا من الباحثين الأكاديميين ظلوا يستنكفون من التعامل مع وسائط الاتصال الحديثة (الورقية والأثيرية) بدعوى الحفاظ على هيبة قد لا يحوزونها أصلا. وهم حين استفاقوا من غفلتهم، بعد لأي، كان الوقت قد فات، ولم يعد من المستساغ، عمليا، نشر دراساتهم وبحوثهم في الجرائد والمجلات والصحف السيارة، كما كان مستساغا مع بدء ظهور هذه الوسائط في سياقاتها التاريخية الشارطة». ويضيف الدائم ربي قوله: «لقد صار قراء اليوم عجولين، نفورين من أي إسهاب أو نزعة تعليمية تبغي تلقين الدروس وإسداء النصائح. وكان بوسع الكتاب والنقاد أن يتكيفوا، بدورهم، مع متغيرات المرحلة، إلا أن أغلبهم لم يفعل. ومعلوم أن الأكاديميين لم يكونوا، قَط، مؤهلين لمتابعة حركية التأليف والنشر كي نلومهم على تقصيرهم، خاصة أن فئة عريضة منهم كانت وما تزال لا تنشغل بقراءة النصوص قراءة «علمية»، وما يعنيها ليس هو حصان النقد، وإنما بالدرجة الأولى، عربة المتون التي من شـأنها تبرير المناهج النقدية التي يتبنونها، وهي متون يتم البحث عنها ضمن ريبرتوارات مركزية قديمة راسخة أو جديدة ورائجة، علها تمنحهم وتمنح مرجعياتهم ومفاهيمهم قدرا من مصداقية مفتقدة. لهذا فإن «تداول السلطة»، كما في السياسة، قضى بأن يُزاح «الأكاديميون» عن عرش لم ينالوا شرف الجلوس عليه يوما، لأنهم ما غادروا الهامش حتى وهم يشتغلون في العمق، ماداموا لم يؤسسوا لتجارب نقدية ملتصقة بالكتلة القارئة، وكان من الطبيعي أن يخلو المجال لحساب «نقدة صحافيين» أنقذوا المشهد من ركود، على الأقل في سعيهم لملء فراغ لا تقبله الطبيعة ولا الحياة، ومواكبة فيض الإصدارات على تواضعها في عالمنا العربي. وما همت طبيعة هذه المواكبة. هذا إذا ما استحضرنا غياب التخصص في هذا المجال والاستسهال، بحيث يغدو النقد الأدبي الصحافي، أحيانا، تخصصا لمن لا تخصص له، إذ هو انطباعات وتقريظات، وفي أسوأ تجلياته تصفية حسابات، وفي الحالتين يكون الأدب والنقد الخاسريْن الكبيريْن. لكن مزية النقد الصحافي تكمن، على الأقل، في كونه، عكس النقد الأكاديمي، نقدا متحررا من سطوة التكلس المنهجي والضغوط المؤسساتية، سهل الحركة والاستيعاب. علينا أن نستدرك فنقول بأن من التجني الانتصار لهذا النقد الأدبي أو ذاك، فكلاهما ضروري للإبداع ولا تنازع بينهما، ومن ثم فإن وجود أحدهما لا يلغي الآخر بالضرورة. مادام تحليل النصوص يستلزم التعريف بها، وكل تعريف لا ينوب عن الدراسة المفصلة. والخلاصة ألا أحد من هذين المحفلين فد أفلح عندنا، لحد الآن، في خلق «مؤسسة نقدية» لها اعتبارها الإبرائي الفعلي».
وفي هذا الشأن، يذهب الناقد المصري ممدوح فراج النابي إلى اعتبار النقد الصحافي نقدا مليئا بأحكام القيمة، ويقول: «المسألة يجب أن ينظر إليها من زاوية أخرى، أن كثيرًا من الصحف لا توجد فيها مساحات للثقافة، وإذا وجدت فإنها لا تتحمل الكتابات النقدية الجادة، حيث يرى كثير من مسؤولي الصفحات الثقافية، أنها صحيفة سيارة تخاطب الجميع، ومن ثم الكتابات المتخصصة تُنفر القارئ من الصحيفة، لذا يكون التعويل على محرري الصحف في تقديم عروض الكتب، التي هي مع الأسف تكون قرءاة سطحية للنصوص، بدون التوغل في أغراضها أو الكشف عن جمالياتها، وفي كثير منها تكون عروضَ عَجَلةٍ بمعنى أن المحرر نظرًا للضغط يكتفي بقراءة قليلة في العمل ثم يقدم شرحه المدرسي عنه، لكن الأمر المحزن حقًا أن بعض الكُتاب من ذوي الرأي قد تعجبهم بعض الأعمال وفي أحايين تُدفع إليهم أعمال من قبل أصدقاء فيكتبون عنها في زاويتهم الأسبوعية أو اليومية، فهل يعتبر هذا نقدًا؟ بالطبع لا، هذه وجهة نظر، لكن الشيء المحزن أن الكُتاب أنفسهم يتوقون لمثل هذه القراءات، خاصة إذا كان الكاتب علا شأنه ومكانته».
ويرى النابي أن «ثمة مقولات يروج لها مع الأسف الكُتاب أنفسهم من قبيل أنه لا يوجد نقد يتماشى مع كم الإبداع الذي تقذف به دور النشر صَباحَ مساء، وهذه المقولة فيها من المبالغة الكثير، فالنقد موجود ومتحقق وفي كثير من الأحيان مساير ومواكب للعملية الإبداعية، لكن المشكلة أن هناك كثيرًا من النصوص يجب عدم التوقف عندها لأنها لا تساوي قيمة الحبر المهدور في كتابتها، وعندما يتم التغاضي عنها تقوم القيامة وتُشْهر أسلحة التنكيل بالنقد والناقد، الذي له ذائقته في المقام الأول، وهي التي تفرز وتنتخب.
كما أن على الناقد أن يُفرق بين ما يكتبه في صحيفة سيارة وما يكتبه في دورية متخصصة، ومعنى هذا لا يخل بمقاييس وأدبيات المنهج النقدي، ففي الصحيفة السيارة لا يستلزم الناقد بالوقوف أمام مقولات نقدية أو نظريات، بقدر ما يعنيه تقريب العمل للقارئ، بشكل لا يبدو فيه إخلال بالمعايير النقدية. العجيب أن بعض النقاد المتخصصين يحكمون أحكاما قيمة (وفي بعضها قطعية) على النصوص وأصحابها من قبيل (النص المهم، والمبدع الأكبر، والمتفرد…إلخ)، ومثل هذا متكرر في مقالات كثيرة ـ للأسف ـ المشكلة خلقها النقاد المتخصصون، الذين لم يراعوا في كتاباتهم أنهم يقدمون قراءات لقراء مختلفي المشارب الثقافية بالنسبة إلى الجريدة، بعكس من يذهب إلى مجلة متخصصة. لكن هذا لا يمنع من القول إن في النقد الصحافي كتابات جادة ومتعمقة وفي الوقت ذاته تكتب بأسلوب يتماشى مع قارئ الجريدة العادي».

أحكام انطباعية غير مؤسسة

لا تخفي الأكاديمية السورية أسماء معيكل تبرمها من تسمية «النقد الصحافي» وترى أنه يمثل قراءات غير علمية، حيث تقول: «بداية لا بد من تحديد المصطلحات بدقة، إذ لا يصح تسمية المتابعات الصحافية والقراءات التي تنشر حول النصوص الإبداعية بالنقد الأدبي، فللنقد أسسه وقواعده، ومن هنا يمكن وسمها بالقراءات الصحافية، لا النقد الأدبي الصحافي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عصر السرعة الذي نعيش فيه، والكم الهائل من الأعمال التي تصدر في كل يوم في دور النشر الورقية، إضافة إلى ما ينشر عبر المواقع الإلكترونية، جعل متابعتها من الأكاديميين أمرا شبه مستحيل، ليس لأنهم متعالون على ذلك المنجز، إنما لأنه يتعذر عليهم متابعته، ولاسيما أن هذا المنجز فيه الغث وفيه السمين، وقد يضيع وقت الناقد في قراءة عمل لا طائل منه. وهنا برز دور القراءات الصحافية التي أدت خدمة مزدوجة للنصوص وللنقاد في آن، بل وللقارئ أيضا. لا يمكن النظر إلى القراءات الصحافية للنصوص الأدبية على أنها قراءات علمية أو موضوعية، لأنها في معظم الأحيان عبارة عن قراءات وصفية، أو ذوقية انطباعية، ومع ذلك فقد قامت بخدمة جليلة لا يمكن نكرانها. إن القراءة الصحافية تقرب النصوص من المتلقي الذي يجد نفسه حائرا أمام الكم الهائل من النصوص التي تنشر في كل يوم، ومن خلال الإضاءة التي تقدمها القراءة الصحافية قد يتحفز المتلقي لقراءة النص أو قد يعرض عنه، وبذلك تؤدي القراءة الصحافية دورا في غربلة النصوص، والخدمة نفسها تقدمها للنقاد والأكاديميين، فمن خلال القراءات الصحافية للنصوص، يتلمسون بدورهم، عبر تلك القراءات، طريقهم لانتقاء النصوص التي تستحق المتابعة بخبرتهم العميقة وذائقتهم النقدية وتجاربهم المخزونة.
وتأكيدا لإيمانها بعدم علمية النقد الصحافي تضيف المعيكل قولها: «إن القراءات الصحافية قراءات سريعة لا تحتمل الخوض في أعماق النصوص ودلالاتها، وربما تمسها مسا خفيا، ولكنها تبقى قاصرة عن الخوض في غمار التجربة النقدية المعمقة التي تحلل النصوص وتفككها وتعيد تركيبها، وفق أسس علمية، لتقف عند دلالاتها بشكل صحيح، ولذلك لا يمكننا أن نركن إلى القراءات الصحافية وحدها فهي عاجزة عن الإلمام بدلالات النصوص وخفاياها، ولكنها من المؤكد أنها تقرب هذه النصوص من القراء بلفت أنظارهم إليها، ودعوتهم إلى قراءاتها. ومن ثم فإنها تقرب الكتاب من القارئ، وتحرض على فعل القراءة الذي نحن في أمس الحاجة إليه. وفي نهاية المطاف، يمكن القول: لا يصح إلا الصحيح، فإذا كانت هذه القراءات الصحافية تؤدي دورا مهما فإنها ستستمر وتزدهر وتتطور، وإن لم يكن الأمر كذلك، وجاءت نتيجة غياب النقد، أو تعالي الأكاديميين، أو تقاعسهم عن متابعة المنجز الإبداعي- إن افترضنا صحة ذلك- فإنها ستنحسر إذا ما قام هؤلاء بدورهم بشكل فعلي».
أما الباحث المغربي عبدالرزاق المصباحي فيرى أنه يجب أن لا نطمئن إلى أحكام النقد الصحافي، ذلك أنه «لا بد من التأكيد على مسألة المغايرة في وظائف النقد الأكاديمي والقراءات الصحافية التي ينبغي أن لا نسميها قراءات نقدية، لأن النقد يقوم على التمييز بين النصوص وتحديد بنياتها الفنية عبر استسعاف منهج معين ومفاهيم دقيقة، وهي صفات لا نجدها في أكثرية القراءات الصحافية التي تعكف، في الأغلب، على وصف الأعمال الأدبية بقراءات محلقة غير مستغورة أو تقديم انطباعات شخصية حولها، أي إنها تندرج ضمن ما يطلق عليه القراءات العاشقة، وهي قراءات لا يفصل فيها الصحافي عن أناه التخييلية، أنا عالمة وناقدة تعي بموضوعها بعمق، بالقياس إلى الدراسات النقدية والأكاديمية التي هذه صفاتها. وبالتالي لا يمكن القول إن القراءات الصحافية يمكن أن تحل محل الدراسات الأكاديمية الرصينة، لأن وظيفتها تنحصر في الإعلان والإخبار والتعريف بالعمل لا غير، لكنها لا تستطيع، بسبب عدم امتلاكها للأدوات النقدية الجادة، على استغوار البنيات الفنية والثقافية للأعمال الأدبية والمقارنة بينها واستخلاص بنيات خطاب عامة تسعف في تطوير نظرية/ نظريات الأجناس الأدبية. ثم إن الدراسات النقدية الأكاديمية تشتغل لحسابها الخاص الذي يكون، في الأعم، مشروعا نقديا خاصا بهذا الناقد والباحث أو ذاك، وبالتالي فأصحابها لا يلامون على عدم اشتغالهم على كل النصوص التي تزخر بها الساحة الإبداعية إما لكثرتها أو لعدم انضوائها ضمن مشروع الناقد أو الباحث. صحيح أن كتابا كثيرين يشتكون من تجاهل أعمالهم من قبل المؤسسة النقدية والأكاديمية ويتهمها بعض القراء بالتعالي، وذلك لا يخص إلا تلك التي تتقعر وتبالغ في استعمال اللغة المفهومية الجافة، لكن هناك، في المقابل، دراسات نقدية موضوعية استطاعت أن تُلين قسوة المفاهيم والمصطلحات النقدية بأن انفتحت على الرافد الشعري وصار المنهج والمفاهيم عبرها أكثر مرونة» ويخلص المصباحي إلى استنتاجٍ صورتُه هي أنه «يمكننا أن نراهن على القراءات الصحافية في تتبع مستجدات الساحة الإبداعية والاقتراب منها، لكننا لا نستطيع، على أي حال، أن نطمئن إلى أحكامها لسبب واضح هو أنها تبقى أحكاما انطباعية غير مؤسسة، وبالتالي فلا فرق بينها وبين النقدات التقليدية المعروفة، ولا ضمانات لنا الآن مع شيوع القراءات الصحافية في الدفع بالعملية الإبداعية وتطويرها، لأن ما يتأسس على الانطباع قد يفتح مسارب كثيرة للأعمال الرديئة البينة رداءتُها، بسبب المهادنة من جهة، ولأنها تصير في الصدارة البصرية للمتلقي من جهة أخرى، خاصة أنها، أي القراءات الصحافية، تكون موجزة ومبتسرة وتنشر في المواقع الإلكترونية التي تصاحب أصحاب الهواتف الذكية في تنقلاتهم وفي الجرائد التي تؤنس وحدة رواد المقاهي ومرتادي الحافلات والقطارات.
هذا بالقياس إلى الدراسات الأكاديمية التي تنشرها مجلات علمية رصينة ومحكمة، وهي تخص النخبة في الأغلب والمهتمين المتخصصين ولا تصل إلى عموم القراء.
هذه عموما بعض الفروق بين القراءات الصحفية والدراسات الأكاديمية، وإننا إن نظرنا إلى مسألة اختلاف الوظائف بينهما، فإننا، تلقائيا، سنتخلى عن فكرة إمكانية ملء القراءات الصحفية ما قد يعتبر فراغا تتركه الدراسات النقدية».

الكتابة الصحافية أزاحت الأكاديميين عن عرش النقد الأدبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية