تونس- : في منتصف القرن الماضي ظهرت حركات نسائية تحريرية كان هدفها تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة، ومن نتاجات هذه الحركة ظهور مصطلح «الأدب النسائي» الذي ارتكز أساسا على مبدأ المساواة والهوية، وهنا قطعا لا نقصد بالهوية التميز بين الذكر والأنثى باعتبار الجنس، ولكن الهوية في جوهرها التعددي من حيث أنها لب الوجود الإنساني بقطع النظر عن جنسه.
غير أن ما يُلاحظ خصوصا ضمن النقد العربي أن المصطلح انحرف بمعانيه ليحدد في مرات كثيرة وفق التميز على أساس الجنس، وهو الأمر الذي يرفضه النص أو الكتابة عموما لأنها لا يمكن بحال أن تجنس.
ولننتبه إلى أن أقصى درجات الإقصاء في التعامل مع مصطلح «الأدب النسوي» هو أن ما يطلق على ما يقابله من قبل من ينظرون له، مصطلح» الأدب» وليس الأدب الذكوري، إلا إن أرادوا عدم الخلط، مما يحيلنا إلى أن الإقصاء في أصله إيديولوجي فقهي يقول بتبعية المرأة واعتبارها فرعاً وليس أصلاً مندغما في الكل.
من هذا المنطلق كان لنا حوارا مع مجموعة من الكتاب العرب لمناقشة جوهر المصطلح وواقع تناوله في المشهد الثقافي.
ففي إطار الصراع الأدبي الذي تخوضه المرأة الكاتبة لإثبات هويتها وقعت في فخ اللاهوية إذ تخلت عن «تاء» التأنيث وانصرفت للكتابة كمذكر، بل وفي الكثير من الكتابات كانت ذكورية المنحى مستلبة اللغة، لا ملامح خاصة بها، بحيث فقدت هويتها من أجل شرعنة وجودها، أو من خلال سيطرة النص الإيديولوجي السائد الذي دفعها لتبني رؤى تعزز سلطة السائد/ المذكر، بما في ذلك من تعزيز لسلطة النص والسلطة السياسية والاجتماعية في آن، وفعل الإقصاء ليس بالضرورة أن يمارس من خارج النوع، فكما قلنا إن الكثير من النساء كن بفعل الكتابة ينطلقن من سيادة النص المقدس الذي عزز سلطة المذكر وتبعية المرأة له على الصعد كافة، وبالتالي لم يكن للفعل الإبداعي أن يكون بمعزل عن هذا لوقت طويل، ولم يمنع هذا من أن الكثير من الأقلام الحقيقية التي تنظر إلى فعل الكتابة كفعل إنساني تعاملت مع النص بوصفه نصاً مبدعاً قادراً على تحقيق كونيته، بغض النظر عن نوع كاتبه، بل أكدت في الوقت نفسه على أن ملامح الخاص في النص ضرورة تساوي كونيته.
ضمن هذا السياق تقول الشاعرة بسمة المرواني «الهوية تطرح في جميع الفنون، خاصة الأدب وهو تحليل «الأنا» في ظل الأيديولوجي والسياسي الوضع المجتمعي المتغير». وتضيف «كلما اختلطت المفاهيم طفا سؤال الهوية على السطح وتجد المرأة الكاتبة نفسها على حد النصل لأنها المستهدفة في حريتها وموقعها الفكري في ظل التأثير العقائدي إبان وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم». كما تقول بأن «تخلي المرأة عن تاء التأنيث في بعض كتاباتها لم يفقدها هويتها كأنثى بل كان سبيلا لتعرية تجارب فارقة في حياة المرأة».
وهو ما أكدته الكاتبة الفلسطينية شيخة حسن حليوة بقولها «إذا كانت الكتابة كمذكر نوعا من التحدي والتجديد أو خيار المرأة مهما كان سببها في ذلك وأسلوبها لا أراه مختلفا عن خيار الكاتب في الكتابة بضمير المؤنث، أما اذا كان خيارها سببه الرضوخ لمجتمع ذكوري وللضغط الذي يمارسه على الكاتبة المرأة كنوع من طمس صورتها حتى على الورق فهو مرفوض ولا أجد له عذرا».
لقد حققت الأنثى تطورا سواء أكان على مستوى المساواة الاجتماعية والاقتصادية، التي كانت بداية لبروز المصطلح، أو حتى ثقافيا لنشهد تطورا كميا ونوعيا للنص النسائي، غير أن المصطلح وقع (استغلاله) ونرد الكلمة بين قوسين خصوصا نقديا ليتم التمييز بين النص والنص على أساس جنس كاتبه، وهو الأمر الذي ينفى أساس وجوده.
الشاعر والناقد محمد السيد إسماعيل يرى «هذه الثنائية التي تقول بوجود أدب نسائي وأدب رجولي هي من مخلفات الفكر الذكوري – رغم تبني بعض الكاتبات لها – لأنها تكرس لوضعية المرأة الأدنى وتمايز بينها وبين الرجل والحقيقة أنه ليس هناك تقسيمة بهذا المعنى».
كما يوضح أن «الأدب إبداع نوعى خاضع لتقنيات فنية يلتزم بها الكاتب والكاتبة على السواء والاهتمام بقضايا المرأة يشارك فيه الرجل والمرأة، لأنها جزء من قضايا المجتمع ومتداخلة بصورة عضوية فيها وليست منفصلة عنها، بل أن تقدم أي مجتمع مرتبط بمدى ما يمنحه للمرأة من حريات ومشاركات في الإطار العام، وقد أثبتت المرأة العربية جدارتها في هذه الأدوار النهضوية منذ بدايات العصر الحديث الذي تعامل معها بوصفها إنسانا قبل أن تكون امرأة.
رغم هذه الصرخات الإبداعية التي خاضتها المرأة في سبيل تحرير نتاجها الكتابي من وصاية الذكور، إلا أنها لم تستطع كسر الرقابة الأخلاقية المفروضة عليها، فكلما كتبت نصا يحتفي بالجسد أو يدخل عوالم الغرف المظلمة إلا ووقعت بين سندان تلويث المقدس ومطرقة مناهضين يرون أن اللجوء إلى الكتابة الجنسانية ليس سوى استسهال للشهرة واختصار الطريق إليها، غاضين ذوقهم عن الأسلوب الفني الذي توخته في تصوير أو تبليغ حالة شعورية وحدها المرأة تفقه أثرها، لذلك نجد المرأة الكاتبة تهرب في اتجاه التورية والترميز اللغوي واللفظي كلما دخلت إلى المنطقة المحرمة (الجسد) ما يجعل السؤال أكثر الحاحا حول ما إذا كانت المرأة الكاتبة تعتمد نوعا من التشفير اللغوي كي لا تثير صراحتها ومباشرتها حفيظة القارئ الشرقي، في هذا الخصوص يقول الشاعر أحمد الشمام «بعيدا عمن حاول من كاتبات أسوة بكتاب آخرين شعرا ورواية وقصة قصيرة تعمد الفضائحية أو المغايرة في الكتابة لاجتذاب الأضواء، من دون شعرية حقيقية وفنية عميقة، لا أجد في ما نشر من إنتاجات أدبية نسائية من قد تعمدت التورية خوفا من المجتمع، بل اعتمدت تثوير اللغة والنهل من مواربتها كفن إيحاء وصنعة أدبية». ويضيف أحمد الشمام بأن «العلة تكمن فيما يجد طريقه إلى النشر».
قول الشاعر أحمد الشمام قد يجد له مبرراته خاصة إذا ما نظرنا من حولنا في طريقة التعامل مع النص الذي تكتبه (أنثى) هنا نستطيع أن نضع كمثال الكتابة الإيروتيكية التي تدحرجت ماهيتها باعتبارها كتابة تنصب ضمن مفهوم المساواة ليُذهب بها للابتذال ولمستوى «النص الجنسي» ولأن كاتبته أنثى فالأمر يزيد من الانجذاب الاستهلاكي لا الإبداعي.
تظل مسألة طرح مفهوم «الأدب النسائي» محل نزاع وجودي وثقافي وملفا شائكا بصعب الخروج منه بنتائج نهائية، ضمن هذا السياق يقول محمد المطرود «إذا لم أخض في مصطلح الأدب النسوي من حيث المؤيدين له والمعارضين كذلك، ولكل منهما حجته أمكنني القول اتساقاً مع نظرية (موت المؤلف) بأن المصطلح منسوفٌ أساساً، وبالتالي القول عن أدب مكتوب بأنه أنثوي/ نسوي وآخر ذكوري، يجعلني أحوّل التمايزات العضلية والفيزيولوجية إلى تمايزات فكرية، وهذا سيكون فيه عسف ضدَّ المرأة وكتابتها، لا يمكن لمن يقرأ قديم الأدب العربي بنقده وأشكال كتابته إلا أن يدهشَ حين يجد أن شاعرةً مثل الخنساء، تصنفُ مع الشعراء الفحول بحكم التوزيع الطبقي لهم، وهذا سيعني أن أغراض القصيدة المتحققة في قول الخنساء تضاهي تلك الأغراض التي يأخذها شاعر رجل.
إن مصطلح ( أدب نسوي) في حال تعدى معرفة أو نسبة النص إلى مبدعه، وفي حال تعدى حاجة بعض الدراسات المجتمعية التي تهتم بدراسة ما قد يحيط بالنص، سيعتبر عندها نوعا من الحط من قدر الكاتب أيا كان نوعه، فالمفترض في العملية الإبداعية ألا يكون هناك رأي مسبق ومبيت في التعامل مع النص أياً كان منتجهُ، والأخذ بما يتوفر منه لصالح الكتابة بوصفها فعلاً حياتياً مخلّصاً وخالداً وممارساً لدوره ومساهمته في بلورة نص كوني قادر على الارتقاء بالإنسان.
إننا مطالبون جميعاً بالبحث عن النص المبدع، بعيداً عن نوع كاتبه أو جنسه، لأن الأصل هو الإنسان كهوية حقيقية خالدة، وآن للأوصياء من أبوات اليمين واليسار والوسط أن يقروا بأن النوع لا علاقة له بإبداعية النص من عدمه، وأن يعلموا أن زمن ولوج الفقيه إلى مخادعنا وحشرنا فيها، وردم عقولنا ومصادرة دورنا في المساهمة في بناء مجتمع إنساني أفضل لم يعد رغم كل ما يسيده من ظلام ودم، ورغم جبروت الفكر السائد، كل هذا لم يعد قادراً على الحياة، فقد أصبح الإنسان يفتش عن هويته الحقيقية ولن يعود إلى الجحور التي حفروها له.
رفيقة المرواني