في مقالة مسجورة بالجرأة المعهودة في الكاتب المغربي المتميز سعيد يقطين، في صحيفة «القدس العربي» (13يونيو/حزيران2016)، وقف عند ظاهرة ثقافية، كثيرا ما يختار الكتاب الممارسين والمواظبين على البحث والكتابة، السكوت عنها، إما خوفا من الوقوع في الإحراج مع بعض الزملاء والأصدقاء، أو بدافع الخوف من الوقوع في حروب هم في غنى عنها. يتعلق الأمر بالشيخوخة الثقافية المبكرة، أو كما سماها سعيد يقطين نفسه بالتقاعد الثقافي.
لم يكن الكاتب سعيد يقطين الوحيد ممن وقف عند هذه الظاهرة. فقبل ذلك بأيام قليلة، وتحديدا يوم 09/ يونيو/2016 في صحيفة «القدس العربي» نفسها، سيقف كاتب مغربي آخر معروف بتميزه وشجاعته وجرأته، عند هذه الآفة الثقافية، ألا وهو الكاتب صلاح بوسريف. ففي مقالة مؤسّسَة على بُنيان معرفي ذي جذور فلسفية، موسومة بـ«المثقف الجامعي أو أسرى كهف أفلاطون»، سيتحدث هذا الكاتب عن المثقفين الجامعيين، مُمَيِّزا بين الذين «يعملون»، والذين «لا يعملون» بتعبير طه حسين.
فأما الفئة الأولى، فقد كان لها حضور وازن وقوي، في الحقل الثقافي المغربي، قبل أن تلج مدرجات الجامعة، على سبيل التدريس، فقط لأن هذه الفئة كانت لها مشاريع علمية قوية في حقول معرفية متعددة: فلسفة، أدب، سوسيولوجيا، أنثروبولوجيا… وبذلك يمكن القول، مع صلاح بوسريف، إن الجامعة المغربية هي التي استفادت من هؤلاء المثقفين بالدرجة الأولى.
أما الفئة الثانية، فئة «الذين لا يعملون»، ويكتفون فقط بالإساءة إلى الذين يعملون، فإنها تتكون من كتاب، بلغوا مرحلة اليأس الثقافي المبكر، ودخلوا مرحلة الشيخوخة الثقافية المبكرة، حتى أصبح الواحدُ منهم لا يجرؤ على كتابة سطر واحد، فكان أن أحيل معظمهم إلى التقاعد الثقافي بتعبير سعيد يقطين، علما بأن هناك البعض من هؤلاء ممن رفض فكرة التقاعد هذه، وبدأ يقاوم موته الرمزي، لا بالبحث والابتكار والإبداع، وإنما بالاستمرار في الحياة الثقافية بالاسم فقط، واجترار أفكار أو (مشاريع) أصبحت متجاوزة بشكل كبير في وقتنا الراهن.
والحق أن غاية هؤلاء المثقفين من وراء مقاومة هذا الموت الرمزي، للأسف، ليس سعيهم وراء تحقيق مشاريع أو أفكار، مهما كانت بالية أو متقادمة، ربما آمنوا بها في فترة من الفترات، وإنما غايتهم كانت هي الحفاظ على مصالح تضمنها لهم بعض المؤسسات الثقافية (الوطنية)، لمجرد استمرارهم في الحياة الثقافية ولو بالاسم، في إطار ما يمكن نعته بالريع الثقافي، وهذه ظاهرة ثقافية أخرى تحتاج إلى نظر آخر.
إن فعل الاستمرار في الكتابة، أو في الحياة الثقافية بالاسم فقط، عند من يفتقرون إلى مشاريع علمية، وإلى رؤية وموقف ثقافيين واضحين، أو من لا يعملون على تغيير أو تطوير أفكارهم، لذو وجهين.
فهناك نوع من الكتاب، استنفد ما لديه من أفكار، حتى إن كانت مشتتة في أصلها، كان قد انطلق منها في بداية مشواره الأدبي/ الثقافي، في إطار مشروع غير واضح، لم يكن يؤمن به إطلاقا، بحيث لم تكن تحركه وتدفعه إلى هذه الحياة الرمزية، سوى أغراضه الذاتية والبراغماتية (بالمعنى القدحي)، قلت إن هناك نوعا من الكتاب لم يعد في جعبته حبر، لكنه وبكثير من الوقاحة، يستمر في ترويج اسمه بمناسبة وبدون مناسبة، حتى يوهم الآخرين بأنه ما زال حاضرا ومواكبا لما يجري ويقع في المشهد الثقافي. فتجده يكتب (يعيد صياغة) مقالا (قديما) وينشره في هذا الملحق، ويعيد نشره بعنوان آخر في ملحق ثان وهكذا. وتجده كذلك يحضر في هذا البرنامج التلفزيوني، على ندرة هذه البرامج، ويُكرَّمُ في ذلك المهرجان الثقافي، كما تجده يستغل اسمه للضغط على بعض الجمعيات والمؤسسات الثقافية الوطنية، طمعا في بعض السفريات إلى الخارج (الخليج تحديدا) بدعوى المشاركة في بعض الندوات الدولية، والحقيقة يعرفها هو فقط، ومن أرسله؛ مع العلم أن هذه المؤسسات الثقافية الوطنية، وُجدتْ أصلا للدفاع عن ثقافة الابتكار والإبداع والبحث والتجديد والتطوير، لا عن التكرار والتنميط والتحنيط.
كان هذا الوجه الأول للكاتب أو المثقف الذي يختار الاستمرار في الحياة الأدبية والثقافية بالاسم فقط. أما وجهه الثاني، فيمثله ذاك الكاتب الذي انقطع نهائيا عن الكتابة، ولم يعد له أي حضور في المشهد الثقافي، لكنه للأسف ما زال حاضرا باسمه داخل الدرس الجامعي، إذ ما يزال يستأثر باهتمام زملائه من الأساتذة الذين يوجهون طلبتهم قسرا للبحث في أعمال هذا الكاتب أو ذاك، التي أُلّفتْ فيها بحوث وأطاريح جامعية بما يكفي أو أكثر، حتى أصبح الخوضُ في (المشاريع) القديمة لهؤلاء، عبئا على الطلاب الباحثين، لكن أين المفر؟ فالطالب لا يجد بدا من هذا النصيب.
والغريب أن هذا النوع الثاني من الكتاب الذين يستمرون في حياتهم الثقافية بأسمائهم فقط، عندما يحسون بأنهم قاب قوسين أو أدنى من تقاعدهم الثقافي، يبادرون بتحريك ما تبقى من أقلامهم، كجندي متقاعد يستعرض ذكرياته/ أوهامه وسط أبناء الدرب، فيكتبون مقالا أو كتابا، لكنهم يظلون، للأسف، عبيد أفكار أصبحت متجاوزة بفعل التقادم، وأنهم يجدون أنفسهم ما زالوا يستثمرون «رأسمالا معرفيا متجاوزا» كما يقول سعيد يقطين، إنه التقاعد الثقافي النسبي ذاك الذي يبدأ مبكرا.
والحاصل إن الكثير من المثقفين الجامعيين، أو بالأحرى الأساتذة/ الموظفين الجامعيين، لا ينتجون، ولا يكتبون، ولا يبحثون، ولا هم يحزنون. ومع ذلك، فهم يحصلون على الأهلية، في إطار الترقية المهنية المشروطة بجدية البحث والملف العلمي، ولا أدري كيف يتم ذلك، كما أننا نجدهم يستفيدون ماديا ومعنويا، إذ تطبع لهم جامعاتهم محاضراتهم البائسة، على أساس أنها كتب أو مشاريع علمية، والحال أنها مجرد أفكار مأخوذة من هنا وهناك، في البدايات الأولى لتعيينهم.
أذكر وأنا طالب جامعي (قسم الدراسات العليا في ظهر المهراز فاس/ تخصص أدب حديث)، في بداية تسعينيات القرن المنصرم، أن أستاذا لإحدى المواد المقررة في تلك السنة، كان كتب محاضرته، في تلك الفترة، بخط يده على أوراق خضراء لونها. وبعد سنوات قمتُ بزيارة الكلية من باب الفضول والحنين في الوقت ذاته، فكان أن صادفت زيارتي هاته، محاضرة لهذا الأستاذ وفي المادة نفسها. الغريب في الأمر أن مياها كثيرة جرت تحت جسر الدرس الأدبي، وأن رأس صاحبنا ولحيته قد اشتعلا شيبا.. بل حتى الأوراق المعلومة، تغير لونها وأصبحت صفراء بفعل عوامل التعرية. كل شيء تغير إلا محاضرة أستاذنا الفاضل.
لم يعد اسم هذا الرجل يذكر. لقد جفّ قلمُه وخانه، على الرغم من أنه يحرص بانتظام شديد على تأطير أطاريح الطلبة، إشرافا ومناقشة. بالله عليكم، كيف لأستاذ لم يعد مواكبا لما يقع ويحدث في الحقل الأدبي، من مستجدات ومتغيرات متسارعة، أن يخلق من الطالب أستاذا باحثا ومنتجا، لا مجرد موظف في وزارة التعليم العالي؟
بعد ذلك، سمعت أن أستاذنا الفاضل حصل على المغادرة الطوعية، ليختفي اسمه من الساحتين الجامعية والثقافية نهائيا.
والحق إن الدولة المغربية فعلت خيرا، عندما أراحت الجامعات المغربية، من بعض الأساتذة الذين لا يربطهم بالجامعة سوى الراتب الشهري ونزواتهم المهربة في تابوت الكبت والقمع، كما جاء على لسان محمد بطل رواية «المرأة والوردة» لمحمد زفزاف، بمنحهم الحق في المغادرة الطوعية، وكذا منحهم الحق في التقاعد الثقافي النسبي.
٭ كاتب مغربي
محمد الديهاجي