■ « تيرانجا « أول رواية للشاعر الموريتاني محمد فاضل عبد اللطيف، تضم 25 فصلا، صدرت ضمن منشورات دائرة الثقافة والإعلام في الإمارات لحصولها على المرتبة الثالثة في الرواية، الإصدار الأول. ويشي غلافها الذي صممه الفنان ضياء الدين الدوش، بنيتها وأسرارها، إذ يجمع بين والأسود والبني المفتوح ولون الدم القاني. وحين نقرأ النص يبدو فضاء الرواية بشكل الغلاف نفسه، وتبدو الشخصيات الأفريقية والزنجية أقرب إلى ضحايا مشبعة بالمآسي والقتل البشع حين يتحول الإنسان إلى حيوان مفترس لفرط شهوة الانتقام التي تجتاحه، إذ تركز فصول الرواية على نقاط توتر بارزة في التاريخ الاجتماعي الموريتاني مثل أحداث 1966 العرقية والإثنية.
أما العنوان الذي اختاره الكاتب «تيرانجا» فليس سوى مفردة تعني: حسن الضيافة، ولكن كما يقول السنغاليون والموريتانيون، إن الأمر يتجاوز مجرد حسن الضيافة، وإن التيرانجا ليست مجرد كلمة، ولكنها أسلوب حياة يعكس طبيعة الشعبين الموريتاني والسنغالي. فالشعب السنغالي دوما ما يستقبل ضيوفه بأيد مفتوحة، والكلمة مستقاة من اللغة «الولفية» وهي لغة رسمية في موريتانيا والسنغال وتتحدثها إثنية وطنية، وعليه تكون لفظة « تيرانجا « سخرية سوداء من سوء الضيافة، إذ تحولت الأيادي المفتوحة احتفاء بالضيافة إلى أياد ملطخة بالموت، وكما لو أن العنوان في النهاية تسمية الأسماء بأضدادها كما في درس البلاغة العربية.
في ضوء ما سبق يرصد الكاتب قصة «السلام» الملقب بـ«تول»، والأبيض البشرة الذي واكب انطلاقة الأزمة، والذي وكلت إليه حماية ثم ترحيل السنغاليين الموجودين في نواكشوط، لكن سيجد نفسه بعد 18سنة في الضفة نفسها، نقرأ في ص 7 :» «على الضفة الموريتانية للنهر يقف شرطي في أواسط عقده الخامس، بجانب سيارته الحكومية من طراز (تويوتا بيك أب)، يسحب من سيجارته أنفاسا حارة، وقد كاد يغرق في الذكريات والملاحظات البائسة. ما أشبه هذا الصباح الهادئ؛ بذلك المساء الصاخب «، ثم شخصية «الشيخ» زوجة «اعل» الرقيب في الجيش التي ربطتها علاقة حب مع السلام لكنها بقيت في حدود الوعود والمماطلة، ثم «بوبكر» الممرض الموريتاني الأفريقي الذي يحمل قناعة قومية وتطرفا ضد العرب ولغتهم، إضافة إلى شخصيات أخرى.
تتناول رواية « تيرانجا» جملة من الموضوعات نذكر منها : الموت، الحب، الهوية.
في الح :
يعتبر الحب من أهم الموضوعات التي شغلت الإنسان كقيمة فريدة عالجتها الرواية في إطار شعرية خاصة وطابو في الثقافة العربية، وجاءت الكتابة عن الحب في هذه الرواية كمحرك للأحداث وكنشيد ألم إنساني، وكصرخة مدوية ضد الاستهتار بهذه القيمة العاطفية الجوانية، هكذا نجد « الشيخ «زوجة الرقيب في الجيش «اعل»، ترتبط مع «السلام» بعلاقة حب بعد تخرجه في مدرسة الشرطة، حيث أبدت اهتماما ملحوظا بشخصيته بعد أن كان على الهامش «أحس كثيرا باهتمامها خلال هذا المساء، وطالما كان ينتظر هذا الاهتمام، وعندما اختارت أن تغير من مكان جلوسها المعتاد، جلست بجانبه، ووضعت مواعين الشاي الأخضر، سائلة إياه عن أيام التدريب ومشقتها» ص 66.
لكن هذه العلاقة لم تكن سوى حرقة ولوعة من جانب « السلام «، وتسويفا من جانب «الشيخ « التي تنكرت له في النهاية بالرغم من تضحياته ومغامراته الجسام « وعندما كرر الزيارة للمرة الرابعة خلال ثلاثة أيام خرجت إليه خالتها قائلة:
«ماذا تريد ؟ الشيخ متزوجة، لا تعد مرة أخرى… ألا تفهم.
فالسيدة الشيخ شيدت لها حياة أخرى وفق الذي كانت تحلم به بعد طلاقها من الرقيب « اعل»: «تطلقت من زوجها اعل بطريقة محترمة، واحترفت التجارة والعلاقات العامة.»
في الموت :
يستدعي ذكر الموت في ذهن القارئ كثيرا من الأجواء المرعبة في مجتمع محاط بالألغاز والإثنيات، وهو غارق في رواية «تيرانجا» حيث يرصد الكاتب محمد فاضل عبد اللطيف تناسل الموت بأشكال وطرق فظيعة ومرعبة أباحت القتل والدمار، حيث شهد الوضع متواليات فوضوية وعبثية أودت بحياة المئات من السنغاليين المقيمين في العاصمة نواكشوط، ولأن الرواية ابنة الواقع والبيئة، فقد تشكّلت في مفاصلها السردية ملامح هذا الواقع المتشابك المكتظ بالموت العبثي، تصوره وتعيد إنتاجه، وتشرح أسباب ما جرى ويجري فيه بوسائل متنوعة، تجمهر يسفر فيه الموت عن وجهه البشع ويصيح مشاعا، بل وفرجة تدفع إلى إطلاق الزغاريد، وهو ما التقطه الكاتب بعدسته « لم يمت السائق، بل حاول في آخر رمق الاحتماء بباطن السيارة، لكن رجله سحبته من الجهة الأخرى، وأصبح ملقيا على الإسفلت، وانهالت عليه الحجارة من كل صوب فمات رجما «وسط زغردة النساء شبه العاريات».
« أخرج بعضهم جثته ميتا في استعراض للشجاعة، وألقى بها على قارعة الطريق، وتعالت الصيحات والزغاريد من قبل النسوة اللواتي ارتدين ملابسهن وقد اطمأنن إلى سير العمل».
في سياق رحى الموت، يشير الكاتب بالموازاة إلى العديد من الروايات التي رصدت مشاهد الموت البشع نفسه في السينغال ضد « البيضان» فنقرأ من نماذجه حسب الروايات بعض الشخصيات :
« وتقدمت اغلانه شريكة الشيخ في الدكان تقص فجيعتها على الحشود وتقول « لقد قتلوا أخي ونهبوا دكانه… قتلوه وسحلوه في الشارع وأنتم هنا لا تبالون». في هذه الشواهد النصية
يستعرض الكاتب الدلالات والإيحاءات التي ينسجها الموت في تعالقه مع البنى الروائية، وكيف أن الراوي يبث الموت وسط تلك البنى مستثمرا الإمكانات المعبأة في المفهوم ليصل إلى غايات معينة، وهي الكشف عن رؤيته السياسية والاستراتيجية وعن أحداث العنف الدامية بين الموريتانيين والسينغاليين
في التعصب العرقي:
كثيرون يعتقدون أن التعصب العرقي موضوع لا علاقة له بحياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراهنة، أو بآمال الأمم، وأنه موضوع تاريخي قد انتهى. لكنه كان وباق ولا يزال ذا آثار كبير ة في حياتنا الحالية، بل له تأثيرات أخطر من التعصب الفكري، أو الحزبي، أو النقابي، أو الرياضي. لأنه يجعل الإنسان يتشدد فيرى نفسه دائما على حق ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان.
جاءت رواية «تيرانجا «حافلة بهذه الممارسات التعصبية، وأنها واحدة من المشاكل الرئيسية التي تواجهها في تفاصيل الرواية، وفي كل من المجتمعين الموريتاني والسنغالي، حيث نقرأ في المتن الروائي تصنيفا للجماعات الإنسانية على أساس انتمائها إلى عرق أو أصل معيَّن، مما يعني أنه تمييز عنصري.
ومن تجليات هذه العرقية في رواية «تيرانجا» التي تشير إلى تصنيف سلبي للناس يقوم على مبدأ االعنصرية والإقصاء، يقول السارد : «هكذا تدخل الدكتور باكاري لمصلحة بوبكر لعدة أسباب، فهو ينتمي إلى هذا المجتمع الذي شكلت فيه المحسوبيات حجر الزاوية، وهو أيضا ضجر مما يقر في نفسه ولا يبديه علنا، وهو عنصرية البيظان».
كما يتجلى حس التعصب في تزييف الواقع دون أن يكون وفق مقتضي الحكمة والصواب. يقول السارد:» قالت السيمة التي تخرج من بيتها طوال اليوم : فعلا إنهم لم يقتلوا امرأة ولا طفلا، وتدخل رجل آخر : لقد قطعوا نهود النساء في السنغال وقدموا دماغ طفل لأمه كوجبة «
وهذا من شأنه إذكاء النعرات وحدة التوتر والقلق حيث نقرأ:» اتفجرت الفتنة إذا، وما عاد في وسع أحد أن يوقفها قبل الوصول إلى غايتها، حتى ولو كان ذلك الشخص هو الذي فجرها «.
صفوة القول، «تيرانجا» نص روائي يتعانق فيه الحــــب المغشوش والموت المجاني والحقد والتعصب العرقي في مستوياته المتعددة، في ظروف البلاد في تلك المرحلة، وفي ظل الفســــاد، وسيطرة النعرات، وتصادم الهويات، ودخول الأعراق المتعددة في صراعات جهنمـــية ودموية، وذلك بعين لاقطة تتغيا الجمال واستلذاذ القراءة.
٭ كاتب مغربي
عبدالله المتقي