أكثر ما يفطر قلبي هو الكراهية بين أبناء الوطن، وأنا أراها تولد وتنمو وتترعرع وتتكاثر وتكثر. هذا الوطن قد يكون العراق، او اي بلد آخر، أو الكرة الأرضية برمتها التي هي وطن الإنسان . عندما تتحول الكراهية من مرض خبيث الى ثقافة وطريقة حياة وموقف من الحياة ينتقل من جيل لجيل آخر، فهذا يعني أنها لن تنتهي وتزول بالانكار او التجاهل او غض الطرف او تجنب الحديث عنها او التقليل من شأنها . وهنا اتساءل هل الكراهية كثقافة وطريقة حياة هي ابنة الحرب، ام ابنة الطائفية، ام ابنة التمييز، ام ابنة القتل على الهوية، ام ابنة لكل ذلك . يتعدد الآباء وتبقى الكراهية ابنة لهم كلهم !
ربما يمكننا أن ننظر للكراهية على أنها جزء من كل فرد منا . انها الشخصية المتوارية التي تلازم وتبطن وتلتصق بالشخصية الرئيسية للفرد التي تبرز في الواجهة لتقتسم ادوار الحياة بين الناس . هذه الشخصية الظل الباطنة تتغذى على الشخصية الرئيسية الأم وتمتص منها دم الخير والطيبة والآدمية !
فعندما تتحول الكراهية من سرطان خبيث الى ثقافة وطريقة حياة وموقف من الآخر المختلف، فلابد من تفحص النفس العليلة، ووضع اليد على المواضع التي تنبتها وترعاها للتعرف عليها ومداواتها وعلاجها . إن أكثر ما يخيف هو أن تتحول الكراهية من نزعة فردية الى نزعة جماعية مجتمعية يتعلم الفرد بموجبها أن كراهية الأفراد المختلفين عنه هو طريقة عيش مقبولة، لا وبل طريقة عيش تستحق الثناء والاعجاب والمباركة والترحيب .
ولنا أن نتساءل الكراهية كثقافة وطريقة حياة كيف تنشأ وتتكون وتنتشر ! يمكنني أن افترض أن الكراهية تولد من الخوف ممن هو مختلف عنا . الإنسان يخاف من كل ما لا يعرفه، يخاف من الغموض والأسرار والمجهول والغرباء والظلمة، ومن كل غير مألوف لديه، يخاف من السماوات الطباق والفضاء المزدحم بالاجرام والمجرات والنجوم، لأنه يجهل عوالمهما، يخاف من المحيطات العميقة، لأنها غارقة بالعتمة . ولذلك يقال إن الإنسان عدو جهله، او عدو ما يجهل . وهذا مايجعلنا نفهم كيف تعاني المجتمعات الصغيرة المحافظة والمنغلقة على نفسها من حاجز الخوف والريبة بكل ماهو غريب عن هذا المجتمع .
وبالإضافة لذلك، يوجد نوع آخر من الخوف يقف خلف الكراهية كثقافة وموقف من الحياة : إنه خوف مجتمع ما من فقدان وجوده او كينونته او منزلته . فعندما يدرك مجتمع ما إنه مهدد في بقائه أو مكانته، فإنه يدفع أفراده الى تبني ثقافة العداء والثأر والانتقام . وسرعان ما ينجذب نحو هذا المجتمع الافراد الذين لديهم نفس احاسيس الخوف وذات مشاعر التهديد، مكونين بذلك مجتمعا قائما على الكراهية لكل مخالف لهم، مجتمع يحرص افراده على منع الغرباء من الانضمام له . وهذا ما نشاهده بوضوح في بعض مجتمعات الهجرة، مما يفسر رفض هذه المجتمعات للمهاجرين وكراهيتهم لهم وعدوانيتهم ضدهم .
ثقافة الكراهية تنشأ ايضا من الغرور والتعالي الذي يشيد حدودا شاهقة عازلة لكل من يعيش خارج هذه الحدود الشاهقة التي يشيدها رجال السياسة، او الدين، او القادة بمختلف صنوفهم، والذين يصورون كل من هو خارج هذه الحدود على أنه أقل آدمية، او اقل شأنا، أو أقل قيمة ممن يعيشون داخل الحدود الشاهقة المرسومة . هذا الفكر الذي يصور الآخر المختلف على أنه من درجة ادنى من بني البشر هو الذي يفتح الباب للحروب وللممارسات الوحشية ولاحداث الإبادة الجمــــاعية . فمثلا تجار الرقيق عبر العصور كانوا ينظرون للعبيد كحيوانات اقل آدمية من بقية البشر .
كذلك الجنود الامريكان الذين ذهبوا الى العراق ابان ما يسمى بعاصفة الصحراء، وابان احتلال العراق، كانوا وباعترافات مرئية صوتية منهم، يطلقون على العراقيين تعابير تتسم بالكراهية والمقت من قبيل الرأس المنشفة والجمّال او راكب الجمال او زنجي الرمال، ويستعملون هذه التعابير وهم يقومون بقصف المدنيين، وقصف البنى التحتية المدنية، وقصف خزانات المياه . بل ان الجنود الامريكان يؤكدون أن افرادا كثيرين من الشعب الامريكي نفسه كانوا يستعملون هذه التعابير المهينة عندما سمحوا لحكومتهم بان تحاصر شعب العراق بالعقوبات الاقتصادية القاسية والمضنية طوال سنين طويلة .
كثير من الناس يمارس الكراهية دون وعي كامل منه أنه يفعل ذلك . فمثلا في العراق، أفراد كثيرون، ربما دون وعي أو دراية، اوربما عن جهل وقلة كياسة وتهذيب ولياقة، يصمون أفرادا من ابناء مجتمعهم او مجتمعات اخرى بصفات، تبدو في معانيها الظاهرة حيادية، ولكن استعمالاتها حرفت لتشي بايحاءات مهينة، تحمل اطيافا دلالية القصد منها تحقير المشار اليه وتصغيره وشتمه . ومن هذا القبيل مفردات مثل «شروكي، شروكية، معيدي، معدان، عرب، عربان، بدوي، بدو، كردي، اكراد، مصلاوي، هندي، هنود، كاولي، كاولية، يهودي، جرذان»، الخ . وهكذا نرى كيف تتحول الكلمات من مفردات لغوية الى رصاص يقتل ويدمي ويجرح ويجترح الازمات ويشعل الحروب ويسفك الدم، دون ان يكون مستخدم اللغة فطنا لذلك واعيا له .
وهكذا نرى ان السماحة كثقافة، بمعنى تقبل الآخر المختلف، لا تورث للفرد، ولكنها قيمة مكتسبة ولابد من تعلمها وتعليمها وتدريسها . فالفرد ينشأ في مجتمعه وهو يعتقد اعتقادا راسخا ان طريقة حياته هي طريقة الحياة الصائبة الوحيدة، وان لاوجود لاية طريقة حياة صائبة اخرى غيرها . وهذا منهج خطير للغاية، لأنه ينطوي على عصبية لا ترى الا نفسها كطريقة حياة وحيدة ممكنة.
ان التعرف على ثقافة الكراهية وفهم جذورها العميقة النابتة في عمق المفاهيم والعقائد المجتمعية الموروثة، تكمن اهميتها في أنها تؤسس الى رسم سياسات اجتماعية، وبرامج تدخّل، وكذلك مناهج تربوية تعمل على محاربة رصاص الكراهية وصده . وهذا مما يحسن نوعية حياة الإنسان ويحسن سبل التواصل بين الافراد والمجتمعات على حد سواء .
٭ كاتبة من العراق
شهباء شهاب