الكرتون يحمل تعبيراً تجريديا ليس للممثل تقديمه… إيلي داغر: «موج 98» جمع بين الخيال والواقع والشخصي

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: هو السؤال الملتبس عن صلة كل منا بهذه المدينة المحيرة التي اسمها بيروت. تشبهنا أم لا؟ ننتمي إليها أم لا؟ سيل من أسئلة طرحها المراهق ايلي داغر خلال لقاءاته الأولى في التسعينيات مع عاصمة وطنه بيروت. ومع نضوجه وتخصصه بالإخراج في جامعة الألبا كان فيلم «موج 98» والسعفة الذهبية من مهرجان كان. جائزة نالها سنة 1975 الجزائري محمد لخضر حامينا عن فيلمه الطويل «وقائع سنين الجمر»، ولأول مرة عربياً. لبنانياً ترشح لجائزة لجنة التحكيم الخاصة المخرج الراحل مارون بغدادي عن فيلمه «خارج الحياة» عام 1991. ونال السعفة الذهبية إيلي داغر بعد عقدين ونيف. في بيروت كان معه هذا الحوار:

■ أن يفتخر فنانون كما ليلى علوي ورسميون كوزير الثقافة اللبناني بالسعفة الذهبية التي حصدوها في مهرجان كان فماذا يعني لك هذا كمخرج؟
□ هو تقدير كبير لي وكذلك فخر لكون فيلمي رفع اسم لبنان في عالم الفن. جائزة نقلت لبنان في الإعلام إلى خبر وصورة ثقافية، بخلاف الصورة السائدة عنه في الخارج كبلد المشكلات المتراكمة ومن كافة الانواع. أتشرف أن يقدرني فنانون ورسميون، وأشكرهم.

■ هل يكتفي المبدع من الرسميين في وطنه بكلمة مبروك وعافاك الله؟
□ ليس لي من رجاء أو أمنية خاصة. ما أتمناه أن يستقيم وضع لبنان، وأن يبدأ بتسجيل خطوات نحو الأمام.
■ تعرفنا إليك من خلال فوزك بالسعفة الذهبية ولم نعرف ظروف بحثك عن إنتاج لإنجاز فيلمك «موج 98»؟
□ بداية انتجت فيلمي بنفسي، ومع كتابتي للسيناريو بدأت البحث عن المؤسسات التي تدعم السينما العربية. وجدت الدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون ـ آفاق، بعد شهرين من تقديم السيناريو. ونلت 80% من تكاليف الإنتاج، وبدأت العمل. وبعد سنة كنت بحاجة لمزيد من الدعم الإنتاجي فطلبته من مؤسسة الدوحة للأفلام. صحيح أنني لم أجد صعوبات في تمويل فيلمي، إنما لا شك بأن وجود مؤسسة وطنية لدعم السينما في لبنان أمر ضروري. المؤسسات التي تدعم السينما في الدول العربية تعد على أصابع اليد الواحدة، ودعمها محدود.
■ هل هو حال كافة المخرجين في العالم؟
□ في أوروبا على سبيل المثال توجد تسهيلات أكبر. الاجتهاد مطلوب من أي مخرج ليحصل على التمويل المطلوب. المخرج الجديد تواجهه مصاعب خاصة في المرة الأولى. ومن لديهم سيرة ذاتية تشفع لهم سيجدون الدعم السريع.
■ نعرف بدعم أوروبي لأفلام المخرجين الشباب العرب لماذا جئت إلى الدول العربية بحثاً عن إنتاج وأنت تعيش في بروكسل؟
□ عندما قررت إنتاج الفيلم لم تكن قد مضت على وجودي في بروكسل سنتان. لم أكن قد تعرفت إلى خيوط الإنتاج في بلجيكا، وطبيعي أن أطلب دعماً عربياً.
■ لماذا «موج 98» ومن أين أتت التسمية؟
□ تعبير «موج» يرتبط بفكرتين. يرمز لما هو أبدي. إنه كما موج البحر في صعود وهبوط. يتجدد ويتكرر. هي فكرة لعبت عليها جيداً في مسار الفيلم. إنها لعبة الزمن، والأمور التي تكرر نفسها. وكذلك هو البحر، الذي أراه في لبنان متنفساً للمدينة من تلوث الضجيج والازدحام. أما رقم 98 فهو مفصلي في حياتي. كافة الأفكار والأسئلة التي ازدحمت في رأسي كانت سنة 1998.
■ هل رويت ذاتك في هذا الفيلم؟
□ صحيح القصة تحمل ما هو شخصي، إنما عمر بطل الفيلم ليس أنا. في «موج 98» نحن مع قصة خيالية مبنية على تجارب شخصية. عمر يشبهني حين كنت في أواخر عمر المراهقة في التسعينيات. في ذلك العمر زرت لأول مرة مناطق الحمراء، الأشرفية وغيرها من مدن بيروت. حينها كان الوطن ينعم ببعض الإيجابية. ورشة إعمار وتجديد. في بعض من سيرته يرمز عمر للقائي الأول مع المدينة. أما الرجل الكبير في السن، فلا وجه ايجابي له. بالعكس هو سلبي، ويرمز إلى وجهة نظر مطابقة لما نعيشه حاضراً في لبنان. يجمع الفيلم وجهتي نظر، تلتقيان قليلاً، ومن ثم تتقاطعان. لم أكن أهدف لتغليب أي من وجهتي النظر. هدفي إيجاد توازني الداخلي، ومع أي من وجهتي النظر أنا. هذا السؤال جوابه شخصي جداً، وليس للفيلم أن يقدمه مطلقاً. على المشاهد البحث عن الإجابات المناسبة له، وبأي كفة ميزان يرى نفسه؟ وكيف يربط ذاته بمدينته؟
■ يؤرقك سؤال أين أنت من مدينتك بيروت؟ هل وجدت راحتك؟
□ بعد سنة من بدء عملي على الفيلم وجدت راحتي. تصالحت مع المدينة. وبحثت عن إجابات. في خلال عملي على الفيلم تطورت أفكاري. وكانت حالة التوازن بين وجهتي النظر الموجودتين في الفيلم تتبدل. شخصياً لم أكن أعرف نفسي أين أتجه. وعندما بدأت العمل على الفيلم كنت أجهل نهايته. كلما كنت أكتشف المزيد عن الفيلم، كانت نهايته تتضح لي. وبعد سنة من العمل اتضحت تلك النهاية.
■ أن يبدأ الفيلم وينتهي بتلك النقاط التي تكبر وتكبر وتلتف وتضمحل لم يكن أمراً مريحاً لي كمشاهدة. هل علامات الاستفهام تلك أمنت لك الراحة وأعطتك أجوبة؟
□ هي علاقة كل شخص بذاته مع مدينته. منهم من تربطهم صلة إيجابية مع المدينة. ومنهم من تربطهم صلة سلبية للغاية. تركت لكل مشاهد أن يجد الجواب الذي يرضيه مع مدينته.
■ لماذا اخترت اسم عمر لبطلك؟
□ لأنني أحب هذا الاسم.
■ لماذا كان خيارك الكرتون؟
□ صور الفيلم ديكوره وأشخاصه جميعها تنتمي لمضمونه. ولأن الفيلم شخصي في جزء منه ويحكي علاقتي بمدينتي، رغبت بتضمينه ما هو حقيقي، مطعماً بقليل من الوثائقي. استعنت بالأفلام التي جمعتني مع والديَ في الصغر. وكذلك شريط من نشرات الأخبار. هي حقيقية لتمنح الفيلم بعداً آخر. أردت الأشخاص كاراكتيرات ترمز لمن هم حقيقيون. عمر يرمز لتجربتي في أماكن محددة. الباقون برأيي يرمزون لسكان بيروت من دون تحديد. الجواب أنني اخترت الكرتون لكونه يملك قدرة التعبير في جانب تجريدي لم أكن لأجده لدى أي ممثل.
■ زمن من 15 دقيقة نشعره وكأنه فيلم روائي طويل. كيف تمكنت من هذا التكثيف في الأفكار والموضوعات والمشاهد؟ هل هو سر الفيلم؟
□ كان للمخرج عبد الرحمن سيساكو رئيس لجنة التحكيم للأفلام القصيرة في مهرجان كان هذا العام، رأي بهذا الخصوص. قال لي بعد العرض هذا ليس «كور متراج» بل هو فيلم قصير متكامل. ثناء عنى لي الكثير. ثمة أفلام قصيرة تشبه «تريلور» فيلم طويل إنما غير كامل. انصب اهتمامي ليكون الفيلم كلاً متكاملاً. ولم يكن عندي قرار بتحديد زمنه بـ15 دقيقة. هكذا خلُصت المعطيات خلال العمل.
■ جمعت بين صرير أقدام الرجل الذي يشبه غرانديزر ومنتهى الرومنسية في عناق عاشقين. ماذا تقصد بهذا التناقض؟
□ هو الفيل الذهبي الذي يرمز لما هو ضخم من موجودات المدينة. وفي الوقت نفسه هو حساس وشاعري وليس عدائياً. يمثل ثقلاً في المدينة، وجوده يُمسكها. بالنسبة لي هما مشهدان يكمل أحدهما الآخر، ولا تعاكس أو تناقض بينهما.
■ في النقد الذي كُتب حول الفيلم طالعتنا كتابات عن عدم انصهارك أو اندماجك في مجتمعك. هل هي إشكالية خاصة بك أم إشكالية جيل ووطن؟
□ هي إشكالية مستمرة لدى الكثير من اللبنانيين من جيلي، ومن هم أكبر وأصغر. أشعر بأن الفرد اللبناني ربما يجد راحته أو توازنه في انعزاله عن السياسة القائمة في البلد، وكذلك الوضعين الاجتماعي والاقتصادي.
■ هل تجيب الدولة المدنية على أسئلة جيل ما؟
□ ربما تكون بداية لنتمكن من بناء وطن متحضر نحلم به.
■ هل تتابع افلاماً عربية؟
□ أسعى دائماً لهذا الهدف رغم صعوبة الأمر في بروكسل. أهتم بأعمال غسان سلهب، جوانا حاجي توما وطوني جريج.
■ هل بات الطموح صعباً بعد الجائزة؟
□ إلى حد ما. طموحي الاستمرار في الكتابة ليكون لي فيلم جديد وطويل. العمل بدأ.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية