الكشف بالنسق في الإيحاء والتحيز

ارتباطا دائما، بما جاء في مقالاتي السابقة، في صحيفة «القدس العربي»، حول منهج «التأويل النسقي»، بوصفه مقاربة نقدية طموحة قد تشكل نموذجا بديلا ونبيلا، لنواقص الدوغمائية المنهاجية، على أساس أنها مقاربة، تسعى جاهدة للإفادة من مختلف العلوم والمعارف (تكامل المعارف)، قلت ارتباطا بذلك، سأقف في هذا المقال، عند أداتين/آليتين أساسيتين، تشكلان، بالإضافة إلى المفاهيم السابقة، التي سبق أن وقفت عندها، في المقالات المشار إليها، قبل حين، مكمن القوة بالنسبة لهذا الإطار المنهاجي.
في المفهوم الضمني/الإيحاء:
ليس من شك أن العالم، حسب معظم السيميوطيقيين، ومنهم الأمريكي سان جون بيرس هو نظام/نسق من العلامات، نتحايل عليها وبها، من أجل فهم كينونتنا. إن العلامة، حسب بيرس دائما، هي «شيء يعني لشخص شيئا ما في بعض المواقف».
وبناءً على ذلك، فإن علم الإشارات، حسب أمبرتو إيكو، من حيث المبدأ «يعد الدراسة الفرعية لأي شيء يمكن استخدامه للكذب، فإذا لم نستطع استخدام شيء ما للكذب، فلا يمكن على النقيض تماما استخدام هذا الشيء للصدق. فلن يفلح هذا الأمر على الإطلاق».
ولما كانت النصوص والعلامات والرموز، تسترفد الحقيقة، في جوهرها وكنهها، بشكل مضمر، فإن الكشف عنها يتطلب تأويلا قادرا على التوعر في الطبقات السفلى للمعنى، بما هو كينونة برأسين: المعنى، وفائض المعنى (المعنى المضاعف)، الذي هو في حاجة ماسة إلى تأويل مضاعف أيضا، من جهة، ومن جهة ثانية يتطلب هذا الكشف/التأويل، خبرة مضادة قادرة على فكّ هذه العلامات، بما هي إمكانية للوهم والزيف والكذب (إيكو).
إن أي علامة، إلا وتتكون من معنى ظاهر/حرفي ومعنى ضمني/إيحاء. وفي الحق إن الإيحاء، هو أسلوب تخييلي مهم وخطير، في حياة الإنسان، إذ به وله يفكر.. يفكر به من أجل أن يتصل بكينونته.. ويفكر له لكي يجعله طاقة متجددة وقادرة على فضح الزيف والكذب القابع وراء المعنى. لذا ينبغي علينا، نحن النقاد، أن تكون لدينا الجرأة والشجاعة الكاملة، لكي نقرّ باستحالة تفسير بسيط، يقوم على منهاج أحادي الزاوية، لأي نص، كيفما كانت طبيعته. لأنه – النص- بكل بساطة يتشكل من خصائص رمزية/أسطورية معقدة جدا. وبذلك فإن الجري وراء المعنى، يبدو في غاية الصعوبة. لكن بتفكيك الأنساق المضمرة في النص ـ أخذا بعين الاعتبار أن النص هو حالة ثقافية – إن على المستوى المعنوي، أو الجمالي، يبدو السبيل إلى سلسبيل ممكنا وسالكا؛ لأن الأنظمة الجمالية للنص، هي شكل من أشكال المعرفة والفهم، وقد تشكل، كما يقول إدوارد سعيد «تحرر المرء من ماضيه وروابطه وتحالفاته».
فالأكيد، أخذا برأي السيميولوجيين، أن النص، بما هو حادثة ثقافية، يحمل شيفرات ثقافيةً أيضا، بطريقة خفية، جماليا ومعنويا وإيديولوجيا، بشكل يزكي الهيمنة، أو ينقضها. وسيكون من المفيد جدا، أن نعمل بتقنية التداعي الحر، التي أبانت عن نجاعة كبرى في التحليل النفسي الفرويدي، من أجل استدعاء الأنساق الثقافية الثاوية في النص نفسه، على اعتبار أن الثقافة نفسها هي «نظام للشيفرات يتماثل في نواح عديدة مع اللغة».
مفهوم التحيز:
هو مفهوم أثبت قدرة عالية، في الخطاب النقدي ما بعد الكولونيالي، على فضح الأساطير المؤسسة للمركزية الغربية (في نزوعها نحو الهيمنة) وكذا سلطة الخطابات. إن التحيز، هو حركة مزدوجة، في اتجاه الإثبات والنفي.. التعظيم والتحقير.. الذات والآخر.. هذا الأمر، هو الذي جعل النقد ما بعد الكولونيالي، خصوصا مع إدوارد سعيد، يتمتع بشغف محموم ورغبة، في الفضح والهدم، استرفدها من مفهوم «النسق الضمني» الذي ابتدعه من صميم خلفيته النقدية التي ترى أن الخلفية الجمالية لبعض النصوص العظيمة، قد تدُسُّ الكثير من الوقاحة واللا إنسانية. يقول «وبالإشارة إلى الأعمال الجمالية فإنه يمكن لهذه المجتمعات –الغربية- أن تكون أعمالا عظيمة من إبداع الخيال، وأن تضم في الوقت نفسه وجهات نظر سياسية ظاهرة الشناعة والقبح، وجهات نظر تسلخ الإنسانية عن غير الأوروبيين، وتبرز شعوبا وأصقاعا بأسرها خاضعة ودونية».
والحق إن أهمية التحيز، في النقد النسقي، راجع بالأساس إلى حركته المزدوجة المشار إليها سابقا في النصوص الأدبية، وكذا بما هو حضور ثنائي الأضلاع.. حضور بمعنيين متناقضين، أي إن حركته تسير في اتجاهين متعاكسين، جيئة وذهابا.
أولا على الناقد أن يكشف القبح، ويتصدى لكل المضامين الثقافية المكرسة للهيمنة والإقصاء، تلك التي تُبرِّر، بكثير من السفالة، الإسفاف، والضعف، وعقلية القطيع، والممارسات اللا إنسانية، أو تدعو لها.
فمعلوم أن الخطابات الأدبية، هي وقائع ثقافية بالضرورة. وقائع أنتجها نسق ثقافي مهيمن ومتحكم. وهي بذلك، مدعوة لكي تنحاز إلى هذا النسق، بوعي وبغير وعي.. برغبة أحيانا، وبمحض فطريات الكاتب/المبدع.
ثانيا المؤوِّل النسقي، مطالب بالانتصار والانحياز للمحمولات الثقافية المضادة للهيمنة والرجعية ووهم الفحولة، التي تدعو، بالمقابل، للقيم الحداثية الحقة.. تلك التي تنتصر للاختلاف والمغايرة، مظهرا وروحا. فالحداثة في الأدب، هي تجديل للخيارات الجمالية المتحررة من كل الشكول الفيودالية، التي تحمل عداء كبيرا للفكر والتحرر، وذلك بالاحتفاء بالمضامين الثقافية الحارقة، وكذا الاشتعال عند تخوم هيأتها المضادة.. عند تهندمها الطارئ أيضا.

٭ شاعر وكاتب مغربي

الكشف بالنسق في الإيحاء والتحيز

محمد الديهاجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية