الكندي الشاب زافييه دولان: انتصار جيل سينمائي جديد

حجم الخط
0

حمل مهرجان كان السينمائي في دورته السابعة والستين الكثير من المفاجآت والمفارقات، كعودة جان لوك غودار للمنافسة على السعفة الذهبية، بعد غيابه عن المهرجان طوال 13 سنة، من خلال فيلم «وداعا للغة»، الذي أُعتُبر تحفة فنية وفكرية، حتى أن صحيفة فرنسية وعدت بجائزةً مالية لمن يستطيع تحليل الفيلم ونقده.
لكن أهم تلك المفاجآت كانت حصول الفيلم على جائزة لجنة التحكيم، مناصفة مع فيلم «الأم» اخراج زافييه دولان، وهو أصغر مخرج شارك في المهرجان هذه السنة، إذ يبلغ عمره 25 عاماً، بينما غودار هو الأكبر سناً في المهرجان: 85 عاماً. تكريم دولان في مهرجان كان السينمائي، للمرة الثالثة، ليس نصراً له، أو لموطنه كيبيك، أو لبلده كندا فقط، بل أيضاً لجيله السينمائي.
خطاب دولان، الذي ألقاه بعد حصوله على الجائزة، كان مفعماً بالمشاعر والعواطف، حيث قطعه عدة مرات ليستعيد رباطة جأشه، شاكراً لجنة التحكيم، وخاصا بالشكر رئيسة اللجنة المخرجة جين كامبيون، صاحبة فيلم «بيانو»، الذي اعتبرها ملهمته السينمائية.
فيلم دولان الأخير، «الأم»، بمثابة عودة الى فيلمه الأول «أنا قتلت أمي» الذي وفر له سلّم النجاح فاستطاع الصعود عليه بسرعة الى القمة، مجسداً حالة فريدة من التألق والوعي الفني المبكر. خطه السينمائي ينصب على مرحلة المراهقة وغريزة الأم وتعاملها مع أطفالها، وحالة الإضطراب والإنفجار المفاجىء والإرتباك النفسي والتغيرات عند مرحلة البلوغ. سيكولوجية المراهق هاجسه الدائم في جميع أفلامه، فسينما دولان تمثل مرآة محيطه، عاكسة رؤية المراهقين والشباب المختلفة عن نظرة الناضجين للحياة.
ودولان كندي الجنسية، والده المغني والممثل الكندي من أصل مصري مانويل تادرس، الذي اكتشف موهبة ابنه في الغناء والتمثيل مبكراً، فأخذ يعكف على رعايتها وتسويقها. وكانت مشاركة دولان الأولى على صعيد السينما في سن الخامسة، من خلال فيلم «الرحمة» انتاج 1994، للمخرج جان بودين. وبعد مساهمات في الكثير من الإعلانات التجارية، سجل دولان حضوراً قوياً بمشاركته الأولى على صعيد المسلسلات الدرامية، من خلال « قانون الصمت»، سنة 1996.
استطاع وهو في التاسعة عشرة من عمره، لفت الأنظار إلى فيلمه الأول «انا قتلت أمي» سنة 2009، الذي استوحى حكايته من خلال علاقته بأمه، مجسداً كل تلك الإشكاليات الزمنية والظرفية والإرهاصات والأسئلة التي تطفو على السطح في كل مرحلة من الزمن، ليكون مثل أفلام السيرة الذاتية بالنسبة إليه. تلك الحالة خلقت الموضوع الأساسي، واللبنة الدرامية، لدى دولان في كل أفلامه وفكره السينمائي.
ولقد فرّغ كل مواهبه وإمكانياته في خضم هذا العمل، الذي كان من كتابته وإنتاجه وإخراجه ومونتاجه وبطولته وتصميم أزيائه وهندسة الصوت وإدارة الإنتاج. وقد حصل الفيلم على 28 جائزة عالمية، منها ثلاث جوائز من مهرجان كان. وبرهن على استحقاقه لنجاحه الأول في فيلمه الثاني «دقات القلب» سنة 2010، الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي وفاز بخمس جوائز من مهرجانات عالمية. وعلى غرار فيلمه السابق، قام دولان بتنفيذ الكثير من الأدوار الفنية.
أعقبت هذا النجاح سلسلة نجاحات مستمرة، استطاع دولان انجاز خمسة أفلام من كتابته واخراجه وانتاجه وتمثيله ومونتاجه، بينها «ضربات القلب» 2010 و»لورنس في كل الأحوال»، 2012، و»توم في المزرعة» 2013. كذلك قام بتمثيل 17 فيلماً ومسلسلاً درامياً، كما برع في التعليق الصوتي والدوبلاج وتجسيد الشخصيات الكرتونية في أهم مسلسل كرتوني أمريكي «الحديقة الجنوبية».
سينما دولان مؤطرة بالشغف والحيوية، مفعمة بزخم العاطفة والكوميديا السوداء. وهو يعتبر هذا الخط السينمائي موجته الخاصة التي أحبها وأتقنها جيداً، على مدار مشواره الفني الزاخر بالأعمال، مقارنة بسنه.

٭ مخرج سينمائي سوري

مالك نجار

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية